(هذه قصة واقعية وأي تشابه بين أحداثها وبين الأحداث الحالية هو محض صدفة ليس أكثر)

“باسم الشعب الألماني، التهم الآتية موجهة إلى هانز فريتز شول، وصوفيا ماجدالينا شول، وكريستوف هيرمان بروبست من قبل محكمة الشعب العليا، في 22 فبراير 1943 قام المتهمون بتوزيع المنشورات المعارضة للنظام بغرض هدم الجيش الألماني وإضعاف الروح الوطنية القومية لشعبنا العظيم ونشر الأفكار المخربة لإحراج الفوهلر، وبفعلتهم تلك ساهموا في مساعدة أعداء هذا الوطن وأضعفوا الروح المعنوية لقواتنا المسلحة، وبهذا فأنتم محرومون من أي حقوق لكم في هذا الوطن، لذا حكمت المحكمة على هانز فريتز شول، وصوفيا ماجدالينا شول وكريستوف هيرمان بروبست بالإعدام على المقصلة، وبتحمل نفقات تلك المحاكمة”.

نطقها القاضي “رولاند فرايزلر” بحدة، وهو ينظر بكل غضب الدنيا إلى المتهمين الثلاثة المكبلين بالأصفاد.

تعالت أصوات الحضور المؤيدة للحكم، مرددين كلمات من نوعية “خونة، عملاء، مأجورون، أنتم عار على هذا الوطن” بينما تسللت ضحكة ساخرة خلسة إلى شفتي صوفيا التي هبت واقفة على قدميها بالرغم من السلاسل الحديدية التي تحيط بمعصميها، وهي تقول بكل ثقة للقاضي: “عن قريب ستقف حيثما نقف نحن الآن.

اليوم تعلقوننا على مشانقكم، غدًا سيأتي دوركم وتعلقون على ذات المشانق”.

لم يحتمل القاضي كلماتها فانتفض غضبًا وارتعشت أطرافه بعصبية ونفرت العروق في جبهته وهو يصيح: “أنتم إرهابيون خونة حقراء، كلماتكم تلك ومعتقداتكم ستسبب الهلاك لجنود الجيش الألماني العظيم، هل تعتقدون أن هذا الشعب المؤيد للفوهلر العظيم يمكن أن يصدق هراءكم هذا؟” أجابه هانز شقيق صوفيا بصوت عالٍ بينما كان الجنود يسحبونه إلى الداخل:

“لسنا نحن من سيتسبب في موتهم بل قائدك الأعلى هتلر، فقط انظر إلى الخريطة؛ هتلر يقود البلاد إلى كارثة، نحن لا نمتلك أي فرصة أمام تحالف أمريكا وبريطانيا وروسيا، بحسابات منطقية لا يمكن أن نربح الحرب، نحن لا نملك إلا إطالتها فقط، فقط بإنهاء الحرب الآن يمكننا الحفاظ على الأرواح. ألمانيا تنزف وبشدة، نحن لا نريد إلا السلام، تلك المذابح التي ترتكب حولنا يحمل وزرها هتلر ومؤيدوه، أنتم جميعًا تعرفون ذلك لكنكم لا تملكون الشجاعة التي نمتلكها كي تعترفوا بذلك”.
لم تبدأ نهاية الأخوين شول في هذا اليوم العصيب؛ بل بدأت قبل ذلك بعدة سنوات يوم أن قرر الأخوان شول الانضمام إلى حركة الوردة البيضاء Weiße Rose.

من يسمع عن بداية الأخوين شول لا يمكن أن يصدق أنهما ذاتهما اللذين تم إعدامهما لاحقًا بتهمة معارضة النظام.
ولدت صوفيا والتي تعرف اختصارًا باسم “صوفي” في 9 مارس 1921 لعائلة بروتستانتية متدينة، كان والدها “روبرت” عمدة مدينة “فورتشنبرغ”، وصوفي هي الابنة الرابعة بين ستة إخوة وأخوات، أحدهم هو “هانز شول” الذي يكبرها بثلاثة أعوام المولود في 22 سبتمبر 1918، وهو الذي قبض عليه وأعدم معها، وقد حاول أبواهما تربيتهما على التفكير المسيحي الحقيقي وعلى التسامح بيد أن هانز وصوفي كانا في البداية معجبين بالفكر النازي بشدة.

وسرعان ما برز نجم هانز في منظمة الشباب النازيين والتي كانت تحمل اسم “شبيبة هتلر”، حيث كان يقود 160 شابًا عضوًا في المنظمة حتى عام 1937، وكذلك شقيقته صوفي التي كانت عضوًا بارزًا في “عصبة الفتيات الألمانيات”، وتمكنت من تولي مركز قيادي فيها نظرًا لأنها كانت متعصبة وبشدة للفكر النازي.

أتى التحول الفكري لهانز شول في صيف 1942 عندما اضطر مع أصدقائه كريستوف بروبست وألكسندر شموريل وفيلي جراف أن يسافروا أثناء عطلة الصيف للخدمة الإلزامية لمدة 3 أشهر على الجبهة الروسية لمداواة الجرحى، حيث كان الرباعي يدرس الطب في جامعة ميونخ. هناك على الجبهة عايش هانز عن كثب وحشية النازيين خلال الحرب العالمية الثانية وتأثر بويلات الحرب وشاهد بعينيه العذاب والمهانة اللذين يلاقيهما اليهود في معسكرات الاعتقال (الجيتوهات).

وسرعان ما تلاشى هذا الحماس لدى هانز للنازيين ولهتلر ليحل محله الكفاح والنضال ضد الفكر النازي المتطرف. وفي جامعة ميونيخ وعقب عودتهم إلى ألمانيا في نوفمبر 1942 من الجبهة الشرقية، كوَّن هانز شول وأصدقاؤه الثلاثة حركة المقامة السلمية المعروفة باسم “الوردة البيضاء Weiße Rose” بغرض مقاومة الاشتراكية القومية في ألمانيا النازية. وسرعان ما انضم للحركة العديد من طلاب الجامعة المعارضين إضافة إلى أستاذ الفلسفة البروفيسور “كورت هوبر”.

ثم التحقت بهم صوفي التي قدمت إلى ميونخ لدراسة الفلسفة والبيولوجيا. حاول هانز في البداية إبقاء أخته خارج أنشطة الحركة لحمايتها، غير أنها فور اكتشافها نشاطهم انضمت إليهم ومثلت قيمة هامة لهم لكونها الفتاة الوحيدة بينهم، فكان احتمال توقيفها عشوائيًا من قبل عناصر البوليس السري الألماني أقل؛ مما منحها حرية أكبر في الحركة ونقل و توزيع المنشورات. واشتق هانز اسم الحركة من قصيدة من القرن التاسع عشر بنفس الاسم للشاعر الألماني “كليمنس برينتانو” حيث أن رمز الوردة البيضاء يمثل النقاء والبراءة في وجه الشر.

بدأت الحركة نشاطها بحملة الكتابة على الجدران، ثم تطورت إلى طبع المنشورات المناوئة للنظام وتوزيعها باستخدام آلة نسخ ورق يدوية. وكان أول منشور للجماعة هو خطبة كان شول قد قرأها سابقًا للأسقف الكاثوليكي “كليمنز أوجست جراف”، والتي ندد فيها بوحشية النظام وشجب سياسة القتل الرحيم التي تمارس في معسكرات الاعتقال النازية بحجة الحفاظ على نقاء الجنس الآري.

وحصلت صوفيا على الموافقة من قبل قيادات الحركة لطباعة خطبة الأسقف “أوجست” كأول منشور رسمي لحركة الوردة البيضاء. قال المنشور: “أليس صحيحا أن كل ألماني صادق مع نفسه لا بد أن يخجل مما تفعله حكومته هذه الأيام؟ من منا لديه أي تصور لأبعاد العار الذي سيلحق بنا وبأطفالنا عندما يأتي اليوم وتسقط الغمامة عن أعيننا بينما أفظع الجرائم ترتكب من حولنا؟”.

ما بين نوفمبر 1942 وفبراير 1943 قامت الحركة بكتابة ونشر وتوزيع خمسة منشورات دعت فيها الشعب الألماني لمواجهة الاضطهاد والطغيان، وزاد نشاطهم بشكل ملحوظ حتى أنهم قاموا بطباعة أكثر من 9000 نسخة من منشورهم الخامس فقط بعنوان “نداء إلى الشعب الألماني”، والذي حذرت فيه الحركة من أن هتلر يقود ألمانيا إلى الهاوية، وتم إرسال المنشور بالبريد إلى العديد من العناوين في مدن مختلفة في شتوتغارت وكولونيا وفيينا وفريبورج وكيمنتس وهامبورغ وأنسبروك وبرلين، وحث المنشور الشعب على المقاومة ورفض سياسات هتلر الدموية، وعلى النضال من أجل حرية التعبير وحماية المواطن من ممارسات دولة الديكتاتور القمعية والتعسفية.

سببت المنشورات ضجة كبيرة وصداعا للنظام؛ فبدأ الجستابو عمليات بحث مكثفة عن المسئولين عن تلك المنشورات، وظهرت شعارات الحرية و”يسقط يسقط حكم هتلر” مرسومة بطريقة الجرافيتي بالقطران على جدران جامعة ميونخ وعلى جدران مكتب رئاسة الوزراء التابع لولاية بافاريا، وغيرها من المباني في ميونيخ بواسطة الثلاثي كريستوف بروبست وألكسندر شموريل وفيلي جراف.

ثم وجدت رسومات وعبارات مشابهة مناهضة لحكم هتلر على جدران مبانٍ أخرى في المنطقة المحيطة قام بها آخرون من خارج الحركة ممن تأثروا بنشاطها. ثم جاءت هزائم الجيش الألماني الأخير في ستالينجراد في فبراير 1943، والتي تضاعف معها عنف الجيش ووحشيته تجاه معارضيه ومنتقديه؛ سببًا لحث الحركة على كتابة منشورهم السادس في 15 فبراير، والذي كتبه البروفيسور كورت هوبر أستاذ الفلسفة الذي قال فيه:

“إخواني وزملائي الطلبة، يسرني أن أبشركم أن يوم الحساب قد اقترب وحان لهذا الطاغي الذي احتقر شعبنا أكثر من أي وقت مضى. دم قتلانا في ستاليننجرد يطلب منكم القصاص”.

في 18 فبراير 1943 وفي نفس اليوم الذي ألقى فيه وزير الدعاية النازي “جوزيف جوبلز” خطابه على الشعب الألماني مطالبًا إياه أن يتحمل ويلات الحرب والكساد والتضييق الأمني أملًا في الاستقرار القادم؛ كان الأخوان هانز وصوفيا شول يحملان حقيبة يدوية ممتلئة بالمنشور السادس إلى ساحة الجامعة وقاما بتوزيع كميات من المنشور الأخير على أرض ساحة الجامعة، التي كانت فارغة في تلك اللحظة من أي شخص، حتى يجدها الطلاب عندما ينتهون من محاضراتهم.

وبالفعل أتما العمل المطلوب وهرعا للرحيل، لكن صوفيا تذكرت أن هناك كمية من المنشورات لا تزال في الحقيبة وشعرت أنه سيكون من المؤسف عدم توزيعها، فعاد الثنائي إلى ساحة الجامعة مرة أخرى وصعدا إلى الطابق العلوي، وقبل أن تترك صوفيا المنشورات المتبقية على الأرض كعادتها دق الجرس في تلك اللحظة معلنًا انتهاء المحاضرات.

لم تفكر صوفيا للحظة بل أخذتها الحماسة، فألقت بما تبقى من منشورات علانية في الهواء لتسقط على أرض ساحة الجامعة الممتلئة بالطلبة، ولسوء حظها شاهدها الحارس “جاكوب شميد” أحد المواطنين الشرفاء الذين كانت ألمانيا تعج بهم في تلك الأيام وهي تلقي بالأوراق.
هبطت صوفيا بصحبة هانز مسرعيْن ظنا منهما أن أحدًا لم يلاحظ ما فعلاه سعيديْن بإنجازهما، وقبل أن يخطوَا درجة السلم الأخيرة كان “جاكوب” قد لحق بهما وأمسك بهما على مرأى ومسمع من الجميع، ثم اتصل بالجستابو الذي قبض عليهما واقتادهما إلى مقر الجستابو حيث تولى التحقيق معهما المحقق “روبرت مور” الذي ظن في البداية أن صوفيا بريئة من تلك الفعلة، خاصة وأن هانز اعترف بالمسئولية منفردًا رغبة في تنحية أخته عن التهمة.

لكنها ورغبة منها في مشاركة أخيها المسئولية وحماية باقي أعضاء الحركة اعترفت بمشاركته توزيع المنشورات ونفيا بشدة وجود أي متعاونين آخرين معهما، وعندما تم تفتيشهما وجد بحوزة هانز المنشور السابع الذي قام بروفيسور هوبر بكتابته وصاغه كريستوف بروبست بخط يده.

حاول هانز التخلص من المنشور الأخير بتقطيعه إربًا و حشوه في فمه محاولًا إنقاذ “بروبست” لكن بواقي المنشور التي لم يستطع هانز ابتلاعها تساقطت منه على الأرض، وكانت كافية كي يتعرف الجستابو على خط كريستوف عندما تم تفتيش شقة هانز في نفس يوم القبض عليه، فتم القبض على كريستوف بروبست وتم تقديم الثلاثي صوفيا وهانز وبروبست إلى محكمة الشعب بعد القبض عليهم بأربعة أيام فقط في 22 فبراير 1943، وحكم عليهم بالإعدام بواسطة المقصلة.

ونفذ الحكم فيهم في نفس اليوم على الرغم من أن القانون في ذلك الوقت كان يعطي للمحكوم عليهم بالإعدام فترة 99 يومًا قبل تنفيذ الحكم، لكن القاضي أمر أن يتم تنفيذ الحكم بحقهم في نفس اليوم في الخامسة عصرًا في سجن “شتاديلهايم Stadelheim”، وقد أشار الجميع إلى الشجاعة البالغة التي أبداها الثلاثي لحظة مواجهتهم الموت خصوصًا صوفيا، وصرخ هانز: “المجد للحريةLong Live Freedom “قبل أن يقطف نصل المقصلة رقبته.

في 19 أبريل من نفس العام 1943، جرت المحاكمة الثانية لأحد عشر عضوًا آخرين من الحركة، منهم البروفيسور كورت هوبر وألكسندر شموريل، وتم الحكم بإعدامهم جميعًا وتم تنفيذ الحكم فيهم في 13 يوليو 1943. وقتها اعتقد هؤلاء المحكوم عليهم بالإعدام أن إعدامهم يمكن أن يكون سببًا في انتفاضة طلاب الجامعات والمواطنين ضد حكم هتلر.

الجدير بالذكر أن القاضي “رولاند فرايزلر” الذي تولى محاكمة الأحد عشر عضوًا والذي حكم في السابق بإعدام صوفيا ورفيقيها؛ لم يكن يريد أن يقال عنه أنه قاضي الإعدامات أو ما شابه، وكذلك ألا يقال أن المحكمة مسيسة وغير نزيهة؛ لذا فقد أجل محاكمة أربعة أعضاء آخرين من الحركة كان يزمع أن يرسلهم إلى المقصلة لليوم التالي 20 أبريل، لكن لسبب ما فقدت جميع الأدلة والأحراز الخاصة بالقضية فتم تأجيل القضية إلى جلسة 13 يوليو من نفس العام، والتي لحسن حظهم تولاها قاض آخر غير “رولاند فرايزلر”، فأعطى ثلاثة منهم أحكامًا بالبراءة، أما المتهم الرابع “سونجن” فقد حكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر لعدم كفاية الأدلة.

لاحقًا تسلمت أرملة البروفيسور هوبر فاتورة “استعمال المقصلة” بمبلغ 600 مارك ألماني (ضعف راتب زوجها الشهري) وقام باقي أعضاء الحركة بجمع مبلغ “فاتورة المقصلة”ونفقات المعيشة لأرملتي هوبر وكريستوف بروبست، ثم أكملوا طريق الكفاح واستمروا في طبع وتوزيع المنشورات، ولاحقًا تم القبض على جميع أعضاء الحركة، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن من ستة أشهر إلى عشر سنوات.

أما منشور الوردة البيضاء السابع والأخير فتم تهريبه خارج ألمانيا إلى قوات الحلفاء الذين قاموا بطباعته ملايين النسخ وتم إلقاؤه بواسطة طيارات الحلفاء فوق ألمانيا. ولم يمر عامان على إعدام الأخوين شول حتى حدث ما تنبأ به هانز في محاكمته وانهزمت ألمانيا وانتحر هتلر في مخبئه. وبعد انتهاء الحرب أصبح أعضاء حركة الوردة البيضاء وخاصة صوفيا أيقونة للكفاح والنضال والحرية في ألمانيا، ووُضِعَ نصب تذكاري للـ “الوردة البيضاء” أمام جامعة “لودفيج ماكسيميليان” في ميونخ.

في عام 1987 في موينخ أسس “فرانتس مولر” أحد أعضاء حركة “الوردة البيضاء” الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة؛ مؤسسة “الوردة البيضاء” كمنظمة غير ربحية بهدف إبقاء ذكرى الأخوين شول وأصدقائهما قائمة مدى الدهر؛ حتى يستخلص منها الناس العبر وخاصة الشباب منهم.

وفي 5 فبراير 2012 اعترفت الكنيسة الأرثوذكسية في ألمانيا بـ “ألكسندر شموريل” شهيدًا في الكنيسة وسميت القاعة الرئيسية في جامعة ميونخ باسم الأخوين شول، وتمت تسمية العديد من المدارس والشوارع في جميع أنحاء ألمانيا بأسماء أعضاء الوردة البيضاء، وأطلق اسم الأخوين شول على واحدة من أبرز الجوائز الأدبية في ألمانيا، وأطلق اسم الوردة البيضاء على إحدى الكويكبات في الفضاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد