حتى خريف عام 1602، كان مستقبل العرش في إنجلترا يبدو مجهولًا تمامًا. كانت “إليزابيث” الأولى ملكة إنجلترا التي أوشكت على عامها السبعين قد رفضت كل عروض الزواج طوال حياتها، وأصبحت مسألة خلافة العرش من القضايا الساخنة التي يتم مناقشتها في البرلمان، الذي عرض على الملكة أحد الخيارين:

 

 

إما الموافقة على الزواج، وإما القيام بتعيين وريث لها لمنع حدوث حرب أهلية بعد وفاتها، لكنها رفضت بصرامة كلا الخيارين، وأصرت أنها متزوجة من مملكة إنجلترا وشئونها،

 

 

 

 

وفي نهاية الأمر تقبل كبار المسئولين في الحكومة فكرة أن الملكة لن تتزوج، ولن تعين وريثًا للعرش، ولقبت بالملكة العذراء.

 

 

 

في نهاية عام 1598، تولى “روبرت سيسيل” منصب رئيس الحكومة، عاقدًا في نفسه العزم على تمهيد الطريق لخلافة سلسة، لتجنيب البلاد الدخول في حروب أهلية، ولسبب ما، دخل “سيسل” في مفاوضات سرية مع “جيمس السادس” ملك إسكتلندا، حتى يصبح وريثًا لعرش بريطانيا، وفي فبراير 1603 مرضت “إليزابيث” ودخلت في حالة مستمرة من الحزن الشديد بسبب وفاة ابنة ابن عمها وصديقتها المقربة “كاثرين”،

 

 

 

 

وفي 24 مارس 1603، توفيت إليزابيث الأولى ملكة إنجلترا في قصر “ريتشموند”، وبعد بضع ساعات، وضع كل من “سيسيل” والبرلمان خططهما قيد التنفيذ، وأعلنوا عن تنصيب “جيمس السادس” ملك إسكتلندا ملكًا لإنجلترا فصار “جيمس الأول” ملك إنجلترا وسط تأييد الكاثوليك المضطهدين في إنجلترا من قبل البروتستانت.

 

 

 

 

كانت إنجلترا قد أرست قوانين عنصرية بغيضة ضد الكاثوليك في عهد الملكة “إليزابيث” عرفت بـ”قوانين الحظر” أو “قوانين العصيان”، تعرض الكاثوليك بمقتضاها للغرامات والسجن والقتل، فجاء “جيمس الأول” وأرخى القبضة الحديدية على الكاثوليك، وأبطل بعضًا من “قوانين الحظر”، وأباح للقساوسة دخول الريف وإقامة القداس في الدور الخاصة، وراوده حلم التوفيق بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية في العالم المسيحي،

 

 

 

 

ولكن عندما تكاثر عدد الكاثوليك بفضل هذه البارقة من النور والأمل، ندد البيوريتانيون Puritans (البروتستانت المتشددين) بتساهله مع الكاثوليك، وهاج البرلمان ضد قرارات الملك المرتعش، فعدل جيمس من قراراته، وأجاز تجديد قوانين إليزابيث المعادية للكاثوليك،

 

 

 

 

بل زاد عليها وتوسع في تطبيقها حرصًا على كسب تأييد البرلمان، وأبعد كل الإرساليات الكاثوليكية، وحرم أي تعليم كاثوليكي، وفرض على كل الكاثوليك الذين يمتنعون عن إقامة الصلوات البروتستانتية الأنجليكانية غرامة قدرها عشرون جنيهًا في الشهر، وأي تخلف عن دفع مثل هذه الغرامات يتبعه على الفور مصادرة الممتلكات الأصلية أو الشخصية، والاستيلاء على الماشية من أرض المقصر في الدفع، وعلى أثاثه وملابسه لمصلحة التاج.

 

 

 

 

 

أصاب التراجع في الحريات الدينية، ونكوص الملك بوعوده، الكاثوليك المضطهدين بالإحباط وخيبة الأمل، وألهب الاضطهاد خيال “روبرت كاتيسبي Robert Catesby” للقيام بعمل غير مسبوق، بالتخلص من الملك “جيمس الأول” ومجلس اللوردات وتدمير الحكومة الإنجليزية بأكملها في ليلة واحدة،

 

 

 

 

بنسف مجلس اللوردات في قصر “وستمنستر” في الوقت الذي يجتمع فيه الملك والأسرة المالكة، واللوردات والنواب لافتتاح البرلمان، والاستيلاء على مقاليد الأمور، كمقدمة لثورة شعبية لتتويج ابنة الملك جيمس الأول، الأميرة إليزابيث التي تبلغ من العمر تسع سنوات فقط، على العرش باعتبارها كاثوليكية، ولم يضع “كاتيسبي” وقتًا،

 

 

 

فاتفق يوم 20 من مايو عام 1604 مع اثني عشر من أصدقائه ممن عرف عنهم معارضتهم الشديدة للنظام، وهم توماس وينتور Thomas Wintour، وروبرت وينتور Robert Wintour، وجون رايت , John Wright، وكريستوفر رايت Christopher Wright، وجون جرانت John Grant، وتوماس بريسي Thomas Percy، وفرانسيز تريشام Francis Tresham، وروبيرت كيز Robert Keyes، وتوماس باتس Thomas Bates، وأمبروس روكوود Ambrose Rookwood، وسير إيفرارد ديجبي Sir Everard Digby، وأخيرًا جاي فوكس Guy Fawkes،

 

 

 

 

وتعاهد الرجال الثلاثة عشر فيما بينهم على الكتمان، وأقسموا على سرية الموضوع، ووثقوا عهدهم بتناول القربان المقدس على يد الراهب الجيزويتي (اليسوعي) “جون جيرار”، ثم انضم إليهم لاحقًا بعض الرجال حتى صار عددهم أحدًا وثلاثين رجلًا.

 

 

 

كانت الفكرة هي حفر نفق تحت مجلس اللوردات البريطاني، وتفجيره من أسفل بالبارود، فأستأجر الثوار دارًا ملاصقة للقصر، وبدأوا بحفر نفق إلى قبو مجلس اللوردات، مسابقين الزمن بالحفر لمدة ست عشرة ساعة يوميًّا، ووصلوا قبو القصر قبل الموعد المحدد لافتتاح المجلس، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد جاءهم خبر تأجيل انعقاد البرلمان إلى شهر فبراير لعام 1605،

 

 

 

 

ثم تأجل مرة أخرى حتى 7 يوليو 1605، ثم مرة ثالثة بسبب انتشار مرض الطاعون حتى الثالث من أكتوبر 1605، ثم مرة أخيرة حتى صباح الخامس من نوفمبر 1605، وهكذا تعطلت الخطة لمدة عام ونصف العام بسبب تكرار تأجيل انعقاد المجلس مرة بعد أخرى، وسط قلق مشوب بالشك من بعض المشاركين في جدوى العملية برمتها، أو في ذنب الأرواح البريئة التي سيحصدها الانفجار حصدًا.

 

 

 

 

 

في إعادة الطمأنينة إلى نفوس الثوار، سأل “كاتيسبي” أسقف الجيزويت (الآباء اليسوعيين) في إنجلترا الأب “هنري جارنت” عن جواز الاشتراك في أعمال قد تؤدي بحياة ناس غير محاربين أثناء الحرب، فأجاز “جارنت” هذا الأمر، لكنه حذر “كاتيسبي” من القيام بأي أعمال ضد رجال الدولة والحاشية لأنها لن تجر إلا مزيدًا من الشقاء والاضطهاد على الكاثوليك،

 

 

 

كما أفضى “كاتيسبي” – أثناء الاعتراف- إلى الأب “أوزوالد جرينواي” بسر الثورة المرتقبة التي تضمنت الآن اتخاذ تدابير أخرى لقيام الكاثوليك في إنجلترا بثورة عامة، فأبلغ “جرينواي” زميله “جارنت” بالموضوع، وفوجئ أنه يعلم بالأمر، وحار الرجلان بين إفشاء السر إلى الحكومة، أو الصمت، لكنهما آثرا الخيار الثاني، ومع ذلك بذلا قصارى جهدهما ليثنيا “كاتيسبي” عن تنفيذ خطته.

 

 

 

 

وفي محاولة أخيرة للتخفيف من وخز الضمير عند زملائه ومن مخاوفهم، اقترح “كاتيسبي” إرسال خطابات عاجلة الى أعضاء البرلمان المتعاطفين مع الكاثوليك في صبيحة اليوم المحدد للاجتماع، تستدعيهم إلى خارج “وستمنستر”، لكن تراجع عن اقتراحه قوبل خشية أن ينفضح الأمر، إلا أن “فرانسيز تريشام” أحد المشاركين في العملية، خالف السرية، وأرسل منفردًا تحذيرًا لنسيبه “مونتيجل” موقعًا من مجهول، يقول:

 

 

 

 

“سيدى العزيز، بسبب ما لدي من اهتمام بالحفاظ على سلامتك الشخصية، إذا كنت تأبه لحياتك، يجب أن تنتحل أي عذر لعدم حضورك البرلمان، لأن الله وشخصًا مجهولًا سيقومان بمعاقبة الشر في وقتنا هذا، ولا تفكر مليًا في هذا العرض، بل قم بالذهاب إلى بلدك، وأرجوك أن تحرق الرسالة بمجرد قراءتها،وأتمنى من الله أن يحفظك وأن تكون في رعايته”.

 

 

 

 

 

لم يفكر “مونتيجل” في الأمر مرتين، بل على الفور أطلع أحد أعوان الملك على الأمر، ومن ناحية أخرى، أرسل “توماس وارد” خادم “مونتيجل”، رسالة لـ “كاتيسبي” يخبره فيها عن الرسالة وعن الخيانة التي حدثت، وبمجرد معرفته بأمر رسالة “مونتيجل”، شك “كاتيسبي” أن من يكون خلف تلك الخيانة هو “تريشام”، فقام “كاتيسبي” بمواجهته أمام الباقين، لكنه أنكر تمامًا،

 

 

 

 

بل نجح في إقناعهم بأنه لم يكتب هذا الخطاب، فأقتنع كاتيسبي أن الأمر سيقف عند “مونتيجل”، وقرر بأن يستمر بالخطة كما هي.

 

 

 

 

 

في الأول من نوفمبر اطلع الملك على الخطاب، وقرر أن يقوم اللورد “تشامبرلين توماس هوارد” بإجراء عملية تفتيش كاملة للبرلمان، وفي الثالث من نوفمبر، اجتمع “بيرسي”، و”كاتيسبي”، و”ونتور” للمرة الأخيرة، حيث قال بيرسي لزملائه بأنهم يجب أن “يلتزموا بتلك العملية إلى أقصى درجة”، وذكرهم بأن السفن التي سوف يفرون عن طريقها سوف تكون في انتظارهم عند مرساة نهر التايمز،

 

 

 

 

 

وفي اليوم نفسه قام “بيرسي” بزيارة أحد أصدقائه المقربين من حاشية الملك ليرى إذا كان بإمكانه استشفاف أي شيء عن الشائعات بخصوص رسالة “مونتيجل”، وعندما لم يعلم شيئًا، عاد إلى لندن وطمأن الجميع بأن لا شيء يدعو إلى القلق، وبحلول مساء الرابع من نوفمبر،

 

 

 

 

 

 

وضع الثوار ستة وثلاثين برميلًا من البارود تحت قاعة الاجتماع في مجلس اللوردات مباشرة تكفي لتحويل مجلس اللوردات إلى أنقاض، وكلفوا “فوكس” بمسئولية المتفجرات، حيث كانت لديه خبرة عسكرية بسبب مشاركته في حرب “الثمانين عامًا”، وقام “فوكس” بزيارة “كيز” ليأخذ منه ساعة صغيرة ليضبطها على وقت إشعال الفتيل وانفجاره،

 

 

 

 

 

 

في الوقت نفسه كان العمل يجري بهمة ونشاط من قبل أعوان الملك لتفتيش المبنى بأكمله، فوصلوا إلى القبو قبل التفجير بساعات قليلة، وهناك عثروا على “فوكس”، مرتديًا عباءة سوداء وقبعة، ومُنتَعلًا حذاءً طويلًا في نهايته أداة حادة تستخدم عند امتطاء الخيول، وحاملًا في يده مصباحًا،

 

 

 

 

وتم اكتشاف براميل البارود مُخبأة تحت أكوام من الحطب والفحم، فقبضوا عليه واعترف بما كان يقصد إليه من نسف البرلمان في اليوم التالي، لكنه أصر على كونه المنفذ الوحيد للعملية، ولاذ معظم الثوار بالفرار من لندن بعد معرفتهم باكتشاف السلطات للمؤامرة، بينما أرسل “فوكس” إلى سجن برج لندن، حيث أمر الملك بتعذيبه،

 

 

 

 

 

وفي خطاب أرسله الملك إلى العاملين في برج لندن، أوضح لهم أن عملية التعذيب التي يجب أن تستخدم مع “فوكس”، يجب أن تكون بدرجات، تبدأ بالأقل إلى أن تصل إلى أكبر درجة من التعذيب، وتمنى من الله أن يوفقهم في عملهم الدؤوب، ولكن رغم التعذيب الشديد، رفض فوكس الإدلاء بأسماء المشتركين، أما الهاربين، فقد كشفوا عن أنفسهم بحمل السلاح ومحاولة الهرب، فتم القبض عليهم بعد قتال عنيف، وحوكموا جميعًا وتم الحكم عليهم بالإعدام.

 

 

 

 

 

 

في يوم 30 من يناير 1606، تم تنفيذ الأحكام في إيفرارد ديجبي، وروبرت ونتور، وجون جرانت، وتوماس باتس، حيث تم وضعهم على حاملة خشبية وسحلهم في جميع شوارع لندن إلى باحة كنيسة القديس بولس، طلب ديجبي، وهو أول شخص يصعد على السقالة، الغفران من الشعب،

 

 

 

 

 

كما أنه رفض أي أهتمام أو تعاطف من الكهنة المنتمين للمذهب البروتستانتي، وتم تجريده من ملابسه تم بتر أوصاله، وقطع خصيتيه، وهو ما يزال حيًّا، ثم بقرت بطنه واستخرجت أحشاؤه ثم شدت أطرافه الأربعة باستخدام الخيول، حتى انفصلت أطرافه عن جسده، وقد نُفذت هذه الطريقة في الإعدام أيضًا على روبرت ونتور، وجون جرانت، وتوماس بيتس، وفي اليوم التالي 31 يناير، تم تنفيذ حكم الإعدام في توماس ونتور، وأمبروس روكوود، وروبرت كيز، وجاي فوكس،

 

 

 

 

 

لكن لم ينتظر كيز أوامر الجلاد بالشنق حيث إنه قفز بنفسه بعد وضع حبل المشنقة حول عنقه، ولكنه نجا، ولذلك تعرض لعملية التعذيب التي تلي من ينجو من الشنق، وهي ببتر أطرافه على عكس فوكس، الذي قام بالقفز أيضًا ولكنه دق عنقه وبالتالي نجا من الجزء الأخير المتمثل في عمليات التعذيب البشعة،

 

 

 

 

 

 

وتم التمثيل بجثثهم، فعلقت رؤوسهم خارج مجلس اللوردات، ليكونوا عِبرة لغيرهم بينما أُعدِم هنري جارنت في الثالث من مايو عام 1606، ولقبت تلك العملية بـ”مؤامرة البارود”، وصار “فوكس” رمزًا للثورة والكفاح المسلح ضد الحاكم الظالم.

 

 

 

 

 

 

في عام 2005، أنتجت هوليود فيلمًا خياليًّا تدور أحداثه في بريطانيا في المستقبل عام 2038، حيث تصبح بريطانيا دولة شمولية يحكمها حزب يميني متطرف، ويتخذ الفيلم من تاريخ 5 نوفمبر موعدًا هامًا، حيث يتم تفجير البرلمان، مستلهمًا الخطوط الرئيسية من الأحداث الحقيقية لمؤامرة البارود حيث يرتدي بطل الفيلم قناع جاي فوكس طوال الوقت.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موسوعة قصة الحضارة - بداية عصر العقل، للمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت وزوجته أريل ديورانت.
عرض التعليقات
تحميل المزيد