ما أغبى ذاك  الديكتاتور الذي يرى أنه قد أصبح في قوة ومنعة بقوة السلاح، فيسلب الحرث ويرهب النسل تحت رداء «حماية الوطن».

هو بذلك بقصد أو دون قصد يجر الوطن إلى ثورة يقودها الغضب، وما أعنفها من ثورة تلك التي يقودها أعمى يائس، ليس لديه ما يخسره، فهذه الثورات التى تولد من رحم الضغوط والتهميش، تصل بالشعوب إلى الكفر بكل شيء، فعندما يجوع الشعب لن يؤمن بوطن، ولن يخاف من نظام، ففي اللحظة التي يرفض فيها الشعب الانصياع للأوامر، تسقط السلطة، ومحاولات تعويضها بالعنف تصبح غير مجدية، ولن يوجد وقتها تفكير بنتائج ذاك الغضب أو تلك الثورة.

الثورة تستمد قوتها من قوة تلك الأنظمة المتعنّتة وبطشها، فكلما زاد القمع زادت الثورة بطشًا بقامعيها، وما أشد ما تحمله ثورتنا القادمة من بطش لو يعلمون. لقد امتلأت أرضنا وسماؤنا غضبًا، ينتظر فقد القداحة التي ستشعل ذاك الوقود الذي سيحيل الأرض جحيمًا للظالمين.

كل معطيات الثورة وجدت على الأرض، ولكن بقي فقط من يشعل لهيبها ويوجهها بدقة حتى لا تنطفئ نيرانها ثانيةً. لا بد من قائد حتى لا نقع في خطأ يناير 2011 نفسه، التي قالوا بأن أعظم إنجازاتها أنها كانت ثورة بلا قائد، بل إن ذلك هو أهم عناصر فشلها، ولكن ظل إعلام الثورة المضادة يردد ذلك على أسماعنا حتى لا ننتبه لذاك الخطأ القاتل.

إن الشعوب لا تقود ثورة، الشعوب فقط هي «رداء الثورة» ولا بد للثورة من «قيادة» و«رجال» توجهها، وتكون بمثابة «الرأس».

الشعوب هي الرداء الذي يحمي أهداف الثورة وقيادتها، ولكن من آفة ذاك الرداء أنه لا يظل طويلًا على جسد الثورة، فسريعًا ما يسقط عنها لأن الشعب لا يصبر طويلًا على تكاليف الثورة، وهذا ما حدث في يناير 2011 عندما لم تكن هناك محاكمات ثورية ناجزة تشعر الناس بتغير الحال والانتقام ممن أذاقهم الويلات، فتخلى الشعب سريعًا عمن ظهروا في الصورة لاستكمال مسيرة الثورة وعاد كثيرون سريعًا لحضن العسكر.

لذا يجب الاستثمار السريع لغضب الشعب الذي يكون دوره تحطيم الصف الأول من قيادات النظام الباطشة، فبنزوله للشوارع وثورته «يُخلخل» المنظومة الأمنية للنظام التي ستعجز عن مواجهة ملايين من الناس.

أما بالنسبة لقيادات الثورة، فإن أغلب الثورات الناجحة عبر التاريخ، تشير إلى أن أهم عوامل النجاح تكمن في أن تكون هناك قيادة موحدة للثورة بصرف النظر عن الأيديولوجية ولكن الهدف واحد.

وفي ساحة ثورتنا حتى الآن أعلن عن اثنين التف حولهم الشعب، الجوكر ومحمد علي، والاثنان تقريبًا لهما الهدف نفسه، وهذا مؤشر جيد جدًا، يوفر عامل نجاح للثورة، وأن الأرض أخيرًا بدأت تُخرج من يحرك الماء الراكد لسنوات.

وهناك عامل آخر في الساحة يعد من عوامل النجاح أيضًا، وهو الدعوة إلى السلمية الخشنة المبدعة التي أعلنها الجوكر، والابتعاد عن السلمية المنبطحة متمثلة في الدعوة للدفاع عن النفس والإقلاق المستمر للداخلية. فنجاح الثورة يتوقف على تعطيل القوة الباطشة والناعمة للنظام،  كخطوة أولى؛ فاستخدام السلمية الخشنة، وهي وسيلة مشروعة لإسقاط النظام بدون هدم للدولة.

أي خوف أو تردد في استخدام حق الدفاع عن النفس يعني أن النظام سيكرر ما فعله بالثوار بداية من 2013، وسيذبح كافة الثوار بلا رحمة، فإذا قمنا بثورة فلا بد أن نتمها للنهاية بأي تكلفة، فإن ضربت فأوجع فالعاقبة واحدة، أما أنصاف الثورات فهي مقبرة للشعوب. فالبحث عن مثاليات فارغة وأسماء رومانسية للثورة مكانها الروايات وليس أرض الواقع، فمثاليات الثورات تأتي باستخدام «الجرعة المناسبة» من القوة، لحماية الثوار وإنجاح ثورتهم.

الآن حان وقت إثبات أن هناك أناسًا همهم الأول مصلحة الوطن، متجردين من أي أهواء شخصية، الآن هو وقت الاتحاد معًا، وليس الفرقة والتنابذ، فإن لم يستطع كل من الجوكر ومحمد علي وأي شخص آخر بامكانه الحشد، أن يتحدوا لإشعال الثورة، فالأرض التي خرجوا منها بها ألف قداحة أخرى لا يعنيها الشو الإعلامي، بل يعنيها فقط إنقاذ الوطن، ووقتها لن يرحم الشعب من أطالوا عليه أيام الانتظار من أجل أنانيتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد