مخارج الأزمة الجزائرية من الدستور أم من الشرعية الشعبية؟ ربما وئام سياسي جديد

يبدو أن المتظاهرين المزيفين، أو الذين وجدوا متنفسًا للخروج، يعطلون فعلًا المتظاهرين المسيسين بتفاوت طبعًا، مع السكوت الدولي المقصود – سياسيًّا وإعلاميًّا- للتعجيل بالمطلب المهم الذي خرج من أجله الشعب، ما يعطي مساحة واسعة للسلطة من أجل المناورة وإخفات الصوت القوي والاندفاعة القوية للموجة الأولى.

لكن رغم ما أصبحت توحي به المظاهرات من أنها مهرجان ومتنفس عائلي، ومجال للتعارف بين الشباب، فإن السلطة لا تجد حتى هذه اللحظة ما تقدمه للخروج من المأزق، ما أدى بكل المتحالفين الحزبيين السابقين إلى الإسراع في القفز من ظهر البقرة التي حلبوها طويلًا، وأعلنوا انضمامهم للشعب، ما يعني عمليًّا الانسلاخ التام من كل مبادرة يقدمها الرئيس، ويمكن حتى الرفض تماهيًا مع المطالب الشعبية، وهي من المفروض أن تكون الطرف المبادر بحكم أنها كانت، وما تزال إلى حد ما، فاعلة في كل ما جرى ويجري الآن. فجاءت التنصلات تباعًا من الرئيس وأفعاله، وستأتي الأيام القادمة باتهامات متبادلة بين الأحزاب الرئاسية لتنتج اتهامات للرئيس وعائلته.

المواد الدستورية التي قتلت وطحنت تأويلًا لا تعطي أي طرف أفضلية التأثير في سير الأمور، وهنا سيعود هامش المناورة للاتساع بالنسبة للسلطة لتربك المتظاهرين الذين يريدون الاجتثاث التام للمنظومة بأكملها، دون الاجتثاث الذي تتطلبه الثورات وعنفها الفكري، مع غياب التأطير الشعبي الذي يكون واجهة تتحدث باسم من يطالب بالاجتثاث التام، والتنبيه هنا واجب أن كل تغيير شعبي يرفض مباشرة أي تمثيل، سواء كان من الأحزاب التي تمثل قمعًا للثائر الحالم بقوانينها ولغتها السياسية، التي تفزع سامعها مباشرة، وهنا أصبح الميدان ميدان مبارزة مباشرة بين الشعب والنظام، الذي وجد أن قنوات الاتصال مع الشعب مسدودة، وأضاع فرصة ثمينة للتهدئة والتطمين؛ بتعيين نور الدين بدوي وزير الداخلية، وتعيينه رجلًا يقود المرحلة الانتقالية، والذي عضه حنش سيبيت يحلم به، إحالة على أن رجل الداخلية عندنا دومًا قامع للحريات، وخادم مراوغ لصالح من عينه، لذلك ابتعد الشعب مسافات كبيرة عن السلطة.

المناورة الوحيدة المتاحة الآن، وحسب ما جاء في الدستور الجزائري في المادة 104: لا يمكن أن تُقال أو تعدّل الحكومة القائمة إبّان حصول المانع لرئيس الجمهوريّة، أو وفاته، أو استقالته، حتّى يَشرَع رئيس الجمهوريّة الجديد في ممارسة مهامه. هذه المادة بإمكانها إرباك جميع من يريد رحيل النظام وحكومته متذرعين بمرض الرئيس، وهو ما يمكن أن تلجأ له السلطة في القريب، وتصبح الحكومة أمرًا واقعًا، ووجودها قانونيًّا ودستوريًّا، بعد التضحية الطوعية بمنصب الرئيس.

يريد الجميع الخروج من عنق الزجاجة وإنقاذ البلاد؛ حتى لا يتكرر المشهد اليمني أو السوري، أو أي بلد آخر أراد شعبه الحرية والكرامة، لكن أليس الحين قد حان من أجل التعجيل بمبادرة للمصالحة الوطنية مع النظام الذي جعل منه الجميع لصًا اقتات لعقود على عرق الجزائريين؟ فالمسألة الآن مسألة وجود، وبالرغم مما أوحى به حلفاء الرئيس، من أنهم يتنصلون منه، فذلك لم يشفع لهم وقد لفظوا تمامًا، وأصبح التفكير الآن ما حدث في تونس من مصادرة أملاك كل رجال النظام واعتقال أغلبهم، وتشكيل رابطات حماية الثروة التي مارست العنف ضد الجميع، من رجال المال والأعمال، وكل من ظهر في وسائل الإعلام، وهدا ما يرهق أعصاب من كانوا بالأمس يعلنون الرئيس رسولًا مبعوثًا لإنقاذنا، وقبل أن يحل قول شمشون علي وعلى أعدائي محل الانسحاب بهدوء، يجب أن تعطى ضمانات معينة وتوجد آليات لاستنساخ الوئام المدني من جديد مع النظام، والسير إلى الأمام بمركب الحرية الذي لم يخض بعد لجة البحر. وإلا ستستهلك الطاقات بالدخول في متاهات تدوم لسنوات، وسيظلم الكثيرون، مما سيمهد لنوع جديد من القمع باسم العدل، وسنخسر كفاءات وشخصيات من الممكن الاستفادة منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد