في العُرف السياسي الدولي، يُقال لا توجد صداقة أو عداوة دائمة، بل مصالح مشتركة دائمة، فعظائم وكبائر الأمور صغائر تارةً، والعكس صحيح تارة أخرى، فالخلافات مهما كانت هي آيلة للذوبان.

أول الأهداف التي كانت موضوعة علي طاولة الرئيس الأمريكي بعد فوزه بالرئاسة، دونالد ترامب، هي إعادة الاتفاق النووي من جديد مع إيران، ووقفها من التمدد في منطقة الشرق الأوسط. وبالفعل نجح ترامب في الانسحاب من الاتفاق النووي بعد مرور عامين، بيد أنه فشل في الثانية حتى الآن، بينما أحدثت الخطوة الأول شرخًا عميقًا، بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيين.

وبعد العقوبات الأمريكية المفرووضة عليها، لجأت إيران إلى حلول جديدة في محاولة منها لمقاومتها، حيث انتهجت أسلوب وسياسة التخويف وخلق الزعزعة في السوق العالمي للبترول، وتهديد أمن وسلامة الملاحة البحرية خاصة في مضيق هُرمز، وخطف الناقلات البترولية ونشر سياسية الترهيب في مياه الخليج.

فالعقوبات الأمريكية، ألغت بظلال سالبة على إيران، خاصة وجودها في منطقة الشرق الأوسط، حيث مكنت الكرملين من أن يضع يده على الملف السوري عسكريًا وسياسيًا.

والحال ينطبق أيضًا على اليمن التي لم تجن منها إيران حتى الآن هدفًا مقبولًا إلى حد ما، الأمر الذي يمثل صداعًا كبيرًا لقائد الثورة الإيرانية، أما في العراق لا زالت إيران تثبت وجودًا لها هناك، بعد تدخلها غير المعلن في بادئ الأمر، بعد هجوم «داعش» في صيف 2014م شمال العراق، من خلال تقديم المساعدة في مواجهة تقدم الإرهابيين، ومنع الاستقطاب الطائفي، واستعداء الأقلية السنية، وخلق ردود أفعال لها بين العراقيين، أو تعميق التوتر الطائفي، فبات لديها نفوذ كبير، مستفيدةً في الحروب التي واجهها هذا البلد منذ سقوط دولته، أعقاب الغزو الأمريكي، وأثرت إيران على كل الحكومات التي تعاقبت طوال الفترة الماضية، وإستطاعت أن تؤسس للمليشيات موضع قدم، وتغير خرائط السياسة الداخلية.

أما في قطاع غزه، كان اشتعال الحرب في القطاع لصالحها، خاصة بعد الهجوم الإسرائيلي، الذي كان البوابة التي أطلت بها على القطاع، والبدء في الترويج لأفكارها، والتاريخ يذكر حديث قائد قوات «الباسيج» الإيرانية، العميد رضا نقدي، في 20 نوفمبر 2012 لوسائل الإعلام، الذي أكد فيه استعداد قواته لتحرير الأقصى، حال تلقي الأوامر من قائد الثورة الإيرانية، وأن محاولات دول المنطقة في التعاطي مع القضية بائس للحد البعيد، وكان فقط الاكتفاء باستدعاء السفراء فقط، وهذا لم يكن كافيًا على حد قوله.

في اليمن إيران مهددت الطريق للحوثيين للصعود، وحزب الله في لبنان الورقة الرابحة، وكلاهما عنصران أساسيان، في المليشيات التي تولي وجهها شطر إيران، لدى اتخاذ القرارات، ودق طبول الحرب، والجنوح للسلم والتفاوض على السلام.

وخلال الأيام القليلة الماضية، وعلى غير العادة التأم لقاء مصغر بين خفر السواحل الإماراتي ونظيرة الإيراني، بالأخيرة؛ حاول الطرفان عقده بعيدًا عن أعين الإعلام، قدر المستطاع. ولعل البعض ينظر لهذا الأمر بنظرة منطقية إن كانت ظروفه طبيعية، لقاءً بين جارين، بيد أن اللقاء جاء في ظروف استثنائية، بعد قطيعة دامت ست سنوات، ويبدو أن العلاقة بين الإمارات والسعودية، الآن أوضح من أي وقت مضي، وأن الإمارات لم تعد تلقي بالاً لمشكلاتها وخلافاتها مع الجارة العنيدة و«الغليظة» إيران.

ومن واقع النهج الذي انتهجته السياسية الخارجية الإماراتية خلال الفترة الماضية، يمكن أن نقول أن بهذه الخطوة بدأت الإمارات بالفعل، الجنوج لصوت العقل، في التعامل مع جارتها، وبدء مرحلة جديدة، بعد أن فشلت في استغاثتها بالمجتمع الدولي بعد هجوم ميناء الفجيرة الأخير، بأن يقوم المجتمع الدولي، بواجبه تجاه المياه الإقليمية الدولية، والتي كانت رسالة مغلفة للولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن الإمارات أدركت أخيرًا أن أمريكا لن تحارب نيابة عن أي طرف في المنطقة.

الصراع مع إيران سيكلف الإمارات كثيرًا، هذه هي الرسالة التي أدركتها الإمارات مؤخرًا، ويجب عليها ألا تعتمد على النفط وحده، بل على سمعتها التجارية الأقليمية أيضًا، وأن إيران طرفًا، مقبولًا في الإشراف على أمن الخليج ولافرار منه.

الأمر الذي تأمله الإمارات وكل دول المنطقة، هو أن ترفع إيران يدها عن المنطقة، والكف عن العبث بأمنها، أما إيران تأمل أن تحكم قبضتها على جارتها الإمارات وكسبها إلى جانبها، بعد التطورات الأخيرة المتعلقة بالناقلة الإيرانية «غريس 1»، التي أفرجت عنها سلطات جبل طارق، بعد احتجازها لفترة ليست بالقصيرة، وتأكيد الولايات المتحدة الأمريكية عدم السماح لطاقمها للدخول إلى أمريكا، لعدم أهليته والحصول على التأشيرات، وأنه أي الطاقم يساعد الحرس الثوري الإيراني، المصنف منظمة إرهابية من قبل أمريكا، هذه الأمور جعلت إيران تلفظ أمريكا وترفض الوقوع في أحضانها، إما ذليلة خاضعة من جديد، أو يستمر التصعيد في العواقب والحصار الاقتصادي المفروض عليها، وبالتالي لجأت لمحيطها وجيرانها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد