لم يكن انسحاب مغنية أمريكية اشتهرت بملابسها الفاضحة الكاشفة لعوراتها وكلمات أغانيها النابية ليكون موضع اهتمام وجدل – خصوصًا لدى المسلمين – لولا أن الذي ردَّت المغنية الطلب في وجهه وصدت عنه ورفضت ملايينه هو جهة مسلمة تعتلي السلطة على أحد أهم مقدسات الإسلام (الحرمين الشريفين) وترعى أحد أهم شعائر الإسلام والمسلمين في العالم وهو الحج، وتدَّعي أنها عقر دار العقيدة الإسلامية.

فليس ثمة تناقض أكبر من التقاء جهة تعتنق الإسلام مع جهة تعتنق نقيضه. الجهة الأولى تمثل دينا ربَّانيا (الإسلام) الذي من أهم أحكامه القطعية ألا تُظهر المرأة زينتها وأنوثتها للرجال الأجانب، وبالتالي تلتزم لباس الحجاب في الحياة العامة، وألا تخضع المرأة في القول للرجال (على نقيض ما تفعل المغنية)، وأن يغض الرجل والمرأة البصر، وألا يختلط الرجال والنساء إلا لضرورة أباحها الله وتحت شروط فصَّلتها السُّنة النبوية منها الحجاب وعدم الخلوة… إلخ (وقطعًا لا تدخل المهرجانات والحفلات الموسيقية والغنائية ضمن ما يُباح فيه الاختلاط). أما الجهة الثانية فتمثل دينًا بشريًا (العلمانية – الديمقراطية) الذي من أهم أحكامه أن في إظهار زينة المرأة وأنوثتها للرجال تعبيرٌ عن شخصيتها وحريتها وتحررها وتحَضُّرها، وبالتالي يُعتبر ذلك من حقوق الإنسان المحورية، فللمرأة الحق في اللباس ما تشاء من ملابس، وأن تظهر ما تشاء من عوراتها وبالشكل المثير الذي تشاء، وأن يختلط الرجال والنساء دون قيد وشرط، بل الاختلاط في العقيدة العلمانية الديمقراطية من الضروريات التي يجب أن تُحقق في أي نشاط بشري.

بين مبدئية مغنية وميوعة حكام وعلماء مسلمين

المغنية الأمريكية المعتنقة للعلمانية (الديمقراطية) كانت صادقة مع مبادئها وملتزمة بها، فألغت مشاركتها في مهرجان جدة العالمي المقرر انطلاقه يوم 18 يوليوز 2019، رغم المبلغ المالي الباهظ الذي كانت ستحصل عليه مقابل مشاركتها، إذ عللت المغنية عدم المشاركة بسبب عدم احترام النظام السعودي لحقوق المرأة والمثليين وحرية التعبير.

ألم يكن الأصل والأولى فيمن يدّعي أنه مركز العقيدة والشريعة الإسلامية، أن يأبى هو ابتداءً إقامة مهرجانات موسيقية ورياضية تخل جملة وتفصيلًا بأحكام الإسلام وأخلاقه، ناهيك عن ألا يفكر أصلًا في استضافة مغنيات، ناهيك عن مغنيات إباحيات، ناهيك عن دفع أموال لمغنيين ومغنيات؟

ألم يكن الأولى أن يستدل أهل الإسلام بآيات وأحاديث نبوية قطعية يشرحون فيها رفضهم لمهرجانات المجون والاختلاط، وأن يلتزموا بطريقة الاحتفال وثقافته التي تحددها لهم الشريعة الإسلامية، بدلًا عن أن تستدل مغنية علمانية بسطور من قانونها الوضعي النسبي الذي تشرح به هي رفضها لقبول دعوة أهل الإسلام أن تغني عندهم شبه عارية وبكلماتها النابية؟

أين المشايخ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

وألم يكن الأولى أن يصدر العلماء والمشايخ في السعودية ومؤسساتها الدينية بيانا يبينون فيه لحكامهم وللهيئة العامة للترفيه بأن الاحتفال والترفيه في الإسلام له معايير وشروط تختلف تمامًا عن معايير وشروط العلمانية، وبأن للإسلام ثقافة خاصة في طريقة الاحتفال لا تؤجج مثلًا الغرائز والشهوات ولا تبيح الاختلاط ولا التبرج ولا الكلمات الساقطة ولا تبدر فيها الأموال… إلخ، وألا تستضيف السعودية مغنيات وفنانات، بدلًا عن أن تكون منظمات حقوق الإنسان الأمريكية سباقة لمطالبة المغنية الإباحية بعدم المشاركة في مهرجان جدة العالمي ورفض أموال السعودية، التزامًا بمبادئ حقوق الإنسان الغربية التي لا تستوفيها السعودية؟

هل يدرك حكام السعودية ومشايخها حجم الهُون الذي وصلوا إليه ببيعهم لدينهم سعيا لإرضاء الغرب؟ لا أظن ذلك، فعليهم ينطبق قول المتنبي:

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عليه … ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s