كنت منذ فترةٍ ليست بالبعيدة جدًّا أقرأ بعض كتابات الدكتور علي مصطفى مشرفة – رحمه الله- للاطلاع على فكره ورؤاه العلمية والاجتماعية، وكان مما وقع عليه نظري في إحدى مقالاته ما يلي:

«فطالب العلم طالب حقيقة، ومن طلب الحقيقة أحب الحق، ومن أحب الحق كان صادقًا، ومن كان صادقًا كان شجاعًا، ومن كان شجاعًا كان ذا مروءة، ومن كان ذا مروءة كان كريمًا، ومن كان كريمًا كان رحيمًا، وأحب الخير، وناصر العدل، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر».

وقفت عند تلك الكلمات، فقد كان لها وقعٌ ما في قلبي وذهني. إلا أني لم أفهم حينها: ما علاقة حب الحق بالشجاعة؟ وما علاقة الشجاعة بالكرم والرحمة وحب الخير، بالضرورة والتلازم الذين ذكرهما الدكتور مشرفة؟

مرت مدةٌ من الزمن لم تزل كلمات الدكتور تلك عالقة في ذهني، رغم أني لم أعرف العلاقة الترابطية بينها، كنت أتوقع أن الأصل – مثلًا- أن يحب الإنسان الخير، فسيستوجب عليه أن يحب الحق، وأن ينصر العدل وأن يكون شجاعًا بالتبعية، لم أدرِ ما كان يدور ببال الدكتور مشرفة حين كتب تلك الكلمات. كنت ولفترة طويلة محملًا بالعديد من التساؤلات عن مواضيعٍ كثيرة مثيرة للجدل، والتي تتطلب البحث والتنقيح، تحت تأثير العوامل الاجتماعية والمعرفية المختلفة التي تحيط بكلٍ منا في هذا الزمن. حتى وقعت في يدي إحدى مقالات الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل كانط بعنوان «إجابة عن سؤال: ما هو التنوير؟»، والتي كتبها عام 1784 في رده على القس يوهان تسولنر. وقصة تلك المقالة – باختصار- رغم أنها لا تعنينا كثيرًا هنا: أن في عام 1783 كتب أحد المفكرين الألمان في عصر الأنوار الأوروبي مقالة تطالب بتطبيق قانون الزواج المدني، معتبرًا تدخل الكنيسة في أمور الزواج مخالفًا لمبادئ التنوير؛ فرد تسولنر على ذلك الطلب قائلًا إن الزواج من أهم المؤسسات الاجتماعية، والتي ينبغي تأسيسها على أسس دينية، وإلا فإننا نهدد بزلزلة قيمِ المجتمع كلها، والأهم أن «علينا أن نتحسس خطواتنا جيدًا قبل تشويش قلوب وعقول الناس باسم التنوير». ثم ذكر في الهامش ملاحظة تقول: «ما هو التنوير؟»؛ فقدم عدةُ مفكرينَ إجاباتٍ وردودًا على سؤاله، وكان أشهرهم إيمانويل كانط بمقاله.

في بداية مقاله يعرّف كانط أن التنوير ما هو إلا تحرر المرء من عجزه الذاتي عن استخدام عقله الخاص، وهذا العجز لا يكون سببه نقصًا في الفهم أو القدرات العقلية، بل نقصًا في الجرأة على إعمال عقله بنفسه، وعدم الاعتماد على الآخرين للمعرفة. وبالتالي كان شعار التنوير بالنسبة لكانط هو Sapere Aude، والتي تعني تقريبًا: تحلّ بالشجاعة لتعرف، أو كن جريئًا لتعلم.

كان كانط في مقاله ذاك يرى أن أول شرطٍ لتحقق التنوير – على حد وصفه- هو تحلي المرء بالشجاعة ليجرؤَ على استعمال عقله بنفسه، وكان يرى في باقي مقاله أنه لكي ينوّر مجتمعٌ ما نفسه، فلا بد له من الحرية، ولكن هذا لا يتمّ فجأةً، بل يجب أن يكون تدريجيًّا وبعناية. فالثورات قد تطيح بالاستبداد لكنها لن تنجح أبدًا في خلقِ إصلاحِ حقيقي في طرق التفكير، بل إنها ستخلق تعصباتٍ جديدة مكان السابقة.

بعدما قرأت ذلك المقال شعرت أن أفكاري بدأت تترابط أخيرًا. علمتُ حينها معنى أن طالبَ العلم طالبُ حقيقة، وأن طالبَ الحقيقة محبٌ للحق، ومن أحب الحق كان صادقًا، ومن كان صادقًا كان شجاعًا. بدأت أشعر أني فهمت ما عناه الدكتور مشرفة.

من طلب العلم حقّ طلبه، وطلب الحقيقة حقّ طلبها، دون تحزّب أو انحيازٍ أو مواربة، يجب أن يواجهَ يومًا ما قناعاتِه السابقة ومسلّماته، إما بالتشكيك أو بالسؤال، فلا فائدة من بحثٍ ودراسةٍ لا يكون هدفها ومآلها إلا إثبات القناعات السابقة والآراء المسبّقة. إن من يبحث أو يقرأ أو يدرس بمقدمات مسبقة يريد إثباتها أو نفيها، في الغالب سيضطر إلى انتقاء ما يقرأ ويسمع، ويقع في المغالطات المنطقية والبحثية مرةً بعد مرة. ومثل هذا الباحث ليس صادقًا مع نفسه، ولا يمكن أن يؤدي إلى فهمٍ حقيقي. إن الخطوة الأولى للبحث والدراسة والمطالعة هي أن تصفي ذهنك بخصوصِ موضوعٍ ما، بألا تجعل قناعاتك السابقة سلطانًا على بحثك. فكما يقول الدكتور ستوارت فايرستاين: لا توجد وسيلة أفضل لإفساد بحث أو تجربة، إلا الجزم مسبقًا بنتيجتها.

ولكي تحب الحق، ستعلم صدق المقولة المنسوبة لعلي بن أبي طالب: «لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق، تعرف أهله». فأول خطوة لكي تكون طالب حقيقة أو طالب علم، هي أن تكون شجاعًا؛ في مواجهة نفسك، وقناعاتك، وآرائك، ومحيطك، وأفكارك؛ هذه الخطوة هي ألا تعتمد على معرفتك بمواقف غيرك لتحدد آراءك، بل أن تعرف صحتها بنفسك، فإما أن تُثبتَ صدقها أو تثبت تهافتها، وسيتضح لك بعدها مَن أهلُها. وهذا الحال من عدم اليقين هو ما يتطلب شجاعةً فعلًا لمواجهته وتحمله!

يقول الدكتور دان كاهان في حوارٍ مع موقع Vox بعنوان «كيف تجعلنا السياسة أغبياء»، إن المرء قد يقبل أي معلومات ما دامت لا تتعرض لتصوراته عن نفسه والعالم – وربما لمكانته أيضًا- ما يسميه «الإدراك المدافع عن الهوية». يلخص كاهان نظريته بأن السبب في الانحيازات المعرفية التي تجعل الكثير من النقاشات عديمة الجدوى هي الشعور بالانتماء للقبيلة، لا نقص المعلومات كما يتصور الكثيرون. فما نعتقده بخصوص بعض القضايا هو ما يحدد هويّاتنا، وبالتالي فتغيير مجموعة من القناعات أو الآراء بخصوص بعض القضايا يعرّض المرء لتغيير تصوره عن نفسه، وحسب كاهان، فإن تلك عملية نفسية قاسية، قد تجر على المرء التشنيع – من المجتمع- والشعور بالاضطراب.

هذا بخصوص الشجاعة، فماذا عن المروءة، والكرم، وحب الخير؟ دعونا لا ننسى أن الشجاعة قد تنقلب تهورًا ورعونة، فكما قيل: الرأي قبل شجاعة الشجعان، فكم من شخصٍ تمرد أو تمادى بدعوى الشجاعة لا غير. فالشجاعة ليست مطلبًا في ذاتها، ولا تصح حين تكون مجردَ موقفٍ عاطفي. هنا أفهم ما كان يعنيه الدكتور مشرفة عندما قرن الشجاعة مباشرةً بالمروءة. فالمروءة تقتضي أن يلتزم الشخص بها ويضبط نفسه؛ فالذي لا يعير اهتمامًا لغيره، ولا لمجتمعه، ولا لأدب الخلاف، ولا يهمه سوى البروز، ليس شجاعًا بل طائشًا. إن من ينسى أبسط آداب طلب العلم والبحث والأخلاق لا يصح وصفه بالشجاعة لمجرد أنه تمرد على الموروث، أو نقد الشائع، أو راجع أفكاره، بل يجب أن يتحلى بآداب العلم، وبالاتزان، وبالهدوء وتقبل الآخر، وألا يتحلى بأخلاق الجبناء الساقطين. هكذا يكون طالبُ العلمِ وطالبُ الحقيقةِ الحق، أن يكون ذا مروءة. في هذا السياق نستطيع أن نفهم أيضًا أهمية الكرم، وحب الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كلام الدكتور مشرفة. إن هذه الأمور تتطلب أن يكونَ المرءُ شجاعًا، ولكن في مواجهة نفسه هذه المرة. عليه أن يكون شجاعًا فيزكي نفسه، ويكرم غيره ويجودَ عليهم، وأن يواجهها فيحب الخير أينما كان ومع من كان دونما تمييز. على طالب العلم وطالب الحقيقة الذي يتحلى بالشجاعة أن يكون شجاعًا بما يكفي ليأمر بالمعروف الذي علم أنه حق، وأن يقاوم المنكر الذي يعلم أنه باطل.

فالشجاعة ليست مجرد التمرد والنقض ومواجهة المجتمع، إن الشجاعة الحقيقية تكون أيضًا في مواجهة نفسك وأغوائها. فحبُّ الحقّ يتطلب أن تتجرد من تحيّزاتك لتعرفه، والمروءة تتطلب أن تعرف نفسك فتقوّمها وتدرك قدرك وقدر غيرك، والشجاعة تستوجب أن تعترف بخطئك إن أخطأت! الشجاعة المقصودة هنا ليست غاية، بل شرطًا – إن جاز لي التعبير- شرطًا للبحث، وشرطًا للتعلم، وشرطًا للتنوير، عليك أن تمتلكه وأن تتقبل أنك ستواجَه بما تخافه وبما لا يُرضي هواك، وبما يصعب عليك فهمه وتقبله، وبما يثبت لك خطأك. حينما تتقبل حالة عدم الاطمئنان والشك هذه، وحين تتقبل مكانك وقدرك، وحين تتغلب على تحيّزاتك ونفسك، حينها فقط ستكون شجاعًا، وحينها فقط تستحق الحقيقة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات