هناك ثلاثة من الرجال الذين مرو على التاريخ المعاصر للجزائر يعتبرون ظاهرة، ففي الوقت الذي اختلطت فيه الحقيقة على الكل، فتخبطو ما بين القرارات، بقي هؤلاء الثلاثة جبالًا شامخات راسخات لا تحركهم كل الأعاصير التي ضربت البلاد، فيتركونك تحس بأن مراصد الوعي والاستشعار عندهم تعمل من غير راحة ومن غير غفلة، مما جعلهم لا يمررون ولا أصغر موقف للنظام الانقلابي آنذاك، فما كان من أولئك النذلاء الذين كانو يملكون رقاب البلاد والعباد، إلا أن اغتالو إثنين منهم وحاصروا الثالث إلى أن مات وحيدًا معزولًا وهو من هو.

أولهم أب السياسة الجزائرية الأستاذ عبد الحميد مهري: من مواليد 1926، ما إن تستمع للرجل في أي موقف أو أي لقاء إلا وتدرك أن الرجل في رزانته وحكمته فريد من نوعه، كيف لا يكون وهو صاحب مشروع -يحمل إسمه- جابه به مشروع ديغول أثناء الثورة الجزائرية. الرجل حين كان أمينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني -من 1988 إلى 1996- وقف في وجه كل العسكر الانقلابيين في هذه الفترة الحرجة، فمنعهم حتى من التكلم باسم جبهة التحرير الوطني أو حتى ترشيح من يشاؤون في قوائمها، وكان هذا واضحًا حين لجأ النظام يومها إلى تأسيس حزب الإدارة أو كما يسميه الجزائريون -الحزب لي نولد بشلاغمو- حزب التجمع الوطني الديمقراطي، لكي يجد مخرجًا في واجهة سياسية جديدة تمثله. ولم يكن غريبًا على الرجل هذا الموقف وهو صاحب مقولة: «جبهة التحرير الوطني تمثل الحزب الحاكم أو الذي كان حاكمًا أو الذي حُكم باسمه». انتهت حياة مهري السياسية بعد أن أزاحوه من على رأس حزب جبهة التحرير الوطني وضربت عليه كل أنواع الحصار السياسي والإعلامي ولم يظهر إلا بشكل محتشم في بعض المحاضرات التي كانت تسمع بها القلة القليلة. توفي مهري سنة 2012 عن عمر يناهز الـ85 سنة وهو مجهول عند الكثيرين من أبناء يومنا هذا، مهري وقبل موته كتب رسالة إلى الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة يحذر فيها من أن القيود المفروضة وعدم احترام الحريات قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وكأنه في تلك الرسالة أراد أن يبرئ ذمته أمام الله أولًا وأمام هذا الشعب بأن يقول كلمته الأخيرة.

ثانيهم الشيخ الداعية محمد بوسليماني: من مواليد 1941، بالإضافة إلى أنه كان داعية وعالمًا محيطًا بالجانب الشرعي، فقد كان الشيخ من مجاهدي ثورة نوفمبر المجيدة -نقطة تشابه مع الأستاذ عبد الحميد مهري- وكان كذلك سياسيًا بارعا بكل ما تحمله الكلمة من معاني، وظهر ذلك بالخصوص بداية من ثمانينات القرن الماضي حين شارك في كتابة بيان تجمع الجامعة المركزية سنة 1982 وحين حذر مما قد تؤول له الأمور بعد استعمال القوة ضد المتظاهرين في أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988. لكن يتضح جليًا إلى أي درجة وصل وعي الرجل السياسي حين تخبط كثير من الإسلاميين في إاتخاذ قرار ما بين دعم رجال الجبهة الإسلامية للإنقاذ وما بين الوقوف في صف النظام، فالرجل كان واضحًا جدًا حين رأى أن الصدام مع النظام آنذاك كان قاتلًا ولا يجدي نفعًا، لكن في نفس الوقت لا يمكن أن يكون في صفه، بل يواصل النصيحة لكل رجال الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذين لا يعتقدون بأنّ الحل في العنف ويساندهم باعتبارهم إخوانا له في الفكرة وإن اختلفو في التفاصيل.

وهذا الموقف هو الذي دفعه في ما بعد إلى تبني رأي عدم مشاركة حركة المجتمع الإسلامي (حماس) -المعروفة اليوم بحركة مجتمع السلم (حمس)- رفقة الانقلابيين في أي مسار إنتخابي، وهذا من باب إعطاء الحق لأهله الذين فازو في إانتخابات 1992. فكان موقفه هذا سببًا في اغتياله -كما يرويها الدبلوماسي السابق محمد العربي زيتوت على لسان أبو جرة السلطاني- لأجل حل المشكلة نهائيًا، وليس كما رُوج بأن مقتله كان بسبب عدم فتواه للجماعة الإسلامية المسلحة (جيا) بإباحة قتل مخالفيهم، بل إن ذلك كان مجرد ذريعة اتخذتها هذه الأخيرة لتصفية الشيخ، وحتى لو أنه كان أفتاهم لكان قُتل، فالكل يعلم حجم اختراق المخابرات -ذلك الوقت بقيادة الجنرال توفيق- للجماعة الإسلامية المسلحة (جيا) التي إختطفته يوم 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 1993 لتُكتشف جثته يوم 28 يناير (كانون الثاني) 1994. فشاءت الأقدار أن يموت الشيخ دون أن يشهد شهادة زور أو أن يلوي النصوص الدينية لتلائم التبريرات السياسية حتى وهو في حالة الإكراه والتعذيب، ليكون بذلك مرر أهم رسالة لمن عاشوا بعده.

ثالثهم المهندس البيتروكيميائي عبد القادر حشاني: كان نسبيًا ينتمي إلى جيل أصغر من جيل سابقيه؛ فالرجل من مواليد 1956، شارك في العمل السياسي منذ بداية الثمانينات، إلا أن عبقريته السياسية ظهرت بداية من اليوم الذي انتخب فيه كرئيس للمكتب التنفيذي الوطني للجبهة الإسلامية للإنقاذ في مؤتمر الوفاء 1991 ببنائه. فبعدها استطاع الرجل التأثير على الخطاب السياسي للجبهة ليصبح أكثر عقلانية، كما أن الرجل وبعد فوز الجبهة بأكثر من نصف المقاعد في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية، ذهب إلى الوزير السابق أحمد الطالب الإبراهيمي طالبا منه أن يلعب دور الواسطة مع الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، مقدمًا تنازلات بالجملة لا يقدمها فائز بالانتخابات إلا وهو واع بخطورة المرحلة وأهمية تجنيب البلاد من السيناريو الدموي، فأخبره -على حسب شهادة الوزير السابق أحمد الطالب الإبراهيمي- أنه أولًا لا يريد مقاعد أخرى في الدور الثاني، بل سيوجه ناخبيه إلى الانتخاب على حزب آخر في هذا الدور، ثانيًا لا يفكر في تشكيل حكومة أو حتى في رئاسة الوزراء بل سيكتفي بثلاث حقائب وزارية فقط هي: التعليم، العدالة والشؤون الاجتماعية. وكانت هذه التنازلات هي سبب دفع العسكر للضغط على الرئيس الجزائري معجلين في استقالته -أربعة أيام بعد تقديم هذه التنازلات- لأنه لم يكن في صالحهم نهائيًا أن تستمر العملية الديمقراطية. فيما بعد زج بالرجل في السجن لمدة زادت عن الخمس سنوات -من 1992 إلى 1997- ليخرج بعدها من غير أن يثني ذلك في عزيمته شيئًا مواصلًا صراعه مع النظام، رافضًا الحلول الوسطى التي عرضها النظام آنذاك ممثلًا في الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، ومدافعًا عن أنه من حق الشعب ومن حق الجبهة أن يشار إلى الانقلابيين بأنهم هم السبب في كل ما وصلت إليه الجزائر، وبأنه من غير المنطقي أن تساوي ما بين الجاني والمجني عليه. ومثل سابقه الشيخ محمد بوسليماني لم يستطع النظام الوصول إلى حل وسط مع المهندس الشاب، ما دفع النظام إلى اغتياله وإلصاق التهمة في أحد منتسبي الجماعة الإسلامية المسلحة (جيا) الذي اعترف تحت طائلة التعذيب بإشراف مباشر من رئيس جهاز المخابرات السابق الجنرال توفيق (وهو يهدد في المتهم -فؤاد بولامية- بأنه رب الدزاير)، وهذا حسب الشهادة المكتوبة لوقائع المحاكمة من طرف الصحافية دايخة دريدي. اغتيل عبد القادر حشاني في 22 نوفمبر 1992 لليغادر هذا العالم من غير أن يحيد عما يؤمن به فدفع حياته ثمنًا لذلك.

لم تكن فكرتي في الكتابة عن تلك الشخصيات الثلاثة لمجرد معرفة قصصهم أو التسامر بها، بل لأجل ربطها بما نعيشه اليوم فالجزائر لم ولن تعقم من الرجال، فمثل هؤلاء كثر يعيشون فيما بيننا ونحن اليوم في أحوج ما نكون إليهم، أمام هذا الاختيار الصعب، اختيار رجال يمثلون هذا الحَرَاك، وما تجنبت أن آتي بأمثلة من الأحياء إلى لأتجنب ما اعترضت ولازلت أعترض عليه، وهو أن يحاول البعض ركوب الحَرَاك بأن يكونوا أوصياء عليه فيفرضون ويقترحون من يتكلم باسمه.

لذلك فليكن من يختاره هذا الشعب من أي حزب، وليكن من أي إيديولوجية، وليكن من أي منطقة -فليكن من تندوف، من شرشال، من تيزي وزو، من واد سوف، من باتنة، من الجلفة، من غرداية، من ورقلة، من تمنراست أو غيرها من الولايات- لأن ذلك حسب رأيي لا يهم بقدر أن يكون رجلًا صاحب مبادئ لا يبيع ولا يشتري وهو يفاوض باسم الشعب، مستعد أن يهب حياته وكل ما يملك لأجل أن يحقق العدالة والحريات لبلده، فعلينا أن ننظر في ماضي أي كان لنعرف بكل سهولة هل هو من الراسخين أم أنه من المتلونين المتذبذبين -وما أكثرهم اليوم-، فلذالك لا يجب علينا إطلاقًا التساهل في من سيفاوض فكائنًا من كان بمجرد الشك فيه يكون إبعاده أولى من بقائه، وعلينا الحذر الحذر من (ربوبة) الجزائر الذين يحاولون تسيير المرحلة لصالحهم، فمشهد الأمس لم يتغير ورب الدزاير أمس مازال قائمًا وكثير له عاكفون، إلا أنه ليس لوحده بل بجنبه آخرون متخفون في لباس التقوى والعفاف يمشون بيننا في حَرَاكنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد