(1)

لو تخيلنا أن اجتماعًا عقده الشيوعيون في السبعينيات والثمانينيات لتجديد الخطاب الشيوعي ليكون أكثر فاعلية وجاذبية ومعاصرة، ترى، إلى من كانوا سيكلون هذه المهمة؟ الجواب ببساطة: أولًا سيكلونها لأحد المؤمنين المخلصين بالشيوعية ورسالتها ووجوب هيمنتها على المجتمع، وثانيًا: أن يكون خبيرًا في الشيوعية عالمًا بها، وبالفارق بين الثوابت التي لا يجوز المساس بها لأنها في صلب النظرية الشيوعية، وبين المتغيرات التي يجوز تغييرها لتوائم الزمان وتتوافق مع المكان، وعلى هذا لا يتصور بداهة – وستعد عندهم نكتة – أن يسند تجديد الخطاب الشيوعي لأحد الليبراليين الذين لا يؤمنون أصلًا لا بالنظرية الشيوعية ولا بصواب تطبيقها في المجتمعات، ولو أسندت إليه المهمة لعمل على تهديد النظرية الشيوعية وتبديدها لا تجديدها، كذلك لا يتصور أن تسند المهمة لمن يجهل أسس الشيوعية، فكيف سيجدد ما لا يعلم!

(2)

بنفس الدرجة لا يتصور أن يسند تجديد الخطاب الليبرالي إلى شيوعي لا يؤمن أصلًا بالليبرالية ولا بدورها في المجتمع، ولا يتصور أن يسند تجديد الخطاب الليبرالي لمن يجهل أسس الاقتصاد، وقس على ذلك كل الأمثلة المتشابهة، فتجديد خطاب أو فكر ما يتطلب شرطين أساسيين، الإيمان والعلم.

(3)

لذلك يلح هذا السؤال بقوة هذه الأيام مع انتشار (موضة) الحديث عن تجديد الخطاب الديني دون أن يدرك الكثير من المتحدثين حدوده وأبعاده، لكن هي موضة نتلهى بها عن مشاكلنا بصنع مصيبة جديدة، ولكلٍّ دوافعه ومراميه.

(4)

في ضوء الأمثلة السابقة نتساءل: من يجدد الخطاب الديني؟ هل نسند مهمة تجديد الخطاب الديني إلى علماني لا يؤمن أصلًا بدور الدين في المجتمع وفي الحياة؟ أليس جل المتكلمين في الأمر حاليًا من هؤلاء؟! أليست هذه نكتة! هل هؤلاء الذين لا يرون للدين مكانًا في المجتمع وفي التشريعات وفي القرارات، وتضيق صدورهم كلما قال أحد في مواجهتهم: قال الله وقال الرسول، أهؤلاء هم الذين يسند إليهم تجديد الخطاب الديني؟! وإذًا فأي مخرجات ونتائج نتوقع أن يصلوا إليها؟!

(5)

من يجدد الخطاب الديني؟ هل نسند مهمة تجديد الخطاب الديني إلى الجِبتِ والطاغوت؟! الذين يُعبِّدون الناس إليهم من دون الله؟ والذين يغتصبون سلطة التشريع على هواهم فينحون شرع الله جانبًا إلا النزر اليسير الذي يتآكل عامًا بعد عام؟! أهؤلاء الذين يُسند إليهم تجديد الخطاب الديني؟! أم نسنده إلى أوليائهم من القردة والخنازير وعبدة الطاغوت، الذين يسارعون في هواهم و(يسلقون) التشريعات التي تساير أمزجتهم دون أدنى التفاتة إلى الشرع، أهؤلاء الذين يجددون الخطاب الديني؟!

(6)

من يجدد الخطاب الديني؟ هل نسند المهمة إلى الذين ينكرون السنة ويضربون عرض الحائط بالفقه والتفاسير، ويسخرون من العلم الشرعي ويتهكمون على كتبه، والتجديد عندهم أن يحتجوا بالقرآن فقط يؤولونه على هواهم وكما شاء لهم جهلهم، ويأخذون بعض الكتاب ويتركون بعضًا.

(7)

من يجدد الخطاب الديني؟ هل نسند المهمة إلى الذين يغشون مجالس المطربين والراقصات ويفتون لهم ولهن بالفتاوى التي تبيح كل شيء، ويتبعون كل شاذ من فتاوى السلف، ويتتبعون زلات العلماء ليطيروا بها إلى هؤلاء المنحلين ليروضهم ويسارعون في هواهم مقابل الثناء والدعوات للمنتديات المختلفة في الداخل والخارج واستضافات الروتاري والليونز وأمثالهما!

(8)

من يجدد الخطاب الديني؟ هل نسند المهمة إلى الأغرار الأغمار الذين لا يحسنون الوضوء، ولا يعرفون الفارق بين الحرام والمكروه؟! ويتصدرون المشهد الإعلامي ويلتف حولهم من هم أجهل منهم؟! أهؤلاء الذين يجددون الخطاب الديني؟!

(9)

يا سادة إن الخطاب الديني لا يحتاج منكم إلى إصلاح، فأصلحوا أمر أنفسكم المعوجة المائلة المُميلة أولًا، وقد تكفل الله بالتجديد الذاتي لأمر هذا الدين وخطابه وعلومه، فقال رسول الله: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»، وفي رواية «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَيِّضُ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ»، وهذا المجدد لا يصنع، ولا يكون الشيخ (عبده مشتاق) الذي يسعى إلى لقب المجدد ويريق دينه في سبيل ذلك، لقد قال الإمام أحمد بن حنبل حين ذكر هذا الحديث: لقد كان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وإني لأرجو أن يكون الشافعي هو صاحب المائة الثانية، وكلا الرجلين لم يقولا عن نفسيهما أنهما مجددان، ولا تطلعا إلى ذلك، ولا حاول أحد في عصرهما (تصنيع) التجديد فكانا هما النتاج، لم يحدث، بل الأول بفعله وإعادته للعدل جدد بسيرته سيرة الراشدين وجدد مفهوم الحاكم في الإسلام بعد استبداد الأمويين، وأما الثاني فواضع الأصول ومجدد السنة بوضع أصول علمي الفقه والمصطلح.

(10)

فالتجديد لا يتصنع ولا يتكلف ولا يأتي بفرمانات سلطانية أو أوامر عسكرية، ولا يقوم به العلمانيون ولا الفنانون ولا منكرو السنة ولا الجهلة ولا المشتاقون للمناصب والألقاب، ولا يقوم به الذين قال الله في أمثالهم «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا، وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلونَ»، وإنما يقوم به العلماء الربانيون المخلصون الذين يصطفيهم ربهم – وليس الحاكم أو النخبة أو أندية الروتاري – ليجددوا أمر هذا الدين، منحة ومنة من الله وفضلًا لأهل هذا الدين إلى يوم القيامة، والله ذو الفضل العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد