إن أصعب الكلمات كتابةً، وأيسرها وصولًا للقلب، وأمرقها اختراقًا للجبال الرواسي هي من تخرج من القلب في عشق أحدهم. ليس مجرد عشق نابع من إعجاب عابر أو انبهار مؤقت، وإنما هو استقرار يقيني تشبث في أعماق القلب.

في ظل حالة الهذيان والخمول وانتشار روح اليأس والجمود، يخرج إلينا شاهراً سيف إيمانه الراسخ، يبوح بصوته، لا يُساوَم بلقمة الخبز، ولا بشربة الماء، وأكرم لي أن أموت هنا في سبيل الله، يجدد فينا الأمل واليقين أن هناك رجال مازالوا قابضين على جمرات الحق الملتهبة، مهما كلفهم من تضحيات، ومهما بذلوا من دماء وأرواح.

يخرج من عرينه في حالة من الضعف والإجهاد الشديد، قدماه لا تكاد تحمله، تنظر له، وللوهلة الأولى تظن أنه سيُعلن التفاوض والخضوع بمجرد إمساكه بمكبر الصوت، إذ تفاجأ أن الأسد يمسك المكبر مسكة قوة، ويبوح بصوته الجهوري: لن نخضع لأي ابتزاز سياسي؛ ليثبت للعالم أن أصحاب المبادئ والقيم .. أصحاب الرسالات لايمكن مساومتهم.

خرج أحمد عارف من عرينة، في مثل هذه الأيام من العام الماضي؛ ليجسد أمام كاميرات العالم أروع مشهد للحب الطاهر النقي – استقبل الإعلام صدره الذي بان منه عظمه من قلة الطعام – لروحه الثاني: زوجتة الصابرة، كأعظم مشهد تكتب على أثره أروع روايات الحب والأفلام الرومانسية، وليؤكد أن من نراه من مشاهد رومانسية خلف الشاشات، إنما هي مشاهد زائفة لا ترتقى الى حد الهزل، فمن أراد أن يرى حبًا حقيقًا صادقًا فلينظر إلى عارف وزوجته.

ليؤكد أنه مهما تعرضنا لابتلااءات ومحن، لكننا نشتاق إلى ذلك اللقاء الذي يتجدد معه العزم والصبر.

وفي هذه الأيام يخرج عارف أشد ضعفًا وأكثر إجهادًا لا يكاد يستطيع السير، يخرج ليعلن أن لا قيمة للبدن ما دام في القلب ثبات ويقين في الله، في وقت ظن الجميع أن عارف سيركع، فإذا به يستعلي في عزة وإباء.

يُوجه أحمد عارف لطمة شديدة لاصحاب اللحى المعطرة، والألسنة المفوهة، بأن الدين إنما هو عقيدة وجهاد، وأنه لن يتم إيمانك، إلا بإفراغ كل وسعك في بذل كل الجهد.

يُوجه أحمد عارف رسالة إلى قادته القابعين في فنادق الخارج، مفاداها: نعم التربية وبئس المربي.

يوجه أحمد عارف رسالة إلى شباب التيار الإسلامي: أننا لن نمل إن مللتم، ولن نكل ونيأس وإن هادنتم، إنها معركة فاصلة وقضية عادلة، فذلكم الطريق لا حياد عنه.

بالفعل من ذاق طعم الحب الحقيقي؛ أدرك ما فهمه عارف حين جمعه اللقاء بينه وبين زوجته، من أدرك قيمة الثبات والصبر واليقين في الله، صار كعارف في ثباته وصموده.

لكم تحتاج الأمة الآن لأمثال أحمد عارف، ليوجهوا بوصلتها الحائرة، ويشدوا من عزمها، ويواجوا محالاوت الإذعان والخنوع تحت أى مسمى كان.

أحمد عارف ليس مجرد متحدثًا إعلاميًا للإخوان أو طبيب أسنان ماهر، وإنما هو إنسان بكل ما تحملة الكلمة من معان وقيم ورسالات.

إن أحمد عارف ليس مجرد شخصية مشهورة إعلاميًا أو طبيب أو محقق حديث، وإنما هو حالة مركبة بين النبل والإخلاص وصدق التعامل وحب الخير والوطن، كان يرى أن خدمة أمته ودينه من أعظم الواجبات، بل دائمًا ما كان يردد: إن أعظم نية يحتسبها الإنسان هي السعي على مصر، ونهضتها، وحُسن الدعاية، وجميل السمعة لها.

لعلها كلمات قليلة، لكن ربما القلب لا يبوح، أو إن شئت فقل: لا يمكنه أن يبوح بما هو في داخله، فمن ذاق عرف يا سادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد