الحفاظ على هويتنا

أنا فلسطيني الأصل من قرية المسمية الكبيرة التي هاجر منها أهلنا منذ عام 1948 ميلاديًّا، وباعتقادي أنها القرية الأقرب لمدينتي اللد والرملة في فلسطين؛ وأنا قد ولدت في دولة الكويت وعشت حياة جميلة جدًا لفترة من عمري؛ وأعيش الآن في غزة.

ومنذ أكثر من سنتين قمت بنشر مقال خاص باللغة العربية والمحافظة عليها بعنوان (لغتنا العربية فلنحافظ عليها ولنتمسك بها) وكانت العبارة التالية من هذا المقال:

مثال حي آخر، الثوب الفلسطيني الذي ينتشر بالعالم لم ينتشر إلا لأنه يمثل حضارة تتمثل في عادات وتقاليد ونمط حياة وإنتاج فلسطيني في أي بلدة، أو قرية، أو مدينة , أو أي بقعة بأكملها فالتطريز على كل ثوب يمثل أساسيات الحياة وعاداتها وتقاليدها للبقعة الخاصة بها لذلك هم حافظوا عليه فحافظ العالم عليه (1).

وأنا متأكد من هذه العبارة أن الثوب الفلسطيني هو أساس من أساسات فلسطين حتى أنني عندما قمت بزيارة القدس لفترة معينة قصيرة منذ حوالي عامين، وبدأت أبحث عن ثوب فلسطين لأمي في أسواقها التي كان المنفذ لهذه الأسواق باب العمود (وهو مدخل للمسجد الأقصى)؛ فاذ بأحد البائعين تحدث لي بأنه كان هناك حنة لعروس وكل الأثواب تم بيعها لأهل هذا الفرح؛ ووجدت ثوبًا آخر عند بائع آخرٍ واشتريته؛ فشيء جميل أنه ليومنا هذا في الضفة الغربية هناك اهتمام بالثوب الفلسطيني وبإحياء الثوب الفلسطيني.

هي لا تقاس على الثوب الفلسطيني بل تقاس على الانتماء للبلد التي نحن منها وخاصة لو كانت بلدان ذات عراقة، والكثير من بلاد العالم التي سبقت فلسطين والدول العربية تكنولوجيًا ربما هم دون حضارة قائمة والحضارة تعني خلاصة من التفاصيل لأهل المنطقة يتوارثوها، ومنها من يُفتخر بها في بلادنا الأم وفي بلدان أخرى.

النقطة الأساسية

نقطة أساسية وأعتقد أنني قد تحدثت فيها سابقًا أنه لو أنت أو أنا أنتجنا منتجًا يطبق في بلدك ويستفاد منه واستطعت نشره في أماكن أخرى حول العالم الذي بدأ بفكرة وأصبح منتجًا؛ وأصبح هذا المنتج تحت اسمك وتحت اسم البلد المنتجة لهذا المنتج سواء البلد الأم للمنتج أو غيرها من البلدان؛ وهذا شيء عظيم جدًا في إنتاج منتج ورفع اسم المنتجين عليه سواء صاحب الفكرة أو المطور لهذه الفكرة أو المَنتج.

وربما أنه من القليل جدًا وجود منتجات عربية بأسماء عربية حول العالم أنتجت في بلدان غير عربية؛ ومن المؤكد أن أكثر المنتجات (وخاصة التكنولوجيا والتقنية) تحت الأفكار العربية يتم تطويرها في دول أخرى (غير عربية) بدون ذكر الملكية لمالك فكرة المنتج في حال بيع الملكية الفكرية لشركة غير عربية؛ لذلك أعتقد أن عدم ذكر الملكية الفكرية للعربي يساعد ويعمل على اندثار تدريجيي للقوة العربية الفكرية الإنتاجية بعد بيع فكرة المنتج.

لذلك لا بد من المحاولة رغم الظروف الصعبة التي يمر بها الإنسان العربي في العموم والفلسطيني على الأخص أن نتمسك قليلًا بما يخصنا من عادات وتقاليد نافعة للمجتمع، من لغة، ومن صفات طيبة تنتج إنتاجًا جديدًا مفيدًا للمجتمع وطيبًا، من لباس يحافظ على الهوية والنخوة العربية وغيرها في نفس السياق حتى يبقى لدينا وجود وتأثير في هذا العالم.

الأفكار المنقولة

يجب أن نتذكر حين نحاول استقطاب أفكار وتنفيذها، تصرفات، وأشياء أخرى من بيئات أخرى مخالفة لبيئاتنا أنه وفي نفس الآن من الممكن أن تكون عاداتك وتقاليديك التي أحييتها بطريقة تتواكب مع العصر بمضمونها أفضل بكثير من شيء من مستقطبات أنت اكتسبتها يمكن أن تكون مرفوضة من المجتمع نفسه الذي انبثقت منه هذا الشيء من المستقطبات.

قدرتك على الابتكار

في ابتكارك منتجًا جديدًا يستفاد منه في الشركات العالمية؛ واستطاعتك تقديمه لإحدى هذه الشركات؛ فهذا يعني أننا من الممكن تقديم فكرة جديدة يستفاد منها في مكان معين بحيث لا تخرج عن طور إنسانيتنا وأخلاقنا ورحمتنا في المستفيدين والمتضررين المحتملين من هذا الفكرة (أي نكون منتجين بما نحمل من أخلاق وعادات وتقاليد نافعة وطيبة).

والمغزى هنا أننا يجب أن نتصل مع العالم بما ينفع البشرية من أفكار وأن نستقطب منهم ما هو مفيد بالقدر المستطاع وأن ننشر الفائدة الطيبة للعالم من حولنا.

العادات والتقاليد الطيبة

وحتى لا تكون أفكار مرفوضة لديك وتتطبع بها تدريجيًا من خلال استقطابك من العالم من حولك؛ تغلب على إنسانيتك وعلى عاداتك وتقاليدك الطيبة؛ لا بد من الانتباه أن العالم الذي تقدم علينا وأصبح أرقى منا بكثير ببعض الأشياء هو العالم الذي أنتج أفكارًا نابعة عن علم وعن اعتزازه ببعض الأفكار، العادات والتقاليد، وغيرها التي تربى عليها والتي هي نقطة صقل لموهبته؛ فكانت نقطة القوى هي العمل والعطاء والانتماء الذي مثل هذه الفئة وهو ربما انتماؤه إلى إصلاح شيء معين في مجتمعه بإنتاج منتج أو خدمة مفيدة، التي عزز انتشارها للعالم.

نقطة أخيرة

نقطة أخيرة في هذا الحديث رغم أنه ربما هناك نقاط كثيرة لم نذكرها وهي نقطة عدم القدرة على إدراك نفسك وقدراتك والنظر إلى العالم الخارجي بصورة غير صورته ربما تصل إلى صورة أعلى من الحقيقة.

فحاول أن تتعلم من العالم الخارجي العلوم المفيدة والنافعة لك ولمجتمعك باللغة الخاصة بهم، لأن المهم هو العلوم ونقلها حتى ننهض بحضارتنا بإشراكها مع العلوم النافعة.

نقطة إدراك النفس وقدرات النفس مهم جدًا، فهي تصنع لديك مقارنة صحيحة بينك وبين العالم من حولك لتكون هذه النقطة الموجه لك لتطوير قدراتك.

أنا وغيري من بالجامعات قد تعلم أغلب العلوم باللغة الإنجليزية والتي تم تدريسها من كتب أجنبية (بغض النظر إذا ما كانت للذي نسبت إليهم هذه العلوم بالكامل أو علوم لأمم أخرى وتم تطويرها مثل الأمة العربية التي كانت في يوم ما من أرقى الأمم في العلوم)؛ ففي مجال دراستي الجامعية أغلب المراجع التي تعتمد عليها في البحث باللغة الإنجليزية وليست العربية والسبب أنهم استطاعوا تطوير العلوم وصقلها وتسميتها بمسميات باللغة الإنجليزية أو باللغة الأم لهذه العلوم التي ترجمت بمسميات إنجليزية.

وفي النهاية حاول أن تعزز رقيك وتقدمه بأخلاق وأن تعززها بهويتك حتى تكون هذه العزة نقطة إنتاج؛ والعظماء في العالم هم ليس العباقرة والأذكياء جدًا فقط الذين صقلوا قدراتهم في مجال أو أكثر في هذه الحياة؛ بل هم من حاولوا بالعمل الجاد في أفكار ربما تقليدية ولكن انتشرت للعالمية بتقليديتها وببساطة فكرتها وبإتقانها.

القوة دائمًا لأصحاب العلم، فنرى بنظرة صغيرة سنغافورة قبل وبعد تطوير العلوم؛ من بلد صغير فقير محدود الموارد إلى السيادة التي قامت على الاحترام والتعلم والتمسك بعادات وتقاليد طيبة ربما ليست عاداتهم وتقاليدهم وربما جزء منها من عاداتنا وتقاليدنا ومتأصلة بنا؛ ونظرة إلى منتجات العالم من حولنا التي ربما تحمل اسمًا لصاحب المنتج وتحمل في شكلها وبعض تفاصيلها محتوى المنطقة المنقولة منها؛ فعلينا أن نعتز بأنفسنا وأن نتمسك بهويتنا بالقدر المستطاع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1)
عرض التعليقات
تحميل المزيد