لطالما شكلتِ الجيوشُ خطُّ الدفاعِ الأولِ عن الدّولِ والبلدان عبرَ التاريخ، التي اعتادتِ عبرَ تاريخِ البشريّةِ الطويلِ أنْ تبنيَ القلاعَ والحُصونَ والأسوارَ العاليةَ في مواجهةِ الأعداءِ والأخطارِ، للمساعدة في ردِّ الغُزاةِ ودحرِهم، واليومَ تقومُ الدولُ بتصنيعِ الطائرات والدبابات والصواريخ الذكية منها وغير الذكية، ليس فقط من أجل تحقيق قوة ردع ضد الدول الطامعة، بل أيضًا لممارسة العدوان في كثير من الأحيان؛ لذلك كانت الجيوش هي المعيار الأول لقوة الدول، ومع دخول العالم حقبة العولمة التي حولت الأرض إلى قرية صغيرة حيث لم يعد للحدود أي معنى، وبات الاقتصاد يشكل عاملًا مهمًّا في قوة الدُّول أو ضعفها.

إلا أنّ انتشار فايروس كورونا غيّر هذه الحقائق، وأصحبت الجيوش في جميع الدول كأحجار الشطرنج، تتساقط وتنتظر دورها في السقوط ولا تملك من أمرها سوى منع الناس من التجول أو الحركة بحرية بين مدنهم وأحيائهم، فالعدو هذه المرة خفيٌّ لا يميز بين غني أو فقير، بين كبير أو صغير، ينسابُ بهدوءٍ وثقةٍ ودون حذر، يتغلغل في المجتمعات وبين الشعوب.

وأمام هذا العدو الخفي ونحن في القرن الحادي والعشرين حيث وصلت البشرية لأقصى درجات التقدم التكنولوجي والحضاري ومازلت تتقدم، ولم ينفع كل ذلك للتصدي لهذا العدو الخفي. كلُّ هذا جعل من الكوادر الطبية بجميع فئاتها (أطباء وممرضين وفنيين و…) إلى التقدم والوقوف في الصف الأول لقيادة المعركة الحاسمة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إنسانية الإنسان الذي باد ماديًّا إلى حد التطرف، هذه الإنسانية التي افتُقدت في كثير من مواطن الصراع على امتداد رقعة الكرة الأرضية.

إلا أنّ الأطباء ومن خلفهم جيوش من الممرضين أخذوا على عاتقهم الوقوف في خط الدفاع الأول للتصدي لهذه الجائحة التي تعصف ببني البشر دون تمييز، ولا تملك الجيوش والحكومات إلا التراجع إلى الصف الثاني في المواجهة وتنفذ ما يخرج به الخط الأول من قرارات، وأثبتت الوقائع أن الدول التي استهانت بتعليمات الأطباء قد خسرت كثيرًا فإيطاليا وإسبانيا مثلًا لم تعرِ اهتمامًا كبيرًا لانتشار الفيروس؛ مما جعلها عرضة لخسائر جسيمة في الأرواح، وما زالت، وكذلك فعلت الولايات المتحدة والنتيجة كارثية.

وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة وتَنقُّلِ الفيروس بين الدول، تظهر عنصريّةُ بعضِ البشر فقد دعا الخارجية الأمريكية كلَّ من لديه خبرة في المجال الطبي إلى تقديم هجرة إلى الولايات المتحدة الأمر الذي عدَّهُ كثير من المتابعين فرصة ذهبية للكوادر الطبية الشابّة في تغيير ظروفهم المعيشية والصعوبات التي تواجههم في بلدانهم، فيما وجد آخرون في هذه الدعوة نظرة عنصريّة وتكريس لنظرة ترمب – أمريكا أولًا – وهي النظرة التي تجعل من حياة الأمريكيين أولوية على حساب حياة الشعوب الأخرى وبالأخص شعوب الدول الفقيرة.

 والتي تعاني حكوماتها من مشاكل عديدة ليس أولها الفقر وليس آخرها الفساد، بل تفتقد الكثير من الحكمة في التعاطي مع كوادرها العلمية حتى باتت هذه الدول تعاني نزيفًا حادًا جراء هجرة العقول من أراضيها بحثًا عن حياة أفضل، ومع دعوة الرئيس الأمريكي هذه أصبحت معركة الدول الفقيرة على جبهتين؛ جبهة التصدي لفيروس كورونا وانتشاره وجبهة الحفاظ على الثروة البشرية المتمثلة بالأطباء الشباب الذين يسعون لحياة أفضل.

وجملة القول فإنَّ فايروس كورونا غيَّر قواعد الاشتباك بين الدول والحضارات فلم تعد الجيوش والطائرات في الخط الأول، بل تقدمت الكوادر الطبية الصفوف وباتت صمام الأمان الذي نحتمي به بعد الله عز وجل من تبعات هذا الوباء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد