الأوضاع في مصر والعالم العربي ليست محض حاكم ظالم أو دولة فاسدة نُعلن الثورة عليها فتأتي أخرى صالحة ويعم السلام من جديد. الأمر ليس بهذه البساطة، إنما هو أكبر وأبعد من هذا. إنها مؤامرات دولية وصراعات خفيه بين أصحاب الأديان وأصحاب السلطة والنفوذ والأموال. حربٌ أهلية بين بني الإنسان ونحنُ جزء منها، إنها قصاصة من لوحةٍ كبيرة قد لا نراها ولكن يجب أن ندركها. ويبدأ الطريق من إطلاق الحرية لعقلك وإدراك الصورة الأكبر لنظام دولتك والدول الأخرى من حولك، ما كان وما يجب أن يكون.

الفرد والدولة

لا شك أن موقف المواطن في الدولة التي هو عضو فيها ينبغي أن يكون موقف الطاعة والولاء والتعاون. فهي في النهاية نظام طبيعي ضروري لتصريف شؤون الجماعة، لذا فالواجب على المواطن الصالح أن يرفع من شأن أمته ويرتفع بمستوى الإدارة في وطنه، وألا يكون غافلًا في نفس الوقت عن بعض المساوئ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، حتى يعمل على إزالتها من أجل رقي الأمة والإعلاء من شأنها.

لكن مع هذا ينبغي أن نطيع شرائع الدولة ما دامت تتفق والشرائع الإلهية، أما حين تناقض الشرائع الإلهية والطبيعية وتخرج عن المألوف، فإنه لزامٌ علينا في هذا الوقت أن نعلن العصيان ونقوم بثورة على الأوضاع الخاطئة وتصحيح مسار الدولة.

نظرية الحُكم المُطلق

بينما تملك الشعوب في النُظم الديمقراطية حق الحرية لنقد أعمال الدولة وتغيير الحكومة إذا اقتضى الحال، نجد نظرية الحُكم المطلق في الدولة تحتفظ لنفسها بكل الحقوق، حتى الحق في كتم أنفاس كل انتقاد، وتنفيذ أغراضها ومآربها بالقوة والعنف ضد خصومها السياسيين، فإذا اقتضى الحال قتل أو اعتقال أو نفي معارضي النظام، فالدولة لها الحق في ذلك أيضًا.

و هذه النظرية – والتي تشبه إلى حدٍ كبير الأوضاع الحالية في العالم العربي إن لم تكن تمثلها بالفعل – اتبعها الكثيرون على مر العصور، فهي تشبه النظام الملكي والفكرة الملكية، والتي لخصها لويس الرابع عشر في مقولته الشهيرة “أنا الدولة والدولة أنا”. وتشبه أيضًا نظرية الحق الإلهي للملوك، وهي نظريه سادت أوروبا قبل ثلاثة قرون تقريبًا، وتقوم هذه النظرية على تأليه الملك وبمقتضى هذا الادعاء يرتبون للملك سلطة مُطلقة على رعيته، تسلب منهم كل حقوقهم وتدفعهم قسرًا إلى الجهل والبؤس.

وقد قامت مئات الأنظمة كشكل جديد لنظام الحُكم المطلق ومنها النظام الديكتاتوري في العصر الحديث.

الديكتاتورية في العصر الحديث

يقول اللورد مورلي: “إنَّ حق التفكير بحرية، والعمل باستقلال واستخدام العقول دون تسلط عليها وإرهابها، وتكييف حياتنا دون الخضوع لعادات وتقاليد، هذه كلها قد غدت الآن من المبادئ المُسلّم بها من كل مدارس الفكر التي تسيطر على مصائر المستقبل”. لكن حقائق التاريخ تُكذب هذا التفاؤل بما نشهد اليوم من النزعات الاستبدادية في كثير من أفكار العالم لا مصر أو العالم العربي فقط. وكمثال على ذلك النازية في ألمانيا بقيادة هتلر والفاشستية في إيطاليا بريادة موسوليني واللتان ظهرتا في القرن العشرين وكانتا سببًا للحرب العالمية الثانية.

ويقول موسوليني في مقالٍ له بعنوان “عقيدة الفاشستية”.. “في الفاشستية ليست الدولة خفير الليل الحارس الذي يعنى بسلامة المواطنين الشخصية وأمنهم، وليست نظامًا لتحقيق الأغراض المادية وبلوغ حد معين من الرقي المادي والنظام الاجتماعي الآمن، وليست مؤسسة سياسية لا تمت بصلة لحياة الأفراد والشعوب. إنما الدولة كما تفهمها الفاشستية، وكما هي في الواقع، حقيقة روحية أدبية لأنها تقرر النظم السياسية والقضائية والاقتصادية في الأمة، وهذه النظم هي في أصلها وفي تطورها مظهر للروح”، فقد قامت الفاشستية على تأليه الدولة لا الحاكم، لكن لم يعنِها الفرد أو حريته، فالفاشستية حرية الفرد داخل نطاق الدولة، وكل شيء في نظر الفاشستي يكمن في الدولة، وفي عُرف موسوليني أن لا سبيل إلى تحقيق حرية المواطن الفرد إلا بخدمة الدولة الفاشستية.

و لم تختلف النازية كثيرًا عن الفاشستية ولعل أفضل ما يوضح الفكرة هي العبارة التي ذُكرت في كتاب ألماني بعنوان الاعترافات فقد جاء فيه “خدمة هتلر هي خدمة ألمانيا، وخدمة ألمانيا هي خدمة الله”.

أذرع الأنظمة الفاسدة

رغبةً في تحقيق الانسجام المرغوب فيه بين النظام الفاسد والفرد في الدولة، تقوم الأنظمة الفاسدة على الاهتمام بتخريب أهم أذرع الدولة ألا وهي التعليم والأمن والإعلام. فلكي يقدر النظام على ترويض الفرد حتى لا يطالب بحريته، تُخضع الدول الاستبدادية التعليم لسلطتها، وهذا ما يؤكده الفيلسوف الألماني فيخت حين قال: “التعليم يجب أن يقضي تمامًا على حرية الإرادة. بل حتى لا يسمح للتلميذ أن يسمع أن أعمالنا وبواعثنا قد تتجه فقط لخدمة أغراضنا الشخصية”.

ويتبع الإعلام التعليم في الأهمية فلا يتحقق الولاء الأعمى من قِبَل الفرد للدولة إلا حين تكون الصحافة وكافة وسائل الإعلام في أيدي النظام الحاكم. بهذا يضمن أنهم لن ينتقدوا أعمال الدولة، بل يرسخوا العقيدة القائلة بأن كل ما يفعله الزعيم الحاكم لابد أن يكون صوابًا. وبذلك أيضًا تطمس أي حقيقة قد تساعد القارئ على أن يُصدر حكمًا مستقلًا وتقطعه عن العالم الخارجي حتى دون أن يُدرك ذلك.
و أهم تلك الأذرع للدولة ذراع الأمن والذي تقتضي مهمته قمع الخصوم وقهرهم.

الحق أحق أن يُتَّبع

قامت مئات الأنظمة الفاسدة على مر العصور، وعلى الرغم من فسادها ووضوح ذلك كنور شمس الصباح، إلا أن الدولة الفاشية والأنظمة الفاسدة دائمًا ما كانت تحظى بمؤيدين وداعمين لعقائدها وأفكارها.

لكن حتى لو كان مؤيدو الدولة هم الأغلبية فإن مجرد كونهم أغلبية لا يمثل بالضرورة حق السيادة، والسلطان متى كان يناقض الأحكام الأدبية والشرائع الطبيعية والإلهية، فالحق هو عصيان بطش الدولة آنذاك، وإرادة الشعب مُقدسة حين تُعبر عن الناموس الكوني وتُطبقه، ولكنها لاغية حين تُطلق هذا الناموس وتتبع أحكام الهوى.

والحق أن الغرض الأسمى من كُل نظام لأي دولة هو الحرية، لأن المواطنين لم يُخلقوا للحاكم ولا الأمة جُعلت له. بل على النقيض، كان الحاكم للرعية وللأمة.
إن أردت السلام فاستعد للحرب. فمتى كان النظام فاسدًا علينا أن نواجهه من أجل إرساء قواعد الحق. والذين يعيبون الثورة في أي وضعٍ من أوضاعها إنما يفعلون ذلك عادةً، إما يعتقدون أن الدولة مُرتبة من الله وكُل تمرد عليها وقوف في وجه الترتيب الإلهي، أو يظنون أن كل أوضاع التمرد على الحاكم تؤدي إلى الحروب الأهلية، والبعض الآخر يرى أن تأييده للنظام الحاكم يخدم مصالحه الشخصية.

لكن متى كان النظام فاسدًا فمصيره الخلاص وأفكاره تفنى ولا يبقى منها سوى شرذمات قليلة، ففي النهاية ما بُنى على باطل فهو باطل.

و الدهرُ يروي قصة السلطان
يكذب، ثُم يكذب، ثُم يكذب
ثُم يحترف التنطع، والبلادةَ والخداع
هذا مصير الحاكم الكذاب
موتٌ.. أو سقوطٌ.. أو ضياع

بالعقل تُدرك أي فكرةٍ تدعم، وعن أي قضيةٍ تُدافع، وإلى أي جانبٍ تنتمي. لذا احرص على عقلكَ قويًا نظيفا، ولا تدع أحدهم يوجهك إلى الحق، بل سر واكتشف بنفسك الحقيقة ودع عقلك وحده من يوجهك إلى طريق الحق.

واعلم أن كلمة الحق فرضٌ واجب على كل إنسان فالساكت عن الحق شيطانٌ أخرس، لكن لا تتبع كلمة أحد إلا بعد أن تُمررها على عقلك أولًا فقد يدافع أحدهم عن الحق بالزيف ثم تظهر حقيقته فلا تُدركها، وكما قال لي أحدهم “كُن مع الحق لا أهل الحق، لأن الحق ثابتٌ لا يتغير مهما تغيرت الأنفس وتواكبت الجموع”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد