(أي تشابه بين أحداث تلك القصة وبين الواقع هو محض صدفة ليس أكثر).

لم ينم “أوجست” في تلك الليلة جيدًا، ربما بسبب درجة الحرارة المرتفعة نسبيًّا في تلك الفترة من العام، أو ربما بسبب الحفل المزمع إقامته صباح الغد 13 يونيو 1936 بحضور قادة من الجيش النازي الألماني، بمناسبة انطلاق سفينة التدريب البحرية “هورست فيسيل” من الرصيف الجاف إلى المياه، والتي صنعتها شركة بناء السفن الضخمة “بلوم أوند فوس” في هامبورغ بألمانيا حيث يعمل بها “أوجست لاندميسر” كعامل لإصلاح السفن.

حاول أن يشغل نفسه بالتفكير في حال بلاده، وفي النهاية السيئة التي تنتظر ألمانيا العظمى حتمًا وقريبًا، إن استمر الشعب الألماني في تأييده الأعمى لسياسات ذاك الممحون المصاب بلوثة عقلية مع كثير من جنون العظمة المدعو أدولف هتلر، وتبرير كل ما يقوم به من مجازر ومذابح، منذ أن أحكم قبضته على البلاد بوصوله إلى مقعد المستشارية منذ ثلاث سنوات فقط، مستغلاً قدرته الفائقة على التأثير على عقول المواطنين وخلب لبهم بخطاباته العاطفية.

إضافة الى كاريزمته البالغة التي يستغلها في إلقاء الخطب الرنانة، وفي الدعاية لمشروعه النازي، وحصوله بالفعل على تفويض بالعمل لبناء “الرايخ الثالث” لإعادة ألمانيا إلى سابق مجدها من قبل الجماهير الغاضبة المشحونة من هزيمة ألمانيا المشينة في الحرب العالمية الأولى، ومن معاهدة “فرساي” المذلة.

فوقف خلفه أغلبية الشعب مسحورًا ومهللاً لأفكاره القومية، ومعاداته للشيوعية، ومصفقـًا لحربه الضروس على اليهود، واعتقالهم في “جيتوات” (مناطق عزل مغلقة)، وحرقهم في أفران الغاز، مستغلاً إعلام قذر يقوده عبقري سادي يدعى “جوزيف جوبلز”، يمتلك قدرة غير عادية على قلب الحقائق، وإيهام الشعب بالمؤامرة العالمية التي يشنها العالم أجمع على ألمانيا.

 
بالرغم من أن ألمانيا في تلك اللحظة تحديدًا كانت آخر دولة في العالم يمكن أن يحسب لها أي حساب، بعد انهيار كل مقومات وأركان الدولة تقريبًا، وانهيار الاقتصاد وهبوط الفرنك إلى معدل غير مسبوق، وإجبار الجيش الألماني على خفض تعداده إلى أرقام متضائلة جدًا حسبما نصت معاهدة “فرساي” الشهيرة.

التفكير في حال المانيا ومستقبلها لم يساعد “أوجست” على النوم بل بالعكس، جعل النوم يفر من عينيه أكثر وأكثر، فحاول أن يشغل نفسه بالتفكير في أسرته وحياته، منذ أن ولد في 24 مايو 1910 كابن وحيد لوالده “أوغست فرانز لاندميسر” وأمه “وايلهيمالين”، وندمه على انضمامه للحزب النازي عام 1931، عند بلوغه الحادية والعشرين، سعيًا للحصول على وظيفة، كما فعل أقرانه.

ثم تذكر زوجته الجميلة “إرما إيكلير” التي يعشقها بجنون، والتي لم يبال كونها يهودية الديانة، ولا تحمل الدم الآري النقي في شرايينها، كما يتطلب الانضمام للحزب النازي، وكيف تم طرده من ذلك الحزب العنصري بدون تفاهم، بمجرد إعلان خطبته منها، وكيف أنه ضرب بقراراتهم وقوانينهم عرض الحائط، وتزوج منها، وتم توثيق زواجهما في ولاية هامبورج، فقامت محكمة “نورنبيرج” بإلغاء هذا الزواج بعد مرور شهر واحد على زواجهم، لكن الحب الذي جمعهم كان أقوى، فأصرا على إكمال رحلة كفاحهم، وفي 29 أكتوبر عام 1935، أنجبت له إرما طفلتهم الجميلة “أنجرد” التي خلبت عقله وكيانه.

أشرقت الشمس بينما عيناه لم يغمض لهما جفن طوال الليل، لم يعبأ “أوجست” وتوجه غير مكترث مع باقي العمال إلى الحفل الذي يشرفه بعض قاده الجيش النازي، واصطف العمال تحت الشمس، بينما بدأ القائد العسكري في القاء كلمته، واعدًا الجميع بمستقبل مبهر لألمانيا النازية التي ستحكم العالم في غضون سنوات قليلة لكى تصبح “أم الدنيا”.

 

ثم ختم كلمته بتحية هتلر الشهيرة “هايل هتلر”، فردد العمال خلفه بكل ما أوتوا من قوة صائحين “هايل هتلر”، بينما رفعوا أذرعتهم عالية أمامهم بزاوية 45 درجة كما اعتادوا أن يفعلوا في كل مرة يحيون فيها القائد العظيم.

تلك المرة لم يرفع “أوجست” ذراعه مثلما اعتاد أن يفعل قديمًا، فالغضب الذي كان بداخله كان قويًّا تلك المرة، فاستمر واقفـًا، عاقدًا ذراعيه أمام صدره، غير عابئ، يضحك في أعماقه بحزن على تلك الخراف المهووسة بالقائد العظيم، التي توقفت عقولها عن العمل منذ سنوات.

حظه العاثر هو من جعله يظهر في تلك الصورة التي التقطها أحدهم للجموع خلال الاحتفال، وظهر فيها “أوجست” رافضًا تحية “الفوهرر” العظيم في تحدٍ واضح، ويبدو أن أحد المواطنين الشرفاء التي كانت ألمانيا تعج بهم في ذلك الوقت قد وشى به للسلطات، متهمًا إياه بالخيانة والعمالة كونه معارضًا لسياسات الجنرال هتلر.

 

فتم التضييق عليه بكل شكل وبكل طريقة، حتى أتى يوم اتخذ فيه “أوجست” قراراه الحاسم هو وزوجته بالفرار إلى الدانمارك في يوليو 1937، بالرغم من أن “إرما” كانت حاملاً بطفلتها الثانية، لكن يبدو أن الضغوط كانت أقوى من الانتظار، لكن لحظهم العاثر باءت محاولة الهروب بالفشل، وتم اعتقال “لاندميسر” وزوجته، بالرغم من أنه لا يوجد قانون يمنع السفر من ألمانيا إلى الدانمارك، ولا يعد سفره جريمة أساسًا.

لكن القضاء الألماني الشامخ المسيس الذي يتبع توجهات القائد العظيم، وتوجهات “الجستابو” (الشرطة السرية المهتمة بأمن الدولة في العهد النازي)، أصر على تأديب “أوجست” وعقابه بأية طريقة، فتمت إدانته بتهمة فضفاضة تسمى “مخالفة قوانين التمييز العنصري النازي” بزواجه من “إرما”، فنفى “لاندميسر” التهمة بادعائه أنه هو وزوجته كانوا يجهلان بأنها يهودية أبًا عن جد، وتمت تبرئته لعدم وجود أدلة كافية، وحصل على حريته في 27 مايو عام 1938 بعد عشر شهور من التحقيقات والمحاكمات، بشرط تفريقه عن زوجته، وتم تحذيره بأنه في حال تكرار مخالفته، فإنه سيزج به في السجن لعدة سنوات.

لكنه لم يأبه واستمرت العلاقة ما بين “أوجست” و”إرما” علانية لأقل من شهرين من خروجه من القضية السابقة، حتى تم اعتقاله مرة أخرى وبنفس التهمة، وحكم عليه تلك المرة في 15 يوليو عام 1938 بالسجن عامين ونصف في معسكر اعتقال “بورجرمور”، واعتقل الجستابو “إرما” في سجن “فلاشبوتيل”، حيث أنجبت طفلتها الثانية “إيرين”، ثم تم إرسالها إلى معسكر اعتقال “أورانينبورج”، ثم إلى معتقل “ليشتنبورج” الخاص بالنساء، ثم إلى معتقل النساء في “رافنزبروك”، وفي فبراير 1942 أرسلت الى مركز “بيرنبورج للقتل الرحيم”، وتم إيداع أطفالهم في البداية في دار الأيتام، وبعد ذلك تم السماح للابنة الكبرى “أنجرد” بأن تعيش مع والدة أمها، وتبنت عائلة “فوستر” الابنة الصغرى “إيرين” عام 1941 حيث كانت تبلغ من العمر ثلاث سنوات، ثم انتقلت “انجرد” أيضًا لعائلة “فوستر” بعد وفاة جدتهم عام 1953.

في 28 أبريل 1942، قتلت “إرما” في مركز “بيرنبورج للقتل الرحيم” ضمن 14000 قتيل كان يجري التجارب الطبية عليهم دون إرادتهم داخل المركز، لكن لم يتم إعلان خبر وفاتها إلا في عام 1949، أما “أوجست” فقد خرج من السجن في 19 يناير 1941 وعمل رئيس عمال في شركة “بوست” للشحن، وفي شهر فبراير عام 1944، تم تجنيده للخدمة العسكرية الإلزامية في الكتيبة (999) للمشاة، وانتشر خبر اختفائه واحتمالية مقتله في اشتباكات في كرواتيا يوم 17 أكتوبر 1944. وتم الإعلان عن وفاته رسميًّا عام في 1 أغسطس 1949.

 
بحلول نهاية عام 1944 كان الجيش الأحمر (الروسي) قد أجبر الألمان على التراجع إلى أوروبا الوسطى، في الوقت نفسه كانت قوات الحلفاء الغربيين تتقدم صوب ألمانيا، وأدرك هتلر أن ألمانيا قد خسرت الحرب، ولكنه لم يسمح بالانسحاب.

 

وفي 30 أبريل 1945، وبعد اشتباكات عنيفة انتقلت من شارع إلى شارع في مدينة برلين، وبينما كانت القوات السوفيتية على بعد تقاطع أو اثنين من مقر مستشارية “الرايخ”، قام هتلر بالانتحار بإطلاق النار على رأسه وهو يضع في فمه كبسولة سيانيد، بينما اكتفت زوجته “إيفا براون” التي تزوجها في اليوم السابق، بابتلاع كبسولة السيانيد، وتم وضع الجثتين في حفرة صغيرة، وقام بعض الضباط المعاونين الموجودين في قبو القائد بسكب كثير من البنزين على الجثتين، وإشعال النار فيهما بحسب وصيته، وفي الثاني من مايو، استسلمت برلين.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، رفضت قوات التحالف إجراء أية محاكمات حرب لقادة النازية، المسئولين مباشرة عن إزهاق ملايين الأرواح، ولا للأطباء المسئولين الذين أجروا التجارب الطبية على البشر، وبدلاً من ذلك عقدت محاكمات عادية لقبت بمحاكمات “نورنبيرج”، استغرقت أربع سنوات من 20 نوفمبر 1945 وحتى عام 1949، انتهى الجزء الأول منها المختص بمحاكمة قادة النازية في 1 أكتوبر 1946، وقضت المحكمة بالإعدام على 12 من المتهمين، نفذ الحكم في عشرة فقط، فقد انتحر أحدهم قبل الإعدام بساعات.

أما الآخر فقد ظل هاربًا، وبالحكم على سبعة آخرين بالسجن فترات متفاوتة من عشر سنوات إلى مدى الحياة، وبتبرئة خمسة متهمين من أصل 24 متهمًا.

وفي عام 1996، نشرت إيرين الابنة الصغرى كتاب “قانون الوصاية “Die Vormundschaftsakte عن قصة عائلتها ويتضمن الكتاب كمية كبيرة من الوثائق الأصلية عن المأساة التي حدثت لتلك العائلة بسبب ديكتاتورية هتلر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد