تقرير «من يضحك أخيرًا، الدولة أم الإرهاب؟» للأخ العزيز، والكاتب المبدع، الأستاذ محمد العتر شدني في اتجاهين:

 

الاتجاه الأول مُرتبطٌ بما أعجبني في المقال، وهو التالي:

– جمال فكرة المقال، وجديتها، ومناسبتها لما يدور في العالم كله من أحداث.

– ثراء المقال بالمعرفة؛ ففي كل سطر معلومة، ومع كل فقرة إفادة.

– سردية تكوين الشخصية «الإرهابية»، وأن هناك سمات يشترك فيها من أُطلق عليهم «الإرهابيون» قبل أن يتحولوا للإرهاب. هذه السردية ملاحظة جديدة وجميلة وسابقة من مراقبٍ فَطِن.

– فكرة استحضار معنى «الإرهاب» عند اليساريين بالذات، فكرة في مكانها؛ فاليسار عادة ما اعتُبرالممثل الشرعي للعمل الثوري – إن صح التعبير – ولطالما ارتبط العمل الثوري عنده بالعنف فكرًا وفعلًا.

– الحديث عن إرهاب الدولة المشروع ملمح ممتاز ومتأصل، خاصة في حكوماتنا العربية والإسلامية، وكم من الخطايا ارتكبت في العالم تحت هذا المصطلح، وبغطاء منه!

– المقابلة بين مفهوم الدولة عند فيبر وعند إنجلز،بكل ما فيها من تناقض وتعارض ودلالات ومآلات،مقابلة واعية.

– القول إن تنظيمي «القاعدة» و«داعش» يلتقيان مع الهيبيز والبلشفية والنازيين الجدد، ملمح ممتاز؛فعلى الرغم من أنهم ظاهريًّا مختلفون، بل على طرفي النقيض؛ إلا أنهم في الحقيقة ملتقون وبرابطة قوية، لذلك كانت هذه النقطة ملمحَ متدبرٍ ذكي.

– ربط «نهاية التاريخ» بالإرهاب والدولة وداعش ربط موفق، والواقع أن كثيرين تحدثوا، بل ونظَّروا حول مسميات «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات» ومثيلاتهما؛ لكنهم في معظمهم اكتفوا بالتنظير، ولم يربطوا هذا بأرض الواقع، وهذا الربط هو ما فعله هذا التقرير.

 

أما الاتجاه الثاني، فهو ما استثارني واستفز قلمي لأكتب وجهة نظري في نقاط تناولها المقال، وهي النقاط التالية:

– في رأيي أن كلًا من الإرهاب والدولة، ليسا طرفين متقابلين، بل هما في الغالب طرف واحد، وإن بدا الأمر غير ذلك. وبالمناسبة مقال الأستاذ محمد العتر يؤكد هذا، على الرغم من أن العنوان يظهرهما طرفي نقيض، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أساليب جذب القارئ من خلال العنوان.

نظرة تاريخية لتولّد الإرهابيين من أي اتجاه كانوا، تؤكد أنهم في الأصل صنيعة الدول، لتحقق من ورائهم مآرب عدة، أبرزها تثبيت دعائم الحكم، والقضاء على الخصوم بحجة محاربة الإرهاب.

أما الإرهابيون هؤلاء، فمنهم من بقي تحت عباءة الدولة تحركه كيف تشاء، ومنهم من غدا عصيًّا على من أوجده؛ فخرج منها وعليها، واتسع الخرق على راقع الحكومة، فلم تعد قادرة على السيطرة عليهم؛ لتبدأ في محاربتهم.

العلاقة التوافقية بين الدولة والإرهاب هي الأساس، على الأقل في دولنا العربية، وإن كنت شخصيًّا أرى أنها قضية عالمية تشمل الجميع وفي أي مكان، ونظرة سريعة على «غابات الشمال North Woods» في كوبا، و«فرق الموت» في السلفادور، و«القاعدة» في العالم الإسلامي، وغيرها، يوضح ذلك. ولا يسمح المجال هنا للإسهاب في هذا، لكن حسبي من الاستشهاد الإثبات.

– تأصيل كلمة «الإرهاب»إسلاميًّا يبدأ من ورود مشتقات كلمة «رَهَبَ»في القرآن الكريم؛ فقد وردت مشتقات الكلمة في ثمانية مواطن في كتاب الله تعالى، ودارت كلها على المعنى الذي ذكره مقال الأستاذ محمد العتر، وهو «الخوف والفزع»؛ غير أنني أود التوقف سريعًا أمام الآية الأبرز في هذا السياق، وهي الآية 60 في سورة الأنفال، لأنها الآية الوحيدة التي ورد فيه اشتقاق «رهب» في سياق الحديث عن العدو؛يقول الله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ»، حيث الإرهاب هنا معنى إيجابي، وليس معنى سلبيًّا،وأريدَ منه إرهاب الآخرين؛ حتى يهابوا مجرد التفكير في الاعتداء على «دار الإسلام»، أو حتى ربما أبعد من ذلك، وهو الدعوة إلى الله تعالى.

ما أردته من إيراد هذه النقطة، هو الحديث عن «الإرهاب الإيجابي»، في ظل سياقات من «الإرهاب السلبي»، وهو ما أراه يتسق مع العقلية الغربية، حسب ما سأشير إليه في النقطة التالية.

– يرجع استخدام مصطلح إرهاب «Terrorism»كمصطلح في الثقافة الغربية،إلى نوع الحكم الذي لجأت إليه الثورة الفرنسية خلال عامي 1793-1794ضد تحالف الملكيين والبرجوازيين لمناهضة للثورة، وكانت نتيجة إرهاب هذه المرحلة التي عرفت باسم «Reign of Terror »اعتقال ما يزيد على300  ألف مشتبه به، وإعدام 17 ألف فرنسي، إضافة إلى موت الآلاف في السجون بدون محاكمات.

هذا عن المصطلح، أما من حيث الممارسة فإن «الإرهاب» كممارسة – في سياق الثقافة الغربية – أقدم من هذا التاريخ بكثير؛ إذ ورد في كتب المؤرخ الإغريقي زينوفون (349-430 ق.م.) عن المؤثرات النفسية للحرب والإرهاب على الشعوب، والحديث هنا يطول كذلك.

  • تمنيت لو مُنحت مقولة ابن حزم الرائعة: «والأصل في كل بلاء وتخليط وفساد، اختلاط الأسماء، ووقوع اسم واحد على معان كثيرة؛ فيخبر المخبر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته؛ فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذى أراد المخبر؛ فيقع البلاء والإشكال» مساحة تعريفية أكبر؛ فهي مع عبقريتها في ذاتها، ازدادت عبقرية في أيامنا،في ظل تعدد الأفهام وتنوع النيات واختلاف المقاصد.

ولعل مصطلح «الإرهاب» من أكثر المصطلحات التي أحدثت لبسًا وأثارت لغطًا لم ينتهِ حتى الساعة، خصوصًا إذا طرحناه من خلال منظورات عدة سياسية واجتماعية وقانونية وتاريخية؛ فما زال مصطلح «الإرهاب» في حاجة إلى تحرير مضمونه واستبعاد محترزاته، والحديث هنا كذلك يحتاج حديثًا.

– وفي السياق ذاته، تجب الإشارة إلى أن الإرهاب أعم من أن نحصره في العنف، ولا جدال بالطبع أن العنف أبرز سمات الإرهاب وأظهر أشكاله؛ إلا أنه على الرغم من ذلك فإن الإرهاب أعم من العنف وأشمل؛ فهناك الإرهاب الديني كما حدث في القرون الوسطى من محاولات فرض الولاء للكنيسة الكاثوليكية في روما، وكإرهاب عدد من الكيانات الإسلامية التي تحاول فرض مذهب ديني واحد، أو رأي فقهي بعينه؛ فتضيق ما وسعه الله تعالى، وتشق على العباد فيما يسر الله فيه.

وهناك الإرهاب الفوضوي، كالذي مارسه الثوار في روسيا إبان الثورة البلشفية عام 1917.

وهناك كذلك الإرهاب القمعي، والذي تمارسه معظم المؤسسات التعليمية في المجتمعات العربية، سواء الأسرة أو المدارس والجامعات. وهناك الإرهاب المجتمعي، والإرهاب الاقتصادي، والإرهاب السياسي، وهي كلها أشكال ليست فيها ممارسة العنف بالفعل.

– ما زال الإرهاب سيد الموقف هنا، وهذه المرة ينصب تعليقي على الإرهاب كرد فعل على فعل الدولة؛ فمن وجهة نظري أن الإرهاب بدأ بالفعل كرد فعل للدولة، لكنه بعد ذلك تجاوز رد الفعل ليصبح فعلًا، بل في أحيان كثيرة أصبحت الدولة في موضع رد الفعل، ولعل ما يفعله تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والمعروف بـ«داعش»خير مثال على ذلك؛ بل في امتداداته وأذرعه التي تحركت في كل مكان أكبر برهان؛ فهو مع تواجده الرئيس في العراق والشام تجده اليوم في سيناء، وغدًا في السعودية، وبعد غد في فرنسا، ثم ليبيا فبلجيكا فتركيا فإندونيسيا وهلُمَّ جرَّا، وغدا دور الدول ردود أفعال لهذا التنظيم.

– مع اتفاقي على خاتمة المقال التي تحدثت عن أن من يضحك أخيرًا ليست الدولة أو النظام العالمي ولا الإرهاب أو داعش؛ إلا أنني أختلف بعض الشيء في موضوع كيف تكون آلام المخاض؟ ومن سيحظى بالضحكة الأخيرة؟ فلست أرى فكرة ماركس حول ولادة المجتمع القديم الحامل بمجتمع جديد هي الطريق للوصول إلى صاحب الضحكة الأخيرة؛ بيد أنني بالرغم من ذلك لا أبتعد كثيرًا عن ماركس؛ فمن وجهة نظري أن أصحاب الضحكة الأخيرة سيولدون عبر فكرة «الاضمحلال» التي أوضحها إنجلز وتبعه فيها لينين؛ لكن إنجلز ولينين تحدثا عن اضمحلال واحد هو «اضمحلال الدولة»، أما أنا هنا فأتحدث عن اضمحلالين:«اضمحلال الدولة» و«اضمحلال الإرهاب».

ختامًا، هذا ما عنَّ لي من حديث حول مقال «من يضحك أخيرًا، الدولة أم “الإرهاب”؟»، وإنني وإن كنت أطلت فما ذاك إلا لكون المقال ثريًّا وعميقًا ويفتح بابًا لحديث كثير ومتشعب ومتعدد؛ فكأنه المنبع الذي يفيض منه الماء سيولاً، أو السماء التي تفتح أبوابها لوابل المطر الهاطل؛ فلأجل ذلك كتبتُ ما كتبت.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإرهاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد