ما أن تطأ قدمك بلاط صالة السفارة الفلسطينية في عمّان حتى تُصعق بكلّ تلك الكُتل البشرية المكدّسة أمام شبابيك المعاملات، فتتطاير آلاف الأوراق يوميًا ذهابًا وإيابًا من شبّاكٍ لآخر حتى تُضرّج بالأختام والتواقيع، حيث يتهافت النازحون الفلسطينيون من أبناء العائلات التي تشتّت شملها مع نكسة 1967، ولم يستطيعوا العودة للضفة الغربية، لعمل توكيلاتٍ لبيع أراضيهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، آخر ما يربطهم بوطنهم الأمّ.

فبعد أكثر من نصف قرنٍ على حرب الأيام الستّة، سادت القناعة لدى أغلب الفلسطينيين الذين نزحوا إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن أو لم يستطيعوا العودة إلى ضفته الغربية باستحالة رجوعهم إلى مدنهم وقراهم، وأصبح تحرير الأرض بالنسبة لهم حلمًا بعيدًا صعب المنال؛ في ظلّ ما يرونه من سقوطٍ وتهاوٍ وانقسامٍ وضعفٍ سياسيٍ واقتصاديٍ ومعنويٍ وعسكريٍ عربيٍ وفلسطيني، حيث أصبح لدى الفلسطيني الذي يعيش في بعض الدول العربية مناعةٌ ضدّ الأمل، فخمسون عامًا من الهزائم والمؤامرات والخيانات والقمم العربية جعلت الفلسطينيين والعرب أكثر يأسًا وإحباطًا، بعدما هَوَت أمامهم الرموز والشعارات واحدًا تلو الآخر؛ لتتضح أنها ليست كما كانوا يعتقدون، وأصبح مسعى بعضهم على خجلٍ ومضض بعد 70 عامًا من اللجوء إلى تقبّل الواقع أخيرًا والتعايش معه، وباتت شقّةٌ معلّبةٌ في القويسمة أو الزرقاء الجديدة أفضل من بيتٍ حجريٍ عريقٍ محاطٍ بأشجار الزيتون الرومانية وكروم العنب في سلفيت أو بيت لحم أو الخليل.

ومشروع الدولة الفلسطينية على حدود 1967الذي لم يُرضِ حقًا أيّ فلسطينيٍ حتى لو أبدى تأييده، بات أكثر فشلًا من أيّ وقتٍ مضى، حتى تعدّى مرحلة الفشل مع ضياع آلافٍ وآلاف من الدونمات سنويًا في المستوطنات الإسرائيلية التي لا تتوقف عن النموّ كالسرطان، وجدار الضمّ والتوسّع والطرق الالتفافية المنتشرة التي تجعل منظر الضفة الغربية من الأعلى يشبه ساقًا مصابةً بالدوالي، ليتبقى للفلسطينيين بعض الجُزر المتناثرة هنا وهناك في الضفة الغربية، والتي حتى لو قبلنا بها كفلسطينيين دولةً، فإن إسرائيل ستفرّط بشواطئ تل أبيب قبل أن تفكّر بالتفريط بتلال القدس ونابلس والخليل المهمة لهم تاريخيًا وعقائديًا وأمنيًا واستراتيجيًا.

وأما قطاع غزة القسم الآخر من مشروع الدولة الفلسطينية، والمُسمّى حكوميًا بالمحافظات الجنوبية، فهو معزولٌ سياسيًا وإداريًا بعد عزلته الجغرافية عن الضفة الغربية بفعل الحصار المصري – الإسرائيلي والانقسام، وبات احتمال انفصاله كدولةٍ مستقلةٍ تحت حكم حماس أقرب من تحقيق المصالحة وعودته للسلطة الفلسطينية، وهو ما يخدم صفقة القرن في عيون الإدارة الأمريكية التي تسعى مؤخرًا لجمع مبالغ مالية من دول الخليج لصالح تعزيز مشاريع التنمية الاقتصادية في القطاع بحسب صحيفة هآرتس.

ضغوطات السلطة الفلسطينية على حركة حماس لتسليم قطاع غزة، والتي لم تؤذِ أحدًا أكثر من مواطني القطاع الذين تلقّوا على مدى سبعين عامًا الضربات الأولى لكلّ تجربةٍ ومرحلة، لم تُثبت حتى اللحظة سوى فعاليتها في القضاء أكثر وأكثر على شعبية السلطة الفلسطينية، مع تعنّت قيادة حماس وتمسكها بإدارة القطاع للعام الحادي عشر، حيث يماطل طرفا الانقسام على الدوام طمعًا في مكاسبٍ سياسيةٍ أكبر من المصالحة مع مرور الوقت الذي لا يترك وراءه سوى المزيد من الضحايا الأبرياء.

وفي عزلةٍ عن قطاع غزة والقدس التي تُقتلع جذور سكانها وتُطمس مقدساتها يومًا بعد يوم، يعيش سكان الضفة الغربية حالةً من الاستقرار الكاذب، فالسيادة الأمنية الفلسطينية على مناطق (أ) تتشتّت مع أول حذاءٍ عسكريٍ إسرائيليٍ يطأها، والتسهيلات الاقتصادية التي يمنحها الاحتلال للشبّان عن طريق زيادة عدد تصاريح العمل الممنوحة لهم وراء الخطّ الأخضر أخرجت عشرات الآلاف من الشبّان المغيبين عن كلّ مشاهد الحياة، والذين أصبحوا يصطفون منذ ساعات الفجر الأولى أمام نقاط التفتيش والحواجز، ويعودون منهكين مع ساعات المساء إلى أسرّتهم هامدين، بينما مجندةٌ في السابعة عشر من عمرها تستطيع أن تغلق حاجزًا عسكريًا ريثما تشاء، فتشلّ أسطورة رأس المال الفلسطيني الذي يستحيل أن يستقلّ عن الاحتلال في ظلّ سيطرته على الحدود والمعابر والمنافذ.

ومع تراجع صحة الرئيس محمود عبّاس في الأيام الماضية اشتعلت منصات الإعلام المحلية والعبرية والعالمية بالبديل الأوفر حظًا لخلافته، وتطايرت الأسماء المحتملة من أقلام الصحفيين وأفواههم، ودأب البعض لشراء ربطات عنقٍ جديدةٍ استعدادًا لاستلام ميراثهم الذي يتوزّع على ثلاثة مناصب وهي رئاسة السلطة الفلسطينية وحركة فتح واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويبدو أن صراعًا يُطبخ في الخفاء على المناصب الحسّاسة الثلاث التي سيستميت الكثيرون لكسب رضا القوى الإقليمية والدولية وإعطاء الوعود والتنازلات ثمنًا مسبقًا لجلوسهم على تلك الكراسي.

نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال يرى أن السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية ستبقى من ضفاف نهر الأردن شرقًا حتى سفوح جبالها غربًا، ولن يتوقف هو وجنوده ومستوطنيه عن سرقة الأرض والماء والشجر والحجر، طالما أحزابنا تتزاحم أمام المناصب والحصص السياسية، وشبابنا راكضون وراء لقمة عيشهم المغمّسة بذلّ الاحتلال، وسيرث مستوطنو يتسهار وكريات أربع وبيتار عيليت كلّ أراضينا وحقولنا وبياراتنا التي تركناها بورًا وذهبنا وراء مقاولي بيت شيمش ومعالي أدوميم وموديعين نهارًا، وتصارعنا أمام شاشات التلفاز على من يمتلك الشرعية في قيادة شعبنا ليلًا.

لكن الزمن أثبت أن الفلسطينيّ كطائر الفينيق، يولد من رحم رماده من جديد كلما ظنّوا أنه مات واحترق، والتفريط في الأرض كالتفريض في العرض في نظر الفلاح الفلسطيني، وأرض فلسطين المقدسة المباركة أرض خيرٍ وعطاء، وإن فرّط فيها عرب ومسلمو العالم فإن الفلسطينيين لن يفعلوا، ولو مرّت صفقة القرن من تحت احدىً وعشرين كرسيًا عربيًا فإنها ستتوقف عند حذاء أول طفلٍ فلسطينيّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد