«الراقصة التي في الكبارية طالما كانت نيتها طلب الرزق فإن ماتت تبقى شهيدة مادامت نيتها طلب الرزق».

هكذا قالت الراقصة معبرة عن قناعة دينية يشاركها فيها الكثيرون يجدون في نظرة الآخرين لأفكارهم وأسلوب حياتهم باعتبارهم مناقضين لما يدعون من إيمان تعنتًا ورؤية مختلة للدين تهدر ما يقوم عليه من رحمه وتسامح.

مطلع هذا العام قتل شاب داعشي أمه في أحد ميادين مدينة الرقة السورية بعد إدانة التنظيم لها بالردة لتحريضها ابنها على تركه والهروب.

لم يكن القرن الهجري الأول قد اكتمل عندما ظهرت أولى الفرق المنتسبة للإسلام: الخوارج الأزارقة والمرجئة، فكفّر الخوارج وفسّقوا كل من خالفهم من المسلمين واستباحوا دماء وأموال وحتى أطفال كل من لم يخرجوا معهم للقتال، وفي المقابل همش المرجئة كل أوامر الدين ونواهيه من عبادات وأخلاقيات وحصروا الإيمان في مجرد التصديق القلبي وإن ناقضه العمل فلا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعات! ورغم الحرب الضروس التي قامت ضد الفرقتين وما أريق في مواجهتهما من مداد ودماء إلا أنهما ليومنا هذا يرفضان الانتقال من الواقع إلى التاريخ.

وبعيدًا عن النماذج شديدة التطرف، أنت كم مرة قلت أو قيل لك «من قال إن هذا حرام؟ أنا لا أعتقد بحرمته مطلقًا» أو «من قال إن هؤلاء علماء ينبغي اتباعهم؟ أنا لا أعتبرهم علماء ولا أعتد بما يقولون»؟

وفي الحقيقة أن كل مسألة ذات طبيعة دينية نجد المختلفين فيها فرقًا يدعي كل منهم أنه على الحق المبين وأنه من يفهم مراد الله من عباده على حقيقته بينما الآخر يتبع خطوات الشيطان يمده في الغي وفي ضلال مبين.

وبإزاء فرقاء يتنازعون ادعاء التوقيع عن الله وأنهم قائمون برسالته متبعون لأوامره دون الآخرين، تبدو إمكانية الفصل في الأمر وترجيح طرف على الباقين متوهمة أكثر منها صعبة المنال ولكنها ضرورية لازمة في الوقت ذاته!

والسؤال الأولي والبديهي لمن يبحث مسألة الخلافات الدينية بشكل عام أو في نطاق جزئية معينة هو: ماهية الدين ذاته أصلًا؟

وإن أردنا تعريف الدين وجدنا له إطلاقات ثلاث: فهو من وجه اختيار شخصي، ومن آخر ظاهرة اجتماعية، وثالثًا هو حزمة حقائق تاريخية وعلمية.

والوجه الأول للدين باعتباره اختيارًا فرديًّا يقتضي كون العقيدة الدينية حقًا لصيقًا بالشخصية، فلكل فرد الحرية التامة في أن يعتنق ما يريد من آراء ومعتقدات وأن يعتقد في الله ما يشاء وإن كان الإنكار والجحود لوجوده أو الشرك به، ذلك أن الدين في هذا الوجه مسألة قلبية لا تكون محاولة الآخرين التدخل بها أو تغييرها قسرًا إلا عبثًا ظاهر الفساد.

والوجه الثاني للدين هو كونه ظاهرة اجتماعية، فعندما تتوافق جماعة من الناس على حزمة من العقائد والأفكار والآراء الفقهية المكونة لدين أو مذهب، يكون الدين بهذه الكيفية ظاهرة اجتماعية وسمة من سمات المجتمع وقيمة جماعية مرتبطة بأعرافه والتاريخ المشترك لأفراده الذين يمنحهم لقب الجماعة.

وأخيرًا فالدين عبارة عن حزمة حقائق علمية وتاريخية تخضع للتدقيق العلمي والتاريخي.

فإن كان من حق الإنسان أن يعتقد ما يريد، إلا أن ادعاءه أن قناعاته هي صحيح الدين يجابهها من ناحية القناعات الجماعية للمجتمع الذي يعيش فيه والتي قد تصمه بالهرطقة أو الابتداع إن أخرج مكنون صدره والحقائق العلمية والتاريخية من ناحية أخرى كمدى مصداقية النص وصحة نسبته والحقائق اللغوية والمنطقية في تفسيره.

فمثلًا الرؤية والكشف مصدران للمعرفة الدينية عند بعض الصوفية والشيعة ولكن لا يمكن بحال اعتبار الأحلام سواء في النوم أو اليقظة مصدرًا لأي معرفة من الوجه العلمي فلا تكون للمعتقدات الدينية الناتجة عن هذا المصدر أي اعتبار سوى احترام حق أصحابها في اعتناق ما يشاؤون واحترام الأمر الواقع في حال كونها جزءًا من عقائد مجتمع ما، وكذلك فالتفسيرات الباطنية للنصوص الدينية شائعة عند بعض المذاهب ولكن تطبيق القواعد العلمية اللغوية والمنطقية يسقطها فلا يمكن تأويل النص عن معناه اللغوي إلى معنى آخر لا يحتمله بلا قرينة ولا الجمع بين المتناقضات.

وفي المقابل فإن المعتقدات الدينية قد تجد تسامحًا من المخالفين في إطار اعتبارها اختيارًا شخصيًا ليس باعتبارها تحتمل الصواب كما هو الحال في المسائل الاجتهادية وإنما باعتبار الحرية في اعتناق الاعتقادات الخاطئة حقًا طبيعيًا وتفهم هذا الحق، ولكن هذا التسامح المشروط بالتبادلية وإرادة الحفاظ عليه من القوى الفاعلة في المجتمع، لا يبدو يسير المنال في ظل حقيقة أن تاريخ الجنس البشري مشحون بالإقصاء والإبادات الثقافية وحقيقة أن الدين أكثر العوامل استغلالًا في الصراعات السياسية والاجتماعية.

وإن كانت الغاية هي استنقاذ الدين من تحويله إلى أداة في الصراعات السلطوية القائمة على إزكاء التعصب من ناحية واستنقاذه من تمييعه وتحويله لمسألة ذوقية تخضع للأهواء الشخصية من أخرى، فلا تبدو هناك طريقة لذلك إلا بإقامة توازن في رؤيتنا بين الوجوه الثلاث للدين، فلا نجحد الفرد ما وهبه الله له من حرية الاختيار ولا نتعامى عن الواقع الاجتماعي ونحكم العقلانية فنضع المعيار للترجيح بين قول وآخر الحقائق العلمية والتاريخية، وليس تعصبنا لما نعتقد وما وجدنا عليه آباءنا. فنتصدى لمحاولات “تأميم” الدين من الدولة أو فئة ما تريد فرض رؤية بعينها كحقيقة وتجحد ما سواها وتستغله للحصول على سطوة اجتماعية أو سياسية، ونحترم المعتقدات الدينية الشعبية دون أن نمنحها قداسة قد لا تكون لها، فكثيرًا مما في الوجدان الشعبي لا يوجد على نسبته للدين أي دليل، ونحترم الحق في الاعتقاد ولكن نحكم على المعتقدات ذاتها بحسب موافقتها أو مخالفتها للأدلة والمنهجية العلمية والحقائق التاريخية ودون أن نخادع أنفسنا بادعاء امتلاكنا لمفاتيحها كاملة.

لن تنتهي ادعائات التوقيع عن الله ما بقي في الناس اثنان ولكن ينبغي علينا دائمًا محاولة كشف الزيف وتقليل التزوير.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد