(هذه قصة واقعية وأي تشابه بين أحداثها وبين الأحداث الحالية هو محض صدفة ليس أكثر)

هتف ديجول بصوته الحاد عبر المذياع “لقد انتهكت باريس، لقد تحطمت باريس، لقد عذبت باريس .. لكن باريس قد تحررت”
كانت تلك العبارة هي بمثابة حكم الإعدام على نظام الجنرال بيتان الديكتاتوري الذي هرب قبل أن يخط ديجول بقدميه مرة أخرى على تراب باريس، لم يعتقد المارشال بيتان – الذي نزل الشعب الفرنسي يومًا ما إلى الشوارع لتفويضه لإدارة شؤون البلاد – أن يكون مصيره هو الإعدام.

جاءت البداية يوم أن خطط هتلر للانتقام من فرنسا التي أذلت ناصية ألمانيا في الحرب العالمية الأولى.

في بداية الأمر سيطر هتلر بجيوشه على الدول المجاورة الناطقة بالألمانية، معتبرًا إياها مساحة الألمان الخاصة بألمانيا، قبل أن تتفاقم أطماعه ويقرر السيطرة على أوروبا كلها، وبالفعل اجتاح الجيش النازي معظم دول أوروبا، وصار على بعد خطوات من حدود فرنسا، وكرد فعل طبيعي، أقال رئيس الوزراء الفرنسي “باول رينود” الجنرال “جوستاف جاملان” قائد الجيش الفرنسي في 17 مايو 1940، بعد أن أخفق هذا الأخير في إيقاف تقدم الجيش الألماني، وعين الجنرال “ماكسيم ويجان” بدلًا منه، ولرفع المعنويات عين “رينود” الجنرال “فيليب بيتان” البالغ من العمر اثنين وثمانين عامًا نائبًا له، نظرًا لشهرته الواسعة، كونه بطل معركة “فردان” الشهيرة في الحرب العالمية الأولى.

لم يفلح “ويجان” في مهمته، ففي الرابع من يونيو 1940 استولى الألمان على “دينكرك”، وأصبحت فرنسا قيد أنملة من الانهيار التام، فعرض الجنرال “بيتان” فكرة الاستسلام لتجنب الحرب والدمار، لكن رئيس الوزراء “رينود”، ووكيل وزارة الدفاع والحرب الجنرال “شارل ديجول” رفضا الاستسلام وأرادا متابعة القتال، لكن القدر لم يمهلهما فرصة، ففي العاشر من يونيو 1940 أعلن الديكتاتور الإيطالي “موسيليني” نبأ إعلان الحرب على بريطانيا العظمى وفرنسا وسط تأييد عاصف من الشعب الإيطال ، فجاء إعلان الحرب من قبل إيطاليا بمثابة طعنة في الظهر.

لم يستسلم الفرنسيون وأظهروا بسالة في الدفاع عن بلادهم، لكن الأمر كان أكبر من طاقتهم، فأعلنت الحكومة أن باريس “مدينة مفتوحة”، أي أنه قد تم تسليمها للعدو بلا قتال لكي تتجنب مصير “وارسو” و”روتردام” المجاورتين اللتين تم تدميرهما بالكامل، وانتقلت الحكومة إلى “بوردو” في جنوب غرب البلاد، واقترب الألمان من باريس بأسرع مما كان يتصور الجميع، فخرج الملايين من سكان باريس وكل مدن فرنسا إلى الشارع هاربين بعد إهمال الحكومة لهم، متجهين إلى إقليم “لوار” الحصن الأخير أمامهم، وكان ذلك حدثًا هائلًا، عرف لاحقًا باسم “سفر الخروج”، وفي فجر 14 يونيو 1940، دخل الألمان باريس بسهولة قطع قالب من الزبد بسكين حامٍ، ورفرف شعار النازية “سواستيكا” أو الصليب المعقوف على برج إيفل في مشهد مذل، واستمر الألمان في تقدمهم السريع جنوبًا.

بالرغم من المقاومة الشرسة التي أبداها الجيش الفرنسي الشجاع، الذي مات منه ما يقرب من 100 ألف جندي فرنسي في شهر واحد، وأسر منه 1.85 مليون جندي، و63 ألف ضابط، وفي هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها البلاد، أراد الجنرال بيتان إيقاف القتال في “بوردو” مقر الحكومة الفرنسية الحالي خوفًا على أرواحهم، وفي 17 يونيو، استمع المواطنون الذين تبقوا في باريس إلى المارشال “بيتان” وهو يعلن أنه يسعى إلى هدنة مع الألمان قائلًا “لقد طلبت من العدو وقف العدوان، لقد قررت رغم أن القرار يؤلم قلب الجندي لكن الوضع العسكري يتطلب ذلك”.

وترجمت الإذاعة الألمانية هذا الخطاب باعتباره الإعلان الرسمي لاستسلام فرنسا، ونزل الفرنسيون إلى الشوارع يؤيدون قرارات “بيتان” الحاسمة، ويفوضونه لإدارة شؤون البلاد، والعمل على وضع دستور جديد، مؤثرين الاستقرار، ناظرين تحت أقدامهم، آملين في سلام وقتي سريع بدلًا من الكفاح من أجل تحرير الأرض المحتلة، وفي اليوم التالي 18 يونيو شجب ديجول الهدنة وسجل خطابًا جديدًا بث إلى فرنسا من لندن على موجات إذاعة BBC قال فيه “أيها الفرنسيون لقد خسرنا معركة، لكننا لم نخسر الحرب، وسوف نناضل حتى نحرر بلدنا الحبيب من نير الاحتلال الجاثم على صدره، هذه الحرب لا تقتصر على خسارة إقليم في بلادنا، هذه الحرب لم تنته بخسارة معركة فرنسا، هذه الحرب هي حرب عالمية واسعة، أيًا كان ما سيحدث، فإن شعلة المقاومة الفرنسية لا يجب أن تنطفئ ولن تنطفئ، نحن نؤمن أن شرف فرنسا هو في متابعة الحرب إلى جانب حلفائنا، وليس الاستسلام المهين للنازيين”.

في 20 يونيو عام 1940، وصل هتلر إلى “كامبيان” قرب باريس، نفس المكان الذي وقعت فيه اتفاقية استسلام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى 1918، وأراد من التجهيزات التي أمر بها إذلال المهزومين، لدرجة أنه أحضر معه من ألمانيا عربة السكة الحديدية ذاتها التي وقعت فيها اتفاقية استسلام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وتحقق الانتقام ، وترأس الجنرال “تشارلز هانتزيجر” – قائد الجيش الفرنسي الرسمي الذي عينه بيتان – الوفد الفرنسي، وقرأ المترجم نقدًا ساخرًا اتهم فيه فرنسا بإعلان الحرب بلا مبرر، وجلس هتلر متابعًا للمحادثات ولمراسم توقيع اتفاقية استسلام فرنسا دون أن ينبس ببنت شفة، فقط أخذ ينظر بصمت لوفد الجانب الفرنسي، ثم وقف وتركهم قبل انتهاء التوقيعات، ويبدو أنه لم يستطع السيطرة على أعصابه في تلك اللحظة المثيرة، فذهب ليستمتع بمحيط برج إيفل، قبل أن يأمر بإعادة عربة السكة الحديدية إلى برلين بعد الانتهاء من توقيع الاستسلام.

كانت من الشروط المهينة في معاهدة الاستسلام أن تدفع فرنسا لألمانيا مبلغًا نقديًا باهظًا يوميًا كتكاليف للاحتلال الألماني لفرنسا، وبناء على معاهدة الاستسلام وللحفاظ على جيشه، قرر هتلر أن يسمح لفرنسا باستعادة سيادة جزئية بإشراف حكومة تحت إمرته، وبجيش محدود مجرد من الأسلحة الثقيلة لحفظ النظام الداخلي فقط، وقسمت فرنسا إلى قسمين، منطقة محتلة في الشمال على امتداد الساحل الأطلسي تحت السيادة النازية، والجزء الثاني غير محتل رسميًا سمي “المنطقة الحرة” تحت الحكم والسيادة الفرنسية بشكل صوري، مع عاصمة جديدة لها هي “فيشي”، التي انتقل إليها المارشال “بيتان” مع الحكومة في أوائل شهور يوليو.

لاحقًا انضم “بيير لافال” السياسي الفرنسى الشهير للحكومة الجديدة، واستطاع إقناع الجمعية الوطنية الفرنسية أن تعطي “بيتان” كل الصلاحيات اللازمة لإصدار دستور جديد للبلاد، وبالفعل عقدت الجمعية الوطنية الفرنسية والاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشيوخ الفرنسيين في فيشي في 10 يوليو 1940 تصويت مثير للجدل.

فقد صوتوا بالأغلبية المطلقة لصالح مرسوم دستوري يعطي الحرية المطلقة لـ “بيتان” لصياغة دستور جديد ويمنح “بيتان” كل شيء ، السلطات القضائية، والإدارية، والدبلوماسية، والتشريعية بناء على التفويض الشعبي السابق، ثم انتخبوه رئيسا للدولة رغبة في الاستقرار وسط ترحيب شعبي جارف، وتم عزل “رينود”، وأصبح “بيتان” بذلك يتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الدولة الفرنسية، وصار “بيتان” هو الدولة والدولة هي “بيتان”، وأصدر “بيتان” ما عرف باسم “المرسوم الدستوري الثلاثي” ، وعقد اتفاقًا مع الألمان المحتلين لتقنين حكمه، وأقسم كل المسؤولين العسكريين والسياسيين ولاء اليمين الدستورية لـ “بيتان”، وفي أكتوبر 1940 أصدر نظام فيشي دعوته لإقامة “نظام جديد”، وإعلان “ثورة وطنية” مدعيا أن الغرض منها هو الدفاع عن العمل والأسرة والبلاد، كبديل للحرية والمساواة والأخوة، داعيًا الناس إلى العودة إلى احترام الله والبلد ومفهوم الأسرة، وبالفعل أبدلت حكومة فيشي شعار الجمهورية الفرنسية – والذي هو نفسه شعار الثورة الفرنسية – “حرية .. مساواة .. أخوة” بشعار جديد هو “العمل .. الأسرة ..

الوطن”، وأصدرت ميثاق العمل، وأطلقت ما سمي بـ “الثورة الوطنية” كأيديولوجية رسمية للنظام الفيشي، لكن لم يكن ما يسمى بـ”الثورة الوطنية” سوى خداع الرأي العام، وكانت سلطة بيتان الشخصية والديكتاتورية صفة مميزة لحكومة فيشي، حتى أنها بدأت تصدر جميع الوثائق الرسمية على الشكل الملكي، واصطلح أن تبدأ المكاتبات الرسمية الصادرة من الحكومة بعبارة “أعلن أنا فيليب بيتان مارشال فرنسا ورئيس الدولة الفرنسية”، وارتبطت حكومة فيشى الفرنسية والمجلس العسكري الرجعي ارتباطًا وثيقا بمصالح البرجوازيين، وشارك العديد من الرأسماليين الاحتكاريين مباشرة في حكومة “بيتان”، إذ أصبح رئيس بنك الهند الصينية “بونتا دويه” وزيرا للشؤون الخارجية، وعملاق صناعة المعادن والجلود “سكوتيا” وزيرًا للصناعة، وبالطبع حظي نظام فيشي بتأييد واسع من الكنيسة الرسمية ومن رجال الدين الكاثوليك وغيرهم من اليمين المتطرف.

وفي المقابل تلقت الكنيسة الاهتمام الوطني والحماية، وأصبحت ركنا مهما من نظام فيشي، واتخذ نظام فيشي جميع التدابير السياسية لحماية مصالح البرجوازية، لترسيخ ديكتاتوريه الرجعية، وقضى على جميع الحركات الديموقراطية والحريات، ومنع الجمعية الوطنية من القيام بانتخابات مجلس البلدية المحلية، وحل جميع الأحزاب السياسية، ومجلس أصحاب الأعمال، وجميع المنظمات النقابية، وأنشأ مجموعة متنوعة من اللجان المنظمة التي يسيطر عليها الرأسماليون الاحتكاريون، بجانب القمع الوحشي ضد الشيوعيين.

وقدمت سلطات فيشي المساعدة للنازيين في القبض على اليهود وغيرهم من “غير المرغوب فيهم” بالتعاون مع سلطات الاحتلال الألماني، بل أن فرنسا المحتلة بقيادة حكومة فيشى صارت ثالث دولة من حيث العدد بعد روسيا وبولندا في تزويد النازيين بالعمالة المجانية، فقد فرضت حكومة فيشي “نظام الخدمة الالزامية للعمل”، وسحبت 600 ألف عامل فرنسي للعمل من أجل ألمانيا، بل أنه مع اقتراب الزحف النازي على موسكو، بدأ متطرفو اليمين في الدول المحتلة وعلى رأسهم “شبان فيلق المتطوعين الفرنسيين” تحت إمرة “بيتان” بالتطوع في الجيش الألماني، وارتداء زي النازيين، والمحاربة على الجبهة الشرقية بدلًا من الجنود الألمان، وسط مباركة كل الشعب الفرنسي، مبررين دعم “بيتان” للنازية بحجة اتقاء شرهم للحفاظ على استقلال وسلامة أراضي فرنسا.

وتحولت حكومة فيشى إلى نظام يخدم المصالح الألمانية وسط تهليل ومباركة الفرنسين لبيتان وخطواته واستقراره، وأصبح دور الجنرال “بيتان” وحكومته هو تغيير نظرة الرأي العام الفرنسي من كراهية الألمان الذين يحتلون الأراضي الفرنسية، واعتبارهم أصدقاء يحمون فرنسا وتحويل الإنجليز حلفاء فرنسا في الحرب إلى أعداء يجب قتالهم، وبمنتهى السرعة تحولت العشرات من الأحزاب والصحف لدعم الديكتاتور وتحول الرأي العام إلى تأييد كاسح للمارشال بيتان وحلفائه الألمان.

سمح هتلر لحكومة فيشي بالاستمرار في السيطرة على إمبراطورية فرنسا الاستعمارية الواسعة وقوتها البحرية، بشرط تجريد سفنها من السلاح وبقائها في المرافئ لخشيته من تعاونها مع بريطانيا، وخشي تشرشل من العكس، أى أن تقع تحت سيطرة الألمان، فأمر البحرية البريطانية بجعلها محايدة، فأبحرت قوة بحرية بريطانية إلى مرسى “الكبير” في الجزائر، أحد أكبر قواعد فرنسا البحرية، لم يخاطر تشرشل وأرسل إنذارًا لقادة القاعدة قائلًا “إما أن تنضموا إلينا وتغرقوا سفنكم أو تبحروا مع قوة مرافقة لتجريدكم من الصفة العسكرية في الكاريبي”، وبالطبع رفضت البحرية الفرنسية التابعة لحكومة فيشي كل العروض، ففتح البريطانيون النار عليهم بلا تردد، فتضررت سفينتان حربيتان فرنسيتان بشكل كبير وغرقت الثالثة بالكامل، وقتل 1297 بحارًا فرنسيًا جراء تعنت حكومة فيشي، وقرر تشرشل معاداة حليفه السابق “بيتان”، وبعد يومين من الهجوم قطعت حكومة فيشي علاقتها الديبلوماسية مع بريطانيا وسط تأييد شعبي كبير.

وسط كل ذلك ارتفع صوت واحد بالمعارضة عاليًا إلى عنان السماء .. الجنرال “شارل ديجول”.

بمجرد أن استشعر “ديجول” نية “بيتان” في السيطرة على فرنسا وتحويلها إلى مطية في يد النازيين، هرب إلى بريطانيا ليقود المقاومة من هناك، ونظم ديجول جيشًا صغيرًا يحارب مع البريطانيين في أفريقيا، بدأ تكوينه منذ 18 يونيو 1940

دعي بـ “القوات المسلحة الفرنسية الحرة”، وجسد ديجول أسمى معاني المقاومة الفرنسية ضد النازية، وهكذا أصبح لفرنسا حكومتين في نفس الوقت، حكومة فيشى الرسمية بقيادة بيتان، وحكومة فرنسا الحرة في المنفى بقيادة ديجول الذى اتخذ من “صليب اللورين Croix de Lorraine ” شعارًا لحركة فرنسا الحرة، وتدريجيا تحول الرأي العام ضد حكومة فيشي وسلطات الاحتلال الألمانية، ولاحقًا تشكلت مجموعات المقاومة السرية والتمرد ضد النازيين وضد حكومة فيشي لقبت باسم “ماكيزmaquis “، تألفت من كافة طبقات المجتمع، من المحافظين ومن المسيحيين الكاثوليك بما فيهم الرهبان (في تحدٍ واضح لموقف الكنيسة الرسمي الداعم لبيتان) جنبًا إلى جنب مع اليهود والليبراليين والأناركية (اللاسلطويين) والاشتراكيين والشيوعيين.
وكانوا يقومون بتوزيع المنشورات المعارضة لـ “بيتان”، وأنشأوا شبكة محطات إذاعية لمساعدة جنود الحلفاء، وتنامت حركة المقاومة بسرعة في أنحاء البلاد بفضل الأعداد الضخمة من الشبان الفرنسيين الذين كانوا يلجؤون للتلال والأرياف والغابات هربًا من قبضة السلطات الألمانية ومن قوانين العمل القسري والخدمة الإجبارية التي كانت حكومة فيشي تفرضها عليهم لصالح النازيين، وكان الثوار يعيشون في الريف كخارجين عن القانون، يتلقون الدعم والمساعدة من الفلاحين ومن الإمدادات التي كانت تلقيها لهم من الجو الطائرات البريطانية، وكانوا عاملا مساعدًا للحلفاء أثناء قيامهم بعمليات الإنزال في فرنسا وذلك من خلال تعطيلهم لقنوات الاتصال والنقل بين القوات الألمانية، وفي المقابل، أصدرت حكومة فيشي الموالية لألمانيا على ديجول وعلى كل من يردد أفكاره وعلى أعضاء جيشه حكما بالإعدام، كونهم يحاربون النازيين لتحرير وطنهم المحتل فرنسا، واعتبر الفرنسيون ديجول خائنًا وعدوًا للشعب، يريد أن يلقي بهم في التهلكة وويلات الحرب، بدلًا من أن يوافق على الاستسلام، بعكس بيتان، متناسين ذل ومهانة الاحتلال، وظل ديجول ومن معه رمزًا للخيانة من وجهة نظر الإعلام الفرنسي وقتها لمدة أربع سنوات كاملة.

في 9 نوفمبر 1942 فتح الحلفاء جبهة جديدة في شمال أفريقيا كخطوة أولى لاحتلال البحر المتوسط، وعلى شواطئ كازا بلانكا تم استقبال سفن البريطانيين والأمريكان بنيران المدافع من أسطول فيشي الفرنسية، فقام الحلفاء بالرد، فقد كان نظام فيشي المتعاون مع الألمان لا يزال يسيطر على شمال أفريقيا، وألقى قائد فرنسا الحرة الجنرال ديجول خطابًا عبر المذياع في لندن قال فيه “إلى القادة الفرنسيين، الجنود، الطيارين، المواطنين والزعماء الفرنسيين في شمال أفريقيا، أقول لهم انهضوا، ساعدوا حلفاءنا، انضموا إليهم بلا تردد” وبعد يومين من القتال على سواحل المتوسط بين البريطانيين والأمريكيين من ناحية وقوات فيشي التي تحارب لصالح النازيين من ناحية، استسلم الأدميرال “فرانسوا دارلان” قائد قوات فيشي، وصمتت المدافع للأبد وأمن الحلفاء إنزالهم في الجزائر، وفي عشية عيد الميلاد 24 ديسمبر 1942 اغتيل “دارلان” بيد “فرديناند دي بونييه لا شابيل” أحد المناهضين لحكومة فيشي.

فجأة، بدأت الضربات تنهال على هتلر بدون هوادة من كل صوب، وبدأت الخسائر تتوالى بلا حساب، مونتجمري في العلمين وستالين في الشرق، والتحالف البريطاني الأمريكي الكندي الفرنسي (جيش فرنسا الحرة بقيادة الجنرال “جوان” الموالي لديجول) في الجنوب عبر إيطاليا، وبدت النهاية قريبة جدًا، وبدأ الإعداد ليوم الإنزال الأخير على خمسة شواطئ على شريط

نورماندي الساحلي المقسم إلى خمسة قطاعات يوتاه، أوماها، جولد، جونو، وسورد، على مدى 100 كيلو متر، وشهدت الأشهر الستة التي سبقت إنزال الحلفاء في النورماندي حربًا أهلية خاضتها خلايا المقاومة الفرنسية ضد رجال الجيستابو وميليشيات فيشي.

في منتصف ليلة الخامس من يونيو 1944 بدأ الهجوم الكاسح على شواطئ فرنسا المحتلة، المعبر الوحيد لتحرير أوروبا، ولعب الجيش الفرنسي الحر الذي تم تشكيله دورًا أساسيًا في هذا الإنزال بمشاركة ضباط وجنود الجيش إلى جانب كمية هائلة من المتطوعين من الشعب الفرنسي الذي انقلب على بيتان، وأسهمت حركات المقاومة في حرب التحرير، ونهضت باريس وأنشأت الثكنات، وأخذت المدن الفرنسية تتوالى بالسقوط فاستولى الجيش الأمريكي على “سان لو” وسقطت “نانت” في 10 أغسطس، وبعد أسبوع تم تحرير مدينتي “سارتر” و”أورليان”، وأحرز الجنرال “منتجوري” انتصارا حاسما على مقربة من “فاليز”، وعبرت وحدات بريطانية نهر السين، ووصلت الأحداث إلى أوجها بحلول 19 أغسطس 1944، حيث بدأ عصيان مسلح عام في كل أحياء باريس، وبدأ الألمان في الهروب، إلا أن الجنرال النازي “فون كولتز” تلقى أمرًا من هتلر مع عشرون ألفًا من رجاله بتدمير باريس قبل الانسحاب.

واندلع قتال عنيف وسرى العصيان المسلح كالهشيم في النار في كل أنحاء فرنسا المحتلة، وفي اليوم الرابع للعصيان المسلح وصلت فرقة الجنرال “ليكلير” المسلحة الثانية من جيش فرنسا الحر، وحررت باريس أخيرًا صباح 24 أغسطس 1944، واستسلم الجنرال “فون كولتز”، وفي صباح 26 أغسطس 1944 وصل الجنرال ديجول إلى باريس منتصرًا محمولًا على الأعناق حيث استقبل كالفاتحين بعد أن كان منذ سنوات قليلة خائنًا للشعب ومطاردًا من قبل السلطة، هتف ديجول عبر المذياع بصوته الحاد “لقد انتهكت باريس .. لقد تحطمت باريس .. لقد عذبت باريس .. لكن باريس قد تحررت”، وفي اليوم التالي لوصول ديجول إلى باريس، أعلن قيام الحكومة الفرنسية المؤقتة برئاسته، وأخذ مقاليد السلطة من حكومة فيشي المنهارة.

في سبتمبر 1944 وبعد تحرير باريس أعلنت حكومة فرنسا الحرة برئاسة ديجول إلغاء دولة بيتان الفرنسية رسميًا مع كل قوانينها وتشريعاتها، وتعرض العديد من أعضاء حكومة فيشي الفرنسية للاعتقال والسجن بتهمة الخيانة، وهرب “بيير لافال” إلى ألمانيا ومن ثم في النمسا ولكن ألقي القبض عليه لاحقا وأعيد إلى فرنسا، حيث حوكم وأعدم عام 1945، أما “فيليب بيتان” فقد نقل إلى بلدة بلفور ثم أخذ قسرًا إلى شتوتجارت في ألمانيا تحت الحجر، وفي أبريل 1945 نجح في السفر إلى سويسرا، فبعث إليه ديجول ببرقية يرجوه أن يظل في منفاه الاختياري، ولا يعود للمحاكمة، نظرًا لبطولته في معركة “فردان”، لكن بيتان رفض الاستماع إلى نصيحة ديجول، وعاد إلى فرنسا طواعية برغبته ليقُدم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى وحكم عليه بالإعدام لتعاونه مع الألمان، ولكن تدخل ديجول وخفض العقوبة إلى السجن الانفرادي المؤبد، إلى أن توفى بيتان في المعتقل في 23 يوليو 1951 عن 95 عامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد