التطرف والجماعات الإرهابية من الموضوعات المثيرة للجدل والغوغاء في وقتنا الحالي. أخذت تشعبات واتجاهات كثيرة، لما لها من تأثير قوي على الأرض يغير ملامح الدول والجماعات والسياسات إلى اللاعودة.

وسبب أن هذه الجماعات حديثة العهد نوعًا ما ولو بشكلها الحالي ولها زخم رهيب من القوة، سيقول قائل قبل أن أكمل جملتي حتى إنها صناعة غربية أو خطط إستراتيجية متآمرة على العالمين الإسلامي والعربي، ولو اتفقنا جدلًا مع هذا الطرح هل هذا مبرر كاف لنفيها عنها أو بالأحرى إقصائها؟

هل التاريخ الإسلامي خال من الغلو والتطرف الديني؟ أليس لهم من النصوص الدينية أو تأويلاتها ما يبرر ذلك؟

مع الخلافة الرشيدة ونحدد باسم عثمان بن عفان والأمويين أو قبله حتى، بدأ هذا النوع من الآفات أخذًا من الاختلاف في المذاهب والأحزاب والنحل وحب السلطة والتملك نسقًا لظهور التطرف والغلو، والتشرذم والاقتتال.

وعند نفي الجماعات المتطرفة عن الإسلام كأننا ننفي جزءًا من التاريخ الإسلامي ونقصي ما أخذ به المتشددون كقاعدة تسبيق النص الديني على العقل ولهم من النصوص ما ينفعهم في الغلواء.

وحتى بالنسبة للتاريخ الإسلامي لكل جماعة أو مذهب رواية مختلفة عن الآخر مما زاد في ركض التفرقة والتشرذم.

كما يوجد من الاتجاهات ما يعاكس هذا الغلو تمامًا كالصوفيين على سبيل المثال لا الحصر أو ما عمل به المعتزلة من تسبيق العقل على النص.

هذه المفارقة نابعة عن اختلاف مظاهر التدين لا الدين، فالدين تاريخ وإيمان والتدين هو الصورة المنعكسة عن الدين، وتختلف باختلاف سيكولوجية الفرد والعقل الجمعي.

من هنا لا يمكن إقصاء التطرف عن الإسلام أو بالأحرى التاريخ الإسلامي. فالأزهر مثلًا رفض تكفير الداعشي بسبب العمل بمبدأ النص قبل العقل فلم يجد حلًا فقهيًا لذلك، إذن حتى وإن كانت هذه الأخيرة أي الجماعات الإرهابية الحالية أو المستقبلية صناعة تآمر، فالمتآمر وجد حقلًا خصبًا للعمل عليه، لم نسوغ ثغراته ولا حل لهذه الثغرات.

هنا تأتي مسؤوليتنا نحن المجتمع المدني وباعتبارنا بشرًا نتشارك هذه الأرض بضرورة حماية النص الديني وحماية الإنسان من الاستغلال.

النفي والتهرب والإقصاء ليس حلًا ويزيد شرخ الهوة بين أبناء الدين والوطن الواحد والمصير الواحد فيزيد المتطرف تطرفًا.

عليه وجب القيام بمقاربة ثقافية وتوعوية قبل المقاربة الأمنية وسد كل صدع ممكن أن يستثمر في الغلو بتأصيل مبدأ العقل قبل النص، التعامل بما هو دنيوي وعالمي ما أجمع عليه معظم البشر «العلمانية» في الحياة كافة حتى نتجنب ظهور التطرف ونحارب الغلو ولا يكون للمتآمر سبيل في ذلك.

وإلا سيبقى النص والتاريخ الديني مع الاختلاف في فهمه وتفسيره مصدرًا للتطرف والاختلاف، ووسيلة للمتآمر.

التاريخ الأوروبي على امتداده من زمن سلطة الكنيسة إلى الثورة الفكرية خير عبرة وخير درس.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد