المتابع لما يحدث في ربوع الوطن يستطيع أن يرصد هبوطا واضحا لمؤشر ومنظومة القيم والأخلاق التي باتت تحكم تصرفات وسلوكيات أفراد الشعب.

حيث تشير شواهد الواقع الحياتي إلى تزايد الميل نحو العنف بصوره المختلفة، بدءا من عنف الحوار ومرورا بالتشاجر والصراع اليومي بين الأفراد أو شرائح المجتمع الفئوية وانتقالا إلى العنف الجسدي وجرائم الاغتصاب وحالات قتل الأزواج لزوجاتهم أو قتل الزوجات لأزواجهن وقتل الأبناء لآبائهم وقتل الآباء لأبنائهم. وبروز أنواع غريبة من الجرائم والسلوكيات لم تكن معلومة في مجتمعنا من قبل وامتدادها إلى شرائح جديدة مثل تلاميذ المدارس.

وهذه الأزمة لها أبعاد كثيرة متشابكة ومتشعبة منها ما يتعلق بالبعد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وعلى رأس ذلك بالتأكيد البعد الديني، وأنها ليست أزمة فرد أو أزمة فئوية وإنما هي أزمة بناء أو أزمة نسق اجتماعي.

وقد رصد الدكتور جلال أمين هذه الظاهرة وقدم إجابات تُسهم في الوصول إلى أسباب محتملة لهذا التدهور في كتابه القيم “ماذا حدث للمصريين: تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1945 ـ 1995″.

ويشير ابن خلدون في مقدمته أنه إذا (تعرضت منظومة القيم الاجتماعية إلى هزات أو تحولات غير مرغوب فيها أو ينتابها نوع من الخلل، تدهورت أحوال البشر وعم الفساد فيالأرض وشعر الناس ” بفقدان التوازن وعدم الثقة فيالآخر، وضياع الرؤى، وانتاب البشر حالة من الإحباط والعجز وعدم الرضى والقلق والتوتر، وشاعت بين الناس حالة من الإحباط والتردي والوهن، وسادت “ثقافة الفوضى والهدر الأخلاقي” وفقد الناس القدرة على التنظيم والالتزام، وضعف لديهم الشعور بالانتماء للوطن أو الاقتناع بجدوى المواطنة).

وتصنع هذه الحالة أشكالًا من الانحراف الاجتماعى أبرزها أن يحاول كل فرد البحث عن وسائل غير مشروعة للتغلب على مشاكله المادية والضغوط الناجمة عنها، فيزداد العنف والبلطجة والرشوة والتسيب والإهمال واللامبالاة ويفقد أفراد المجتمع القدرة على العمل المنتج والشعور بحالة من الاغتراب وتتراجع قيم التعاون والتسامح والترابط الاجتماعى وتسود سلوكيات سلبية

وانشغال المجتمع بقضايا فرعية تافهة عن القضايا المصيرية وغياب الأهداف القومية والرؤى البناءة والعجز عن ممارسة حوار أو جدل إيجابي وانتشار الفن والثقافة واللغة الإعلامية والحياتية الهابطة الرخيصة على حساب الراقي، وفي كل شرائح المجتمع.

وهذه صورة واقعية للواقع المؤسف الذي نحياه ونعيشه ونشكو منه الآن، ومهمة إنقاذ المجتمع تحتاج إلى تضافر الجهود وصدق النوايا من جميع شرائح المجتمع وفئاته وذلك عن طريق:

  • قيام المؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني بدورها الحقيقي الذي يسهم في ترسيخ ونشر القيم الإيجابية.
  • إعادة النظر في مناهج التربية الدينية والتربية السياسية في المراحل الدراسية المختلفة والبحث عن وسائل غير تقليدية لنشر الثقافة المجتمعية والمواطنة، ورفع مستوى الوعي الاجتماعي والسياسي.
  • ضرورة إعادة النظر في وظيفة الإعلام، وتوجيه رسالته لترسيخ والتأكيد على القيم الإيجابية والحد من السلوكيات السلبية.
  • العمل على إعادة الأسرة والمدرسة، كمؤسسات للتنشئة الاجتماعية والتربوية، والاهتمام بالبرامج الموجهة لشرائح الشباب.
  • ضرورة التصدي لحالات الفساد والإفساد والتعامل معها بعدل وحزم. إن ذلك من شأنه خلق حالة من الاطمئنان والشعور بالاستقرار في داخل المجتمع.

إن الأمر يحتاج إلى وقفة مع النفس فالكل مشارك في المسئولية بقدر موقعه، ولو استقام الناس على أداء الواجب وانتظار الأجر الرباني والثبات على ذلك لكان لكل واحد منا نصيب في انقاذ المجتمع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد