(هذه قصة واقعية وأي تشابه بين أحداثها وبين الواقع هو محض صدفة ليس أكثر)

“الكنيسة التي لا تدافع عن حقوق الفقراء، ولا ترفض الظلم المرتكب بحقهم، ليست الكنيسة الحقيقية ليسوع المسيح”، نطق “أوسكار روميرو” رئيس أساقفة السلفادور جملته الأخيرة بهدوء وثقة بالغين، ليختم بها عظة قداس الأحد الأسبوعي، متعمدًا الضغط على مخارج الحروف، ثم صمت ورفع عيناه إلى أعلى، مستمدَا قوة من إله الحق والسلام، معلنًا استعداده، وبكل جراءة تحمل تبعات موقفه الحازم تجاه رفض الممارسات القمعية التي تقوم بها السلطة العسكرية الحاكمة في البلاد.

ارتفعت همهمات الحضور عالية بعد عبارة “روميرو” الأخيرة ما بين مؤيد ومعارض، فمنهم الثائر المعارض للسلطة الذي يؤيد “روميرو” وموقفه بشدة، ومنهم من يحبه ويخاف عليه، ويرى أن الطريق الذي اتخذه “روميرو” برفضه للظلم الواقع على شعبه سيكون نهايته الموت حتمًا، خصوصًا أن رئيس الأساقفة قد توقع سابقًا أن يتم اغتياله، وتحدث مرارًا عنه، معلنًا استعداده لقبول الشهادة إن أمكن لدمه أن يساهم في حل مشاكل البلاد قائلًا: “لا أومن بالموت من دون بعث، فإذا قتلوني، فسأبعث من جديد في الشعب السلفادوري”، بينما رفض البعض الآخر – ومنهم أقرانه من الأساقفة – موقفه المعارض للسلطة العسكرية، متهمين إياه بالشيوعية نظرًا لدفاعه عن حقوق الإنسان.

لم يعرف “روميرو” أن أحدهم قد وقّع على شهادة وفاته في تلك اللحظة تحديدًا، ولم يبقَ إلا التنفيذ الفعلي.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يعلن فيها رئيس الأساقفة “أوسكار روميرو”، وبكل صراحة، موقفه المعادي للجنرال “كارلوس”، فقد سبقه نشاط ثوري حقيقي مناهض لحكم العسكر في السلفادور، الذين ارتكبوا مجازر مروعة بحق العمال والفلاحين، منذ سيامته رئيسًا لأساقفة السلفادور في 23 فبراير 1977.

ففي تلك الفترة كانت السلفادور على شفا حرب أهلية، حيث أعلن الجنرال “كارلوس هومبيرتو روميرو” نفسه رئيسا للدولة، بعد انتخابات غير نزيهة في 1 يوليو 1977، وبعدها بثمانية أيام فتحت الشرطة نيرانها بعشوائية لإخماد مظاهرة تندد بنتائج الانتخابات الرئاسية، فسقط عدد ضخم من الضحايا، وفي نفس الشهر تعرض ثلاثة كهنة أجانب للتعذيب بسبب موقفهم المعارض، والمناهض للظلم.

 

تم بعدها طردهم من البلاد، تلا ذلك خطف قس وتعرضه للتعذيب، ثم ألقي به وهو بين الحياة والموت أمام أبواب المحكمة العليا، لتوصيل رسالة بعينها للمعارضة مفادها أن القضاء الشامخ لن يأتي لكم بحقوقكم.

لقي اختيار “روميرو” في البداية ترحيبًا حكوميًا بينما شكل خيبة أمل للعديد من قساوسة البلاد ذوي الميول اليسارية، ولكن روميرو صدم كلا الفريقين، الحكومة واليساريين، فقد دخل منذ بداية عمله في منصبه الجديد في صراع مع السلطة، والجيش، والطبقة البورجوازية، مدافعًا عن حقوق الفقراء، ومستنكرًا المجازر والاغتيالات، والتعذيب، وانتهاكات حقوق الإنسان التي كانت ترتكب بحق الشعب السلفادوري تحت مرأى ودعم الحكومة الأمريكية.

 

لم ينبهر أوسكار بأضواء المنصب، ويتناسَ أصوله الفقيرة سعيدًا بمنصبه الجديد كحال معظم رجال الكهنوت، لم يتناسَ “أوسكار أرنولفو روميرو إي غالداميز” المولود في 15 أغسطس 1917 في “سيوداد باريوس” بالسلفادور أصوله الفقيرة، ولا كونه الطفل الثاني بين سبعة إخوة لعائلة تعاني من الفقر المدقع، وتنام على الأرض بلا كهرباء، ولا صرف صحي، لم يتناس والده “سانتوس روميرو” موظف التلغراف الفقير، وأمه “غوادالوب غولداميز” التي زرعت فيه مع إخوته الإيمان المسيحي القويم، وعلمته كيف أن المسيح كان ثائرًا حقيقيًا على الظلم، لم يتناس “أوسكار” أن والديه الفقيرين لم يتمكنا من تحمل نفقات دراسته بسبب ظروفهم الاقتصادية، وكيف عهدوا به لنجار محلي ليعلمه حرفة النجارة عندما بلغ الثانية عشرة من عمره.

تلك النشأة القاسية زرعت في روميرو نزعة يسارية حقيقية وحبًا وانتماءً حقيقيًا للفقراء، والمعوزين، والمهمشين.

في سن الثالثة عشرة التحق “أوسكار” بالمعهد اللاهوتي في “سان ميجويل”، ثم معهد اللاهوت الوطني في سان سلفادور وأنهى دراساته لاحقًا في الجامعة الحبرية في روما حيث نال شهادة الليسانس في علم اللاهوت، ثم رُسّم “أوسكار روميرو” قسيسًا للكنيسة الكاثوليكية في 4 أبريل 1942 في مدينة روما، وبدأ عمله الرعوي في كنيسة ريفية في السلفادور وسط الفقراء والمهمشين، وبسبب إمكانياته وقدراته أوكِلَتْ إليه مهام أكبر، فعين عميدًا لمعهد اللاهوت في “سان ميجويل” وسكرتيرًا لأبرشية المدينة، ثم أسقفًا لـ”سانتياجو دي ماريا” ثم تمت سيامته رئيسًا لأساقفة السلفادور في فبراير 1977.

 

قبل سيامته أسقفًا لـ”سانتياجو دي ماريا”، كان روميرو مهتمًا بالفقراء والمهمشين فقط، لكنه لم يكن أبدًا معارضًا للنظام، حتى جاءت فترة توليه منصب الأسقفية في “سانتياجو”، لتغير من شخصيته تمامًا وكليًا، حيث شاهد عن كثب معاناة الفقراء الذين لا يملكون أرضا، وتزايد عنف الحكومة ضد الكهنة النشطاء اجتماعيًا، فقوض ثقته في حسن نية السلطات، ثم حدثت الطامة الكبرى في حياته باغتيال صديقه الأب “جراندي روتيليو” في 12 مارس 1977 على يد قوات النظام، فقرر مواجهة النظام بصدر عار ووجه مكشوف، وفي الأحد التالي لحادثة الاغتيال، أوقف “روميرو” الجماهير في كنائس العاصمة جميعها، وطالب بمعاقبة الأطراف المسؤولة.

على مدى الأشهر التالية شنّ “روميرو” هجومًا عنيفًا على السلطة العسكرية، معارضًا للممارسات القمعية والإعدامات والمجازر المروعة وعمليات القتل والتعذيب والاختطاف بحق المعارضين والفقراء والعمال والفلاحين، التي كانت تنفذ في كل مكان بواسطة ميليشيات الجنرال “كارلوس” المسماة بـ”فرق الموت” من خلال عظته الأسبوعية التي تبث عبر الراديو بإذاعة “إيساكس الأسقفية”، والتي كان يجري بثها على موجات الراديو في جميع أنحاء السلفادور وأمريكا اللاتينية، وأصبحت لديه شعبية كبيرة، وتزايد أتباعه الذين كانوا يحتشدون في الكاتدرائية للاستماع إلى عظاته الثائرة التي توقد نيران الثورة في عروقهم، وفي إحدى عظاته في قداس الأحد، أطلق أوسكار دعوة للجنود لوقف العنف قائلًا أن “الجندي ليس مجبرًا على إطاعة أي أمر بالقتل”، متحديًا التهديدات العديدة بالموت التي تلقاها في الأسابيع السابقة.

كان “روميرو” يستخدم سلطته المعنوية من خلال منصبه كرئيس للأساقفة، للتحدث بالنيابة عن الفقراء والمعارضين والثوريين في دولة يعتبر حكامُها المعارضين خونة ومخربين وعملاءً للخارج، وأصبح “روميرو” معروفا باسم “صوت مَن لا صوت لهم”، وشن حملة واسعة مدافعًا عن حقوق الإنسان في السلفادور، كسب منها الكثير من المعجبين الوطنيين والدوليين، فضلا عن ترشيحه لجائزة نوبل للسلام.
لم يكتفِ “روميرو” بكونه مناهضًا لحكم العسكر ولسلطة الجنرال “كارلوس هومبرتو” الدامي، وإنما أنشأ مكتبًا تابعًا للكنيسة الكاثوليكية في السلفادور أطلق عليه اسم socorro juridico، وهو المكتب الذي كان مسؤولًا عن توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وتسجيلها، وتقديم المساعدة القانونية لأهالي الضحايا والدفاع عن حقوقهم، وتقديم المساعدة الإنسانية والقانونية، والمطالبة بتقديم المتورطين فيها للعدالة، فضلًا عن تقديم المأوى لفارين كثيرين من جحيم الصراع بين السلطة ومعارضيها.

في فبراير 1980، وقبل اغتياله بشهر واحد تقريبًا، أرسل روميرو رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي “جيمي كارتر” دعا فيها الولايات المتحدة الأمريكية إلى وقف المساعدات العسكرية للنظام قائلًا: “لقد سئمنا الأسلحة والرصاص”.

صباح يوم 24 مارس 1980 نهض روميرو مبكرًا وتوجه لأداء صلاة القداس في تلك الكنيسة الصغيرة التابعة لمستشفى السرطان، ليصلي بين المرضى الذين يتنظرون الموت بين اللحظة والأخرى، لم يدر في خلده وهو يتوجه إلى تلك الكنيسة أن الموت كان ينتظره هناك على عتبتها.

أغمض الأسقف “روميرو” عينيه كعادته، ورفع وجهه إلى السماء وبدأ في تلاوة صلوات القداس، وفي منتصف القداس تقريبًا وفجأة، أطلق بعض أفراد ميليشيا “فرق الموت” النار عليه من الخلف من أمام باب الكنيسة فأردوه قتيلًا على الفور، ظنًا منهم أنه باغتيال “روميرو” سيخمد صوت الثورة في النفوس، لكن ما حدث في الأحد التالي 30 مارس كان صادمًا وبحق للنظام؛ فبدلًا من أن يرتدع محبو “أوسكار روميرو” مما حدث لأبيهم الروحي ويلزموا منازلهم، أصروا على تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير، بحضور كثيف فاق الحسبان، فقد حضر ما يقرب من خمسين ألف شخص لإلقاء النظرة الوداعية على رئيسهم الروحي، وبلغ الخبر الجنرال “كارلوس هومبيرتو” الذي خشي أن تنقلب صلاة التشييع التي يشارك فيها العدد المهول من أتباع ومحبي “روميرو” إلى ثورة ضده، فأمر قوات الجيش بإطلاق الرصاص الحي عشوائيًا على الحضور خلال الجنازة، مما تسبب في سقوط المئات من الضحايا.

أمام الرأي العام، تنصلت الحكومة السلفادورية من مسئوليتها عن اغتيال رئيس الأساقفة “أوسكار روميرو”، وياللصفاقة، حمَّل الجنرال “كارلوس” مسئولية الاغتيال للثوار اليساريين كعادة كل الأنظمة العسكرية في التنصل من جرائمها، ولكن تبين بعدها أن المسئولية الحقيقية تقع على عاتق “فرق الموت” التابعة للسلطات، والموكلة بمهام تصفية معارضي النظام، كما تم وضع المخابرات المركزية الأمريكية كذلك في دائرة الاتهام، وبالطبع لم تتم معاقبة أحد على مقتل روميرو بسبب قانون العفو السلفادوري.

 

كان لاغتيال “روميرو” ثم اغتيال المئات من محبيه يوم تشييع جنازته دورٌ في جر البلاد لحرب أهلية استمرت أحداثها 12 سنة، وراح ضحيتها أكثر من 70000 شخص، انتهت في 16 يناير 1992 بتوقيع اتفاقات السلام بين الحكومة والمتمردين.

لاحقًا حثت الكنيسة الكاثوليكية في السلفادور على إعادة فتح التحقيق في قضية قتل كبير الأساقفة “أوسكار أرنولفو روميرو”، وخلصت لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الأمم المتحدة في التسعينات إلى أن المؤامرة لقتل “أوسكار روميرو” قد دبرها “روبرتو دوبويسون” الجنرال السابق بالجيش، واتهم “دوبويسون” بإدارة “فرق موت” يمينية في السلفادور خلال الحرب الأهلية في البلاد في فترة الثمانينات.

وقالت الكنيسة الكاثوليكية في السلفادور أن الحكومة مطالبة بموجب القانون الدولي بالعثور على المسؤولين عن قتل رئيس الأساقفة رغم وجود قانون العفو، وقالت “ماريا جوليا هرنانديز” من أبرشية سان سلفادور: “لا يمكن تطبيق قانون العفو على قضايا الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية وفي حالات انتهاكات حقوق الإنسان، وقضية قتل الأب روميرو هي مثال واضح على الاستثناء من العقاب، إنها جريمة ضد الإنسانية”، لكن الرئيس السلفادوري “أنطونيو ساكا” رفض مبررًا أنه على الرغم من أسفه للأحداث التي وقعت بسبب الحرب، إلا أنه جاء للتعامل مع مستقبل السلفادور وليس ماضيها، قائلًا: “أعتقد أن فتح جراح الماضي لن يكون أفضل شيء للبلاد التي تتطلع للمستقبل”.

في الثالث من فبراير 2015، اعترف البابا “فرنسيس” الأول بابا الفاتيكان باستشهاد الأسقف السلفادوري “أوسكار روميرو”، ويمثل الاعتراف بالأسقف شهيدًا للإيمان تمهيدًا لتطويبه ثم إعلانه قديسًا بحسب ترتيب الكنيسة الكاثوليكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد