مات بطلقة في الرأس واثنين في البطن! شاب اختلف مع أمين شرطة في إحدى وسائل الموصلات في الدرب الأحمر، فقرر الأخير أن ينهي حياته في لحظة متجاهلًا كل أحلامه وآمال أهله وأسرته به.. قضى عليه في لحظة فأصبح كان!

كيف لي بعد هذا الخبر الكئيب أن أكتب عن الثقة في النفس والتحكم في الذات أو عن التعامل مع المديرين أو حتى عن الموجات التثاقلية! نحن نعيش في فجوة زمنية بعيدًا عن كل المعايير الطبيعية للتعامل مع البشر، فلقد تخطينا كل حدود الجرائم وأصبحنا نعيش وسط مسوخ بشرية شاخصة، فلا هي شرطة ولا نحن في نظرهم شعب!

كل ما نمر به في مصر من أحداث يُثبت أننا في سجن كبير حراسه هم حكامه ولا يد لنا في شيء، نستيقظ من نومنا فنسير في طابور العمل حتى المساء وأي احتكاك أو تعامل مع حراس السجن، غالبًا ما ينتهي بالضرب والسب والعقاب أو حتى بالقتل، لا يسمى قتلًا، فحسب التصريح الأشهر للداخلية يدعى “القتل الخطأ”!

إذا أردت أن تعرف المزيد عن القتل الخطأ راجع حادثة السياح المكسيكيين أو الطالب الإيطالي أو شيماء الصباغ أو سائق الدرب الأحمر، والقائمة تطول وتطول وتتكرر يوميًا في هذا السجن الكبير، جرائم الداخلية كثيرة ولا مجال هنا لذكرها جميعًا. ويمكنني الجزم بأنها لا تحتاج إلى مقالٍ لسردها بل يتطلب الأمر كتبًا ومجلدات حتى نذكر مُر حديثها وسوء أفعالها وبشاعة جرائمها.

ما سأتحدث عنه هنا، ما يستحق الذكر فعلًا، ألا وهو الشباب المصري الذي يعاني أصعب المعاناة في كل شيء، ومع ذلك لا يسلم من الأذى، فلا هم أطعموه ولا تركوه يأكل من خشاش الأرض!

عشنا حياتنا وسط جيل كامل يتخذ من “المشي جنب الحيط” وتمجيد الحكام والسير خلف الحكومة مبدأً أسمى للحياة في مصر، فكان الاستنكار في عُرفهم إثمًا والاعتراض كبيرة والمظاهرات جريمة، عشنا طفولتنا ونحن نفكر في الزعيم القائد الذي لا يجرؤ أحد على ذكره بسوء والذي تمجده كتب التاريخ التي يدس المُعلمون سُمها في عقولنا دسًا، حتى قامت ثورة يناير فتحول الشباب من الجيل الطائش الذي لا يعرف مصلحته إلى “الورد اللي فتّح جناين مصر” وأصبح الكل يهم بذكر الشباب كأنهم أبطال في فيلم هوليوودي هبطوا من الفضاء لإنقاذ مصر من الحكم الظالم.

هذا التحول في نظرة جيل الآباء لم يفدنا ولا يضرنا، تمامًا مثل مواقفهم وآرائهم السياسية التي لا طائل منها، تحول بسيط في الموقف وما لبثوا أن عادوا ليقولوا “خربتوا البلد بثورتكم دي”، ونحن لا نُعلق عليهم الآمال فحسبهم من الأمر ما هم عليه وحسبنا منهم المعاملة الطيبة والتعامل الحسن.

شارك الشباب المصري في الأحداث التي مرت مصر بها في الأعوام السابقة بكل أحاسيسه وجوارحه وتفاعل معها تفاعلًا كاملًا، بل إنه اندمج وتغلغل فيها لدرجة استحال فيها على البعض أن يمارس حياته بشكل طبيعي، نعم.. حمل الشباب هم الوطن فوق كل الهموم، أعرف أشخاصًا دُمرت حياتهم الشخصية بسبب فرط إشفاقهم على حال البلد وما آلت إليه الأمور بعد الثورة من تفرق للقوى السياسية وسيطرة للجيش على المشهد.

والآن وبعد كل ما مررنا به من ثورة وانقلاب ناعم، ثم انتخابات نزيهة ثم انقلاب عسكري، فمذبحة تلو الأخرى تلها مظاهرات تأييد مصطنعة، ومظاهرات رفض يُقتل كل من فيها بدعوى أنهم “مع الإرهابيين”، أصبح الشباب أكثر وعيًا وفهمًا وإدراكًا فقام بالعمل الصائب وترك الميادين وغازها الحارق ورصاصها الطائش وسجونها المنتظرة، وأصبح يبث همه عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبذلك ينجو جسده من المعارك الدامية في سبيل الحرية، ويشارك رفضه مع أقرانه ولو عبر الشاشات.

لكن هذا أيضًا لم يُرضِ الحكام، فما كان منهم إلا أن قبضوا على كل المعارضين، حتى ولو لم ينزلوا الشارع، وأعلنوا سياسة تريح أدمغتهم في عناء التفكير في التهم؛ “من ليس معنا فهو ضدنا ومن ضدنا هو إرهابي” إذن اقتلْ كل معارض ولا تخشَ أي حساب!

وبهذا أصبح الحديث في السياسة أمرًا شائكًا تحفه المخاطر، وأصبح الاعتراض على أداء الحكومة أو الرئيس هو فعل من يريد إلقاء نفسه في التهلكة، فما كان من الشباب إلا التلهي والنسيان والتوجه إلى المُسكنات الشعبية مثل مباراة الأهلي والزمالك، وخناقة مرتضى منصور مع ميدو، وبرنامج محمد سعد الجديد، وكيف رد أهل الصعيد على تيمور السبكي!

لن يستمر الوضع على ذلك كثيرًا، فالشباب المصري الذي وفي ظل كل هذه الصعوبات يعمل ويكدح ويوفر المال من أجل أشياء بسيطة تعد حقوقًا في الدول الأخرى، ولكننا هنا لسنا في دولة نحن في سجن ومن قوانين السجن أن تدفع لتحصل على ما تريد، تدفع لتتزوج وتدفع أكثر لتحصل على الشقة وتدفع أكثر وأكثر لتعلم أولادك، وتظل تدفع ما لا تطيقه طيلة عمرك.

الأمل في الشباب المصري المثقف الذي ملأ ساحات معرض الكتاب، الذي يجاهد في تعليم نفسه بعد أن خذله نظام التعليم في بلده، فحصل على المركز الثاني بعد الهند في الاشتراك في موقع التعليم عبر الإنترنت Udemy ولا يزال يتعلم ويدرس عبر الإنترنت، ويبحث عن البعثات للدراسة في الخارج بل ويشرف بلده في مجالات الدراسة الأكاديمية ويحصل على أعلى الشهادات، ويرتقي كذلك لأفضل المناصب في الشركات الكبرى.

وقريبًا سيأتي اليوم الذي ينتفض فيه ضد كل السياسات البهاء والقرارات الخاطئة والأداء السيء للدولة في مصر، ويرفض كل وسائل القهر والاستبداد التي تمارسها الداخلية، ويثور ضد ظلم القضاء وفساد الإعلام ومحاباة رجال الدين وتغول سلطة الجيش، وحينها فقط سنقول “من يحمي الشرطة من ثورة الشباب؟”.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد