مرت سبع سنوات ونيف بعد اندلاع أول ثورة من ثورات الربيع العربي، وكانت هذه السنوات عجافًا قاسية، شديدة الوقع على الشعوب، على عكس المأمول منها حين اندلاعها. مرت سبع عجاف من الخيانة والجفاف الأخلاقي والقيمي، وانهارت الكثير من المنظومات والتحالفات الهشة لتظهر في صورتها الفجة الحقيقية، وكأن العيش بكرامة وحرية لا يليق بنا، فصرنا لا ندري أشرًا جلبنا لأنفسنا أم خيرًا؟

كان أول المعارضين للربيع العربي هم المنظرين الممانعين، الذين صدّعوا رؤوسنا قبل ذلك بالحديث عن الحرية وأجواء الدمقرطة وضرورة إعادة الحكم إلى الشعوب المسلوبة الكيان والإرادة، غير أنّ الفجوة التي أحدثتها الشعوب الثائرة قد خلّفت المنظرين في الخلف بل في القاع السحيق لمستنقعات الأنظمة الديكتاتورية، إذ تبين أنّ المعارضة كانت صورية مترفة مفصولة عن الواقع، بعيدة كل البعد عن الشعوب الواقعة تحت الاضطهاد، وتبين أنّ التنظير والجدال كان نوعًا من الأداء المسرحي المتقن، يلعب فيه المعارض- قبل الثورات – دور الدمية المربوطة بالخيوط في تشابه غريب وعجيب جدًا مع الصور الشهيرة للحكومات والجماعات السرية، ودليل السابق أنّ نفس المعارضين قالوا إنّ الشعوب غير مستعدة لجرعة كبيرة من الديمقراطية وممارسة الحقوق الإنسانية المعروفة في العالم، وباستخدام أسلوب المخالفة فإنّ من قال بالسابق مقتنع أنّ المطلوب هو ثورات مقننة وكأنّها حركات تصحيحية تطالب بالتعديلات على الحكم الشمولي ولا تطلب اجتثاث شجرة الظلم من أصلها، وها أنت ترى اليوم معظم المنظرين المتحدث عنهم أبواقًا للأنظمة ومشرعنين للطغاة الصاعدين الجدد.

أمّا الطرف الثاني المعارض للربيع العربي فهو اليسار العربي، الذي طالما تحدث باسم الطبقات المسحوقة والفقيرة وما دون الطبقة المتوسطة، وطالما تغنى بالديالكتيك والشرعية الثورية، حيث لو قُدّر لك أنّ تقرأ كتبهم ومنشوراتهم قبل الربيع الثوري لشعرت أنّك في أتون معركة حامية الوطيس، تضربك سيوف الثورية والانحياز للمظلومين، حتى إذا هب المظلومون يطلبون بعضًا من حرية وكرامة، صاروا عند اليسار العربي جزءًا من المؤامرة الكونية ضد الممانعة والمقاومة وأدوات إمبريالية تحركها القوى الاستعمارية الغربية وعلى رأسها الوحش الاستعماري الإمبريالي الأمريكي، فصار المظلوم إرهابيًا عند ثوريي اليسار العرب، والظالم سيدًا للمقاومة والممانعة وضرورة الدفاع عنه مسألة عقدية فكرية أعمق من فكر ماركس نفسه، وأهم من قاعدة جيفارا في الانحياز للمظلومين والدفاع عنهم في كل صقع وفج عميق. وموقف اليسار هذا ناتج عن ضحالته على أرض الواقع وفوقيته في المجتمعات العربية، حيث يشكل أفراده ما يمكن تسميته كنتونات نخبوية مغلقة، تعيش حالة من الانخطاف الذهني والفكري دون أن تعلم.

وثالثة الأثافي المعارضة للربيع العربي بشكل عملي أكثر منه نظريًا أو تنظيريًا هي السلفية الجهادية الدموية، حيث ظهرت مع كم من التساؤلات والتبريرات وانحازت من خلال ممارساتها – على عكس تنظيرها – إلى الأنظمة الكافرة – حسب أدبياتها – ضد المجتمعات والشعوب الثائرة، وتدحرجت الحالة من فرقة إلى أخرى حتى تشكلت داعش كرافعة للأنظمة ومن يدعمها، من خلال ممارسات غير معروفة الأصل والعلاقة بالشرع والإسلام الحنيف اتخذت لاحقًا ذريعة لدخول القوى الاستعمارية في العالم إلى المنطقة تحت مسمى محاربة الإرهاب، وعندما تدقق في التفاصيل تجد السلفية الجهادية تظهر في الحالات الحرجة للأنظمة وتكوّن دولًا وإمارات وولايات – كما يحدث مثلًا عند الحديث عن فتح معبر رفح – ثمّ إذا نضب معينها في خدمة نظام ما شنّت عليه حربًا يكون ضحاياها سكان المنطقة، مع اختفاء عناصر التمسلف الجهادي بصورة مريبة في كل مرة، وما الموصل عنّا ببعيد.

وهنا تجد الأمر ملتبسًا عند الكثيرين فلا يدرون ما الخبر وإنما يرعون سمعهم للإعلام العربي القميء فيشكل لديهم نوعًا من الشك والريبة حول السلفية الجهادية، إذ يجعلها تارة وحشًا لا يمكن ردعه وإرهابًا لا يمكن تخيله، ثم فجأة يحولها الإعلام إلى مجموعة لاهية من المراهقين مبتسري الفهم، ولأننا تعودنا في زمن الذل العربي أنّ من يعاديه الغرب فهو على حقّ، وتعودنا على أنّ من يسب الغرب فهو المقاوم الحقّ المجاهد الفذ الناصر للشعب والدين والأمة، لأننا تعودنا على ما سبق نسينا أحكام الجهاد ونشر الدعوة وكيف نحمي المسلمين من الأعداء، ونسي أشقياء التمسلف حرمة دم المسلم، غدت نحور المسلمين هدفًا وغرضًا لبثّ قوة الشوكة، ولأنهم استغلوا جهاد من قبلهم وحرفوه فقد حكموا علينا بالردة والكفر وعندهم قتالنا وقتلنا أولى حتى غدوا أقبح أداة يستخدمها الكلّ ضد عامّة المسلمين، وعليه فإنّه لا يتوقع على المدى القريب أو البعيد أن تنتصر للمظلومين السلفية الجهادية حتى تتخلص من كلّ عواهنها وعاهاتها وانحرافها الفكري والعقدي.

لقد مرت السبع العجاف ونحن نشاهد ونسمع ونحلل ونفند ونرد ونغوص في الجزئيات، ولم نلتفت إلى حقيقة ما يحدث فلقد تسلط بعضنا على بعض، وصرنا في المنطقة إما نحيا تحت ظالم طاغية، أو نهرب إلى دويلات الوهم وإمارات الحرب أو نعيش في مزارع خاصة لأفراد الدول العميقة في بلداننا، مما يعني أننا بصورة ما في حالة رقّ دائمة عند أحدهم وما لهذا شرعت الثورات وما لهذا تبذل الدماء والأرواح، فالذي يرى أنّ جزءه المسمى وطنًا قد نجا من الربيع العربي، فهو يقرّ بحقيقة انسلاخه عن الأمة، ويعترف أنّ ذا عقل جزئي بهيمي يرى عيشه آمنًا بصورة مؤقتة أهمّ بمراحل من ضرورة نفض غبار الرقّ والعبودية عن نفسه وعن قومه، وهكذا تجد بعض شعوب المنطقة عبارة عن تجمعات لأفراد يعانون الأنانية والدونية والذيلية وهم بذلك أعداء ألداء للثورات وللحرية والانعتاق من نير الطغاة والعبودية باسم الوطن والمصالح العليا للوطن.

كان لا بد من سبع عجاف تنكشف فيها الحقائق، وتظهر فيها المؤامرات ومن يحيكها ومن يمولها، وكان لا بد من إظهار حقيقة المنظرين الكذبة، والمجاهدين شهرة ورغبة في الدماء لا غير، ولن تأتي سبع خضراء يانعة يغاث فيها الناس قبل أن تنكشف كل أوكار النفاق والخيانة والتذلل للطغاة حتى نصير على فسطاطين. فسطاط ظلمة وطغاة لا مظلوم فيه وفسطاط مظلومين ومطاردين ومكبوتين لا منافق فيه ولا ظالم، وحينها أبشر بزوال كل ظلم وطاغية، والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد