في برنامج عرضته القناة الألمانية الناطقة بالعربية DW، في حلقة عن حجاب الموضة، استضاف مقدم البرنامج فتاة لبنانية بلكنة جنوب لبنانية تعتمر حجابا متباعدا حول نحرها وواضعة مقدارا وافيا من المكياج، كممثلة على ما يبدو لحجاب الموضة، أما الضيفة الثانية فقد كانت شابة تونسية سافرة.

الشابة التونسية ترى أن حجاب اللبنانية ليس هو الحجاب الإسلامي الصحيح، فهي – أي التونسية – قد قرأت وتعمقت في الإسلام وعرفت أن الحجاب فريضة على المرأة المسلمة فتحجبت، ولكنها عندما تعمقت أكثر وجدت أن حجابها غير كاف ولكنها لن تستطيع تطبيق الحجاب الإسلامي كما يجب؛ فقررت خلع الحجاب.

أما الشابة اللبنانية فهي الأخرى تعرف أن حجابها ليس صحيحا بشكل كامل، ولكنها كما تقول بسبب عملها في مجال تصميم الأزياء تحتاج لأن تلبس أحيانا ملابس ضيقة أو تضع المكياج بشكل واضح.

اللافت للانتباه هنا أن الفتاتين وكذلك مقدم البرنامج، الجميع يعرفون تماما ما هو الحجاب الشرعي، ولكنه لم يستطع أن يقدم لنا نموذجا عن امرأة مسلمة تمثل الحجاب الإسلامي الصحيح.

السؤال الذي استوقفني هنا: لماذا؟ لماذا حتى الآن لم يستطع الإعلام أن يقدم لنا نماذج عن المرأة المسلمة الملتزمة الناجحة؟ هل السبب يعود للمؤسسات الإعلامية نفسها التي تمتلك توجهات من نوع ما قد تدفع باتجاه إبراز الطابع العلماني أو غيره؟ أم أن واقعنا هو الفقير فعلا بتلك النماذج الناجحة والملتزمة في آن معا؟

ذكرني هذا السؤال بموقف حدث في إحدى وسائل الإعلام المرئية حين كان مطلوبا لأحد البرامج صورة لامرأة سورية، تكون رمزا للمرأة السورية الثائرة. الشاب المسئول عن الإعداد لم يستطع أن يجد امرأة سورية ثائرة واحدة ليضع صورتها للبرنامج؛ فهذه سافرة وهذه منتقبة وهذه يقولون عنها كذا، وتلك لا تروق للفصيل الفلاني!

المهم أن الشاب قرر أن يريح رأسه بطريقة عجيبة، فوضع صورة امرأة تركية لتكون نموذجًا للمرأة السورية! ما دفعني شخصيا للانفجار بالبكاء، بعد كل التضحيات التي قدمتها ومازالت تقدمها للثورة السورية ولحماية الأسرة والمجتمع من الانهيار، يفشل في أن يجد خنساء واحدة، طبيبة واحدة، متظاهرة واحدة، إعلامية واحدة, أما واحدة، مناضلة واحدة، تمثل المرأة السورية الناجحة والمحافظة على التزامها لتكون فعلا رائدًا وممثلة فعلا للمجتمع المسلم المحافظ المعتدل الذي هو السواد الأعظم للمجتمع.

عود على بدء لمشكلة النموذج؛ النموذج المعبر فعلا عن حالة المرأة العربية المسلمة الرائدة، المحافظة على ثوابت الدين، والمساهمة بفاعلية في المجتمع، المؤثرة بشكل إيجابي في المحيط، هل هي غير موجودة فعلا؟ أم أن هناك من لا يريد أن يمكنها من الوجود، أو من يريد أن يستغل وجودها، للترويج لمصالحه؟

تحت ضغط الغرب وخصوصا أمريكا، أصبحت الأحزاب والمنظمات والمؤسسات تحرص على أن تدخل المرأة ضمن كوادرها، لضمان الرضا الغربي وليس لأي سبب آخر، طبعا لا يدخل تحت تلك الأسباب القناعة الشخصية.

المثير للضحك والسخرية في آن واحد أن أحد تلك الأحزاب حين أقام دورة لتمكين المرأة سياسيا، كان مقدم الدورة أستاذا لا قناعة له ليس بتمكين المرأة سياسيا فحسب، بل لا قناعة له بعمل المرأة أساسا. فالأستاذ يرى أن على المرأة أن تجلس في المنزل وتكون تابعة للرجل فحسب، أما المرأة ذات الحضور الاجتماعي والرأي والمشاركة في الشأن العام، فقد تفنن في قمعها وتوجيه الانتقادات لها أثناء تقديمه للدورة. وقد كان يمثل بنموذجية موقف الذكر المهزوز الثقة بنفسه الخائف من تفوق المرأة عليه، المناهض لأي صوت أو رأي أو موقف للمرأة في المجتمع، وما عبر عنه بصراحة أنه لا يمكن لأي رجل أن يقبل بوجود تلك المرأة القوية الناجحة في محيطه المرئي وإن وجدت فإن عليه محاربتها أو إخراجها من الساحة.
حدث هذا في دورة لتمكين المرأة سياسيا! طبعا كما يريد الغرب!

وتحت ضغط الغرب أيضا جازف البعض بإدخال المرأة ضمن الكوادر العاملة في مؤسسته، ولكنه أعطاها أجرا أقل بكثير مما يعطيه لغيرها من زملائها الرجال، وأكل عليها الكثير من حقوقها التي يأخذها الرجال طواعية دون جهد في مطالبة أو عناء. والأنكى من ذلك وأنه في مجتمع فيه شريحة كبيرة منه – كما في الأمثلة السابقة – ليس على قناعة بأهمية دور المرأة في مجال العمل العام في المجتمع، فإن نظرته إليها لا تعدو كونها جسدا، شبهة، عورة، مثارا للشكوك والشبهات والشهوات في أحسن الأحوال، فهو عاجز عن أن يرى عقلها، وكل ما يستطيع أن يلتقطه راداره هو جسدها وحسب. فهي إن تحركت أو تكلمت أو تصرفت متهمة ملامة ملاحقة بالشكوك والظنون الخبيثة في كل ما تقوله أو تفعله، ويتحدثون عن تمكين المرأة وكل ما فعلوه هو تمكينهم هم من استغلالها، ومحاولة النيل منها، والتقليل من شأن مساهماتها الفعالة في المجتمع! وهي إن تمكنت من أن تنجح في أي شيء تفعله؛ فلأنها تمكنت من أن تجتاز الحواجز والعقبات المهولة التي وضعوها في وجهها.

المرأة حين تكون سافرة مبدية زينتها كما تفعل نجمات الإعلام العربي؛ فإن أبوابا كثيرة تفتح لها وبكل سهولة، فإن رأس المال الأول ومهما حاولنا أن نجمل تلك الحقيقة يكون جمالها!

ولكن المرأة المسلمة المحجبة الملتزمة تقف في مكان صعب جدا، في إحدى الدول العربية التي تمتلك مدنا للإنتاج الإعلامي، فإن إعلامية كانت الأولى على دفعتها في كلية الإعلام، وأثبتت نفسها بكل جدارة في ميدان العمل الصحفي والتلفزيوني لم تستطع إلى اليوم وبعد عشر سنوات من التخرج من أن تحصل سوى على عمل غير ثابت كمراسلة تلفزيونية، دون أن يسمح بظهورها على الشاشة أبدا فقط لأنها محجبة.

فمن يمثل المرأة المسلمة الملتزمة في وسائل الإعلام؟ وإلى متى يستمر التضييق على النماذج النسوية الناجحة المتمسكة بقيم المجتمع المسلم؟ وإلى متى ذلك الضخ المكثف لنموذج المرأة المتحررة من أسر الدين والعادات الاجتماعية؟ ألم يئن الأوان بعد لأن نقدم نحن نماذجنا الخاصة والتي تمثل السواد الأعظم في مجتمعاتنا، المرأة المسلمة المحافظة المكافحة المناضلة من أجل أسرتها ومجتمعها ووطنها وقضيتها؟

تلك النساء اللاتي يستحققن أن تسلط الأضواء عليهن، وأن يكن نماذج يُقتدى بها في الصبر والتضحية والثبات، ولسن أبدا قليلات في مجتمع فيه خنساوات كثر. النساء الرائدات، اللاتي وهن في سعيهن للتقدم والتغيير والنهوض بمجتمعهن لم يسقطن القيم، ولم يتخلين عن الحجاب, وكافحن للحفاظ على الأسرة والدفاع عن الثورة وحماية القيم الإسلامية.
نعم، لا تصدموا من كلمة الإسلامية، الإسلام الحقيقي الذي ليس كبتا وقمعا وقطعا للرؤوس، إسلام خديجة التاجرة الناجحة والزوجة الصالحة المدافعة عن زوجها وقضيتها. إسلام رملة المهاجرة المحافظة على دينها رغم تخلي زوجها عنه وعنها. إسلام أم عمارة المقاتلة كمئة رجل, حتى قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟

إسلام خولة أشجع فرسان المعركة، إسلام زبيدة التي مُشي على الطرقات التي عبدتها وشرب من الآبار التي أمرت بحفرها مئات الآلاف من الحجاج على مدار مئات السنين.

لم تنته تلك النماذج من حياة الشعوب العربية المسلمة، ولكن هذه النساء أمام تحديات جسام، فهن بالإضافة إلى عظم المسئولية الخاصة والعامة في الظروف الاستثنائية التي تواجهها الأمة يواجهن تهميشا بسبب هويتهن الإسلامية من أصحاب الاتجاه التغريبي، ويواجهن إرثا اجتماعيا ثقيلا من التخلف والاستغلال والنظرة الدونية للمرأة من مجتمعات ذكورية. نعم إنهن موجودات هنا، حاملات القيم والرسالة وحاميات الأسرة والهوية، ولكنهن يخضن صراعاتهن المريرة في الخفاء، ولا الشرق ولا الغرب يسمح لهن أن يسمعن صوتهن إلا قلة قليلة جدا، وبصوت خافت وليس بشكل جماهيري.

فالجمهور يعرف من حولهن الإعلام إلى نجمات؛ هيفاء وهبي والأم المثالية فيفي عبده، اللواتي تعرين ورقصن وهززن خصورهن أمام الملايين، والتي يلاحق الإعلام كل صغيرة وكبيرة تند عنهن. أما المسلمات الملتزمات المناضلات أمثال: مجد شربجي، وأسماء البلتاجي، وسماح صافي بايزيد وكل المجاهدات بصمت، فلا أحد سمع بأسمائهن. في مجتمعات يراد لنسائها أن يكن كهيفاء وهبي، وفيفي عبده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد