يُروى أن امرأة من بنى إسرائيل ارتكبت معصية، وعندما علم الناس بالخبر، اتجهوا نحو بيتها وانهالوا عليها بالسب والشتائم، بل ووصفوها بأقذر الأوصاف. ثم جيء بها بعد ذلك إلى المسيح عليه السلام، لكي يقيم عليها الحدَّ فتُرجَمَ.

لمّا نظر سيدنا عيسى إلى القوم، وقد تهيئوا لتنفيذ الحكم، وما تحمله أنظارهم من احتقار وحقد لهذه المرأة، قال وهو يخاطبهم: «مَن لَم يُذنِب مِنكُم قَطُّ فِي حَيَاتِهِ فَليَرمِهَا بِأَوَّلِ حَجَر».

عم المكان صمت غريب نتيجة هذا السؤال، وخفتت الأصوات، وما هي إلا لحظات، حتى بدأت الحجارة تسقط من أيديهم واحدًا تلو الآخر، بعد أن رجعوا إلى أنفسهم، وعرفوا أن لكل واحد منهم جانبه المظلم.

سأتطرف في هذه المقالة، ليس إلى الحدود والأحكام التي ينص عليها الشرع فذلك ليس من اختصاصي، ولكن إلى نظرتنا كمجتمعات وكأفراد للمخطئ والمخالف.

كثيرة هي المواقف التي نبني عليها أحكامنا على الناس، انطلاقًا من التفسير الذي نعطيه لما يبدر منهم من أفعال أو ما يتلفظون به من أقوال. فنجعل هذا من الصالحين وذاك من الفاجرين انطلاقًا من موقف واحد.. موقف واحد فقط!

ناسين أو متناسين أن الإنسان بطبيعته ما هو سوى مزيج من الخير والشر. فنحن لسنا ملائكة معصومين من الذنب، ولا شياطين لا نعرف الصّلاح، وإنما النفس البشرية لها نصيب من كل ذلك.

وليتنا نعامل الناس كما نعامل أنفسنا، وبدل البحث عن عيوب الآخرين، فلنتذكر عيوبنا وستر الله لنا، الذي لولاه لخجلنا أن ننظر في وجوه بعضنا البعض، فليس على هذه الأرض من كانت صحيفته بيضاء ناصعة، ولسنا أفضل حالًا ممن نشير إليهم بأصابع الانتقاص.

يقول الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا أَنَّكُم تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ الله خَلقًا يُذنِبُونَ، فَيَستَغفِرُون الله، فَيَغفِرُ لَهُم». ومعنى الحديث أن الله سبحانه وتعالى قضى في سابق علمه أنه لابد عن وقوع الذنوب حتى تظهر آثار مغفرته ورحمته سبحانه.. لأنه جل وعلا لو لم يكن هناك ذنوب لما كان لاسمه العَفُوّ والغَفُور والتَّوَّاب معنى، والحديث لا يفهم منه على الإطلاق تشجيع الناس من أجل أن يقدموا على معصية الله، ويجترؤوا عليها، فالذنب مهما كان بسيطًا فهو ذنب لا يمكن استصغاره، وكما قيل لا تنظر إلى صِغَرِ ذنبك، ولكن انظر إلى عِظَمِ من تعصيه. هي النفس أمّارَة بالسوء وتميل إلى ما مُنِعَت، فلطفًا بالعباد ولا تكونوا عَونًا للشيطان على أخيكم.

لا أقتصر في حديثي هذا فقط على المعاصي التي يقترفها الإنسان في معاص وذنوب، ولكن كلامي هذا يشمل كل ما نراه سيئًا من سلوك الآخرين وأفعالهم.

ولنا في قصة سيدنا يوسف المشهورة مع أخوته أحسن الأمثلة. فالأخوة تعمّدوا أذِيَّة يوسف، وألقوه في الجب، الذي لا يعلم الحالة التي كان فيها داخله إلا الله. وبعد مرور السنوات أصبح يوسف ذا شأن عظيم في مصر، وجاءه إخوته أذِلّاء يطلبون منه العون، فلم يُذَكِّرهم بما فعلوه من إجرام، ولم يصفهم بما يسُوئهم مع هول ما فعلوه، بل نسب فعلهم ذاك إلى الشيطان، بقوله: مِن بَعدِ أَن نَزَغَ الشَّيطَانُ بَينِي وبَينَ إِخوَتِي. ولكم أن تتأملوا ما تحمله كلمة إِخوَتِي من محبة. لذا إذا بلغك عن أخيك شيء ـ تكرهه ـ فالتَمِس له عذرًا، فإن لم تجد له عذرًا، فقل: لَعَلَّ لَهُ عُذرًا لَا أَعرِفُه، ولنبحث عن الخير في الناس ونشتغل بعيوبنا عن عيوب الخلق فذلك أولى، ومن كان بيته من زجاج، لا يرمي الناس بالحجارة.

ولنتذكر أنه من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا مما ترك.. فمن ترك الحقد والغل عوضه الله طمأنينة النفس ونقاء السريرة، و«كُن جَميلا ترى الوجود جميلًا».

بل علينا أن نتعلم كيف نحب الناس ولو كرهنا بعض أفعالهم ـ فلكل جواد كبوة ـ والله يَخلُقُ كيف يشاء لا كيف نشاء نحن.

وفي الختام، لا يجب أن نغفل عن تقديم النصح للآخرين إن اقتضى الأمر، ف الدِّين النَّصِيحة، وذلك باختيار الأسلوب المناسب والوقت المناسب. واجعل نصيحتك سرًا بينك وبين أخيك، ولا تشعره أنك أفضل منه.

والنصيحة فن من فنون الحياة، فلا ينصحك إلا من أراد لك الخير. فرحم الله من أَهْدَى إلينا عيوبنا، ونصيحة من أخيك هي بمثابة هدية ساقها الله إليك.

وها هي ذا 10 مباركات تطرق أبوابنا، فلم لا نَفتَحُ لَها قُلوبَنا؟

لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ ــ فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ

وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِبًا ــ فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

خطيئة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد