تجدد العهد والميثاق واحد، ميثاق كان لسنوات عديدة الشاغل الوحيد للشارع الفلسطيني بشكل خاص والعربي بشكل عام، لم تكن فلسطين في تلك الفترة ما قبل عام 1965 أن تتدارك الموقف العام بعد حجم الضربات التي تلقتها من قبل الانتداب البريطاني أولًا والاحتلال الإسرائيلي ثانيًا، خاصة بعد اعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل كدولة عضو في الجمعية العامة لها.

الحديث عن دولة بات شبه مستحيل في تلك الظروف الممغوصة بحمى اللجوء والنزوح والتدمير والمجازر التي ارتكبت بحق أبناء الشعب الفلسطيني، فكان على الدول العربية البحث عن ممثل شرعي وكيان مستقل عنها تقوم هي بمساعدته ودعمه لتمثيل فلسطين في القمم العربية والحديث للعالم عن معاناته.

وأخيرًا بعد مشاورات واجتماعات طويلة تم تدشين كيان جديد يمثل فلسطين لدى الأمم العربية، حيث تم وضع ملف منظمة التحرير الفلسطينية كبرنامج عملي تمثيلي لدى جامعة الدول العربية، والموافقة عليه في جلسة القمة العربية الفلسطينية في القدس عام 1964، وإعلان المجلس الوطني الفلسطيني كممثل رسمي شرعي لفلسطين وانتخاب احمد الشقيري رئيسًا له.

لم تجد محاولات الشقيري بعد عامين من التمثيل جدوى بكسب التعاطف العربي له من أجل الاستقلال بالقرار الفلسطيني، وترافعت أصوات تنادي بالإطاحة به لا سيما بعد إذاعته أخبار حول تشكيل مجلس عسكري يدعم كافة فصائل المقاومة وهذا ما نفته حركة فتح والجبهة الشعبية، وما دفعه للاستقالة من المجلس وذلك بسبب علله الشقيري بصعوبة التعامل مع رؤساء وملوك الدول العربية عام 1967.

بعد استقالة الشقيري تحركت الدفة نحو قادة أعمال المقاومة الفلسطينية على الأرض لا سيما الجبهة الشعبية وحركة فتح، حيث دعت حركة فتح في تلك الفترة الى تجديد المنظمة ورفع شعار استبدال قادة الكفاح المسلح بـ ثوار المكاتب.

اشترطت حركة فتح من اجل الدخول للمنظمة أن تحافظ على استقلاليتها في الكفاح المسلح وعدم قبول الطريقة التي أنشئت بها المنظمة بالإضافة الى ضرورة تمثيل كافة أفراد الشعب الفلسطيني في المنظمة والاستقلال عن الدول العربية.

وبناء على ذلك تم تشكيل اللجنة التنفيذية للمنظمة برئاسة ياسر عرفات وذلك بعد فصل المجلس الوطني عن اللجنة التنفيذية، حيث تقوم الأخيرة بقيادة جيش التحرير وزعزعة العدو في المنطقة المحتلة والدعوة لحل كافة الخلافات وترميم التشققات في المنظمة وهو الأمر الذي كانت تتقنه حركة فتح.

بعد طرح برنامج النقاط العشر من قبل فتح والجبهة الديمقراطية على المجلس الوطني الفلسطيني والذي تعرض لنقد واسع ومع ذلك تم إقراره والذي كان ينص في مقتصر محتواه على ضرورة إقامة سلطة فلسطينية مستقلة تسخر لها كامل المستلزمات على أي رقعة يتم تحريرها وذلك عام 1974، خاصة بعد خسارة الجيوش العربية عام 1967.

ولقد أعطى البرنامج انطباعًا لدى البلاد العربية والعالمية أن منظمة التحرير الوطني الفلسطينية قد أصبحت أكثر إيجابية وواقعية وإعطاء القيادة الفلسطينية مجالا أكبر للمناورة السياسية، ولقد تم على إثر ذلك الاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ودعوتها للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلقاء خطاب من قبل الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 1974.

بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين الجانب المصري والإسرائيلي، حرص بيغين على وضع ملحق خاص بالاتفاقية يخص الجانب الفلسطيني، إذ حاول من خلاله تصفية القضية الفلسطينية وأعدام حق تقرير المصير الخاص به، هذا الأمر شكل ورقة ضغط كبيرة على الجانب الفلسطيني خاصة المنظمة للدخول في مفاوضات تفريط وليس اكتساب مع الجانب الإسرائيلي.

على إثر ما وقع سابقًا وبعد إعلان الاستقلال في الجزائر عام 1988، تعرضت المنظمة للضغط من قبل الحكومات العربية والولايات المتحدة الأمريكية مما دفعها لدخول مفاوضات سرية مع الجانب الإسرائيلي عرفت لاحقًا بمؤتمر مدريد للسلام خاصة بعد توقيع الأردن وإسرائيل اتفاقية سلام بينهم.

ولعل من أبرز مخرجات مؤتمر مدريد والتي تصب في صالح منظمة التحرير الفلسطينية هو الاعتراف الدولي بالمنظمة وإخراجها من عزلتها بعد الازمة الاقتصادية، التي مرت بها على إثر غزو الكويت وأنه أظهر طبيعة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية، وليست مجرد قضية إنسانية أو قضية لاجئين.

أن مؤتمر مدريد كان مدخلاً وغطاء لاتجاه قيادة المنظمة نحو الاتفاقات السرية أو الاتفاقات غير المعلنة التي انتهت باتفاق أوسلو.

لقد جاء اتفاق أوسلو وفقًا لمتغيرات عرفتها الساحة الدولية والداخلية على الجبهة الفلسطينية، ولعل أبرز المتغيرات الدولية التي ساهمت في وصول أوسلو هو بروز الأحادية القطبية في العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك بالإضافة الى تحسب المنظمة الفلسطينية لقيام بديل عنها وشعورها بالعزلة الدولية ،حيث كانت المفاوضات الفلسطينية بشكل علني وفقا لاتفاق مدريد بقيادة حنان عشراوي وصائب عريقات، برزت اتفاقية أوسلو نتيجة مفاوضات سرية كانت تجري خلف الستار بين الوفد الفلسطيني بقيادة أبو مازن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في تلك الفترة، وشمعون بيريز وزير خارجية الكيان الصهيون.

ولعل أبرز نقاط الاتفاقية تلخصت في اعتراف متبادل بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، حيث تضمن اعتراف قيادة منظمة التحرير بحق إسرائيل في الوجود، فيما اعترفت الحكومة الإسرائيلية بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي ممثلة الشعب الفلسطيني، وتم توقيعه في عام 1993، حيث نص الجانب الآخر من الاتفاقية على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الضفة وغزة وتشكيل سلطة فلسطينية منتخبة ذات صلاحيات محدودة.

وإلى هذه الفترة حتى عام 2001 يتضح أن السلطة الفلسطينية ما هي إلا تمثيل خارجي وأداة تنفيذية لمنظمة التحرير الوطني الفلسطيني وسياسته التي تنص عليها المنظمة ضمن دستورها الداخلي، وهي أحد مخرجات المفاوضات السرية التي دارت بين الجانبين، حتى وإن كان رئيس اللجنة التنفيذية فيها هو رئيس للسلطة القائمة على أرض الواقع.

بعد عام 2001 عملت إسرائيل على إخضاع منظمة التحرير من اجل التقدم في المفاوضات وذلك من خلال طلبها من المنظمة ضرورة محاربة ما تسميه بالإرهابيين المتمثلين بالجناح العسكري لحركة فتح ومقاومة حماس والحركات الأخرى.

وعلى إثر ذلك تم نزع سلاح كتائب شهداء الأقصى وإدراجهم ضمن دائرة التنظيم الأمني الشامل للسلطة وتفريغهم إلى الأجهزة الأمنية، على أن تنسق المنظمة مع حماس حول الأعمال الأمنية وأدراجها في السلطة، حيث رفضت حماس ذلك ودعت إلى إصلاح المنظمة.

بعد اجتياح جنين عام 2002 تراجعت المنظمة قليلا حول نزع سلاح المقاومة، خاصة بعد الضغط الذي تلقته من الشارع الفلسطيني الغاضب، مما دفع ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية لاستحداث منصب رئيس الوزراء في عام 2003، بعد حصاره في مدينة رام الله واقتحام كنيسة المهد وضغط الجانب الأمريكي عليه.

والجدير بالذكر أن الأمم المتحدة تتعامل فقط مع منظمة التحرير كونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وتعترف برئيس اللجنة التنفيذية كممثل لبعثتها في الأمم المتحدة.

وبعد فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، خرجت أصوات تنادي بضرورة إنشاء انتخابات رئاسية جديدة، هذا الأمر أجج الأصوات داخل دائرة العمل السياسي الفلسطيني حول قضية تمثيل فلسطين، فكيف يكون هناك رئيس للسلطة الفلسطينية وهناك رئيس مستقل للمنظمة يمارس تمثيل كيانها؟

خاصة وأن أغلبيه الدول تعترف بالمنظمة إلى تلك اللحظة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ومن يكون رئيس للجنة التنفيذية فيها هو ممثلها فقط.

تسارع وتيرة الأحداث عام 2012 عكست الأمور ومستوى التمثيل خاصة بعد اعتراف الأمم المتحدة والتصويت لصالح فلسطين واعتبارها دولة مراقب في الأمم المتحدة، أي أن هناك اعتراف بكيان إلى حد التعبير شبه مستقل بفلسطين كدولة.

إلى حد ما نستطيع القول أن فلسطين بعد هذه المرحلة اكتسبت صفة التمثيل كدولة حتى وأن كانت مراقب في الأمم المتحدة اليوم، وعلى إثر ذلك فالمتعارف عليه دوليًا أن رئيس الدولة هو أعلى سلطة تمثيلية للدولة بناء على الاتفاقيات الخاصة بالجانب الدبلوماسي والتي وقعت عليها السلطة الفلسطينية.

وإلى حد ما فإن كانت منظمة التحرير الوطني الفلسطينية هي الممثل الشرعي في نظر الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية، فاكتساب دولة فلسطين صفة المراقب في الأمم المتحدة يدعونا للقول أن المنظمة تراجع دورها كممثل للشعب الفلسطيني، بل ولد هناك ممثل شرعي وواحد للشعب الفلسطيني وهو كيان الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف بكافة مؤسساتها ورأس سلطتها المتمثل برئيس الدولة، فعلى الجانب الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي التعامل مع الأمر الواقع خاصة بعد الترحيب الكبير من قبل دول العالم بدولة فلسطين، وذلك من خلال التعامل مع رأس الهرم مباشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد