تصدرت جمهورية أوزبكستان الساحة الإعلامية والدولية بعد خبر وفاة زعيمها منذ الشيوعية إسلام كريموف (78 عامًا)، بعد حكم استمر أكثر من ربع قرن من الزمان، الاهتمام ليس لمجرد خبر الوفاة لكن الأمر انتقل إلى التكهنات من يخلف كريموف الذي كرس للحكم الشمولي وكانت كل كبيرة وصغيرة تحت يده، فهو يعين أعضاء البرلمان ويختار الحكومة ويوقع الاتفاقيات الخارجية، ويمنع الأحزاب أو المعارضة بهدف إرساء الاستقرار في دولة تقع وسط بركان قابل للانفجار في أي لحظة. حيث تحيطها أفغانستان بمشكلاتها المتجددة وطاجيكستان وبعض المتشددين هناك، وقيرغيزيا صاحبة الثورات المتكررة، ولا يمكننا أبدًا نسيان الأب الروحي والحاضن الأكبر «روسيا» والتي تعتبر بلدان آسيا الوسطى حديقتها الخلفية.

عشرات السنوات تحت وطأة الحكم الشيوعي، وعشرات السنوات تحت حكم الفرد الذي حكمها بقبضة حديدية، استطاعت بالفعل منع انتقال الثورات الملونة إليها أو وجود متطرفين على غرار طالبان أو «داعش»، أو السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية، لكنها في المقابل قضت على أي صوت معارض أو منافس، كرست الحياة جميعها في يد رجل واحد «الرئيس»، دفعت شبابًا كثيرين للهجرة خارج البلاد.

لسنا هنا لسرد معلومات تاريخية عن البلدة أو الزعيم، بقدر ما سنحاول البحث عن الخليفة أو البديل والذي سيترتب عليه مستقبل الجمهورية الهامة في وسط آسيا، وعلاقتها بجيرانها وانفتاحها على العالم الخارجي، وخروجها من كونها دولة حبيسة إلى دولة ذات دور رائد في المنطقة.

ومن وجهة نظري كوني مراقبًا للوضع هناك، وقمت بزيارة الدولة ومقابلة كثير من مسئوليها في نظام كريموف، أستطيع التكهن والتوقع بمن سيخلف الزعيم الأوحد، وقسمت البدلاء الثلاثة إلى:

-خليفة تقليدي: ربما تدفع به الظروف فقط لخلافة كريموف، وهو رئيس الوزراء الحالي شوكت ميرزيايف (59 عامًا)، لا يتمتع بأي شعبية، لا يعرفه كثيرون، ظل يعمل في الظل ويسند له الأعمال الأقل شعبية، لكنه احتفظ بثقة كريموف، وهو من قاد مراسم الدفن وهي دلالة رمزية للخلافة على غرار عادة «الاتحاد السوفيتي السابق»، أوراق الربح عنده تتلخص في: علاقته بجهاز المخابرات وعلاقته برجال الأعمال وقربه من موسكو.

-خليفة أمني قوي: وهو رئيس المخابرات الحالي رستم إينوياتوف (72 عامًا) وهو الأوفر حظًا، حال رغب هو في ذلك، كونه يفضل القيادة من خلف ستار، وترأس هيئة الأمن القومي في أوزبكستان قبل أكثر من 20 عامًا، وهو قائد مذبحة «أنديجان 2005» التي تسببت في حرج كبير لنظام كريموف، بعد قمعه للمعارضة ومقتل العشرات، وهو ما تسبب في فرض عقوبات عليه من قبل الولايات المتحدة، ولم يعزله كريموف وقتها، بل اعتبره حامي العرش، وتتلخض قوته في: سيطرته التامة على الجيش، وهو يملك – حسب المصادر – «جيشًا خاصًا»، يضم أفضل الوحدات القتالية في القوات المسلحة ومن بينها لواء التدخل السريع الذي يضم 5 آلاف مقاتل وكذلك قوات حرس الحدود والأسطول الحربي النهري وفرقة القوات الخاصة، وظهر نفوذه بقوة حتى في ظل وجود كريموف عندما استطاع التغلب على الابنة الكبرى لكريموف وقام بمصادرة كل أعمالها وحبس المقربين منها.

-مرشح غير تقليدي «كلاسيك»: وهو وزير المالية ونائب رئيس الوزراء رستم عظيموف وهو نجل العالم الشهير سوديك عظيموف، وهو خريج جامعة طشقند (كلية التاريخ) وحصل على درجة الماجستير في جامعة أكسفورد، وفي عام 1998 استلم قيادة وزارة المالية، ويصنفه قريبون أنه «ليبرالي» التوجه وأنه أقرب للغرب من روسيا، يملك عقلية انفتاحية، قريب من الشباب، يحاول دعم وجود مجتمع مدني في الداخل، لكن وجوده في النظام السابق منذ 98 يجعل علامات الاستفهام حوله كثيرة، فهل كان جزءًا من نظام كريموف في كل ممارساته، التي تخللتها تصرفات خاطئة ضد المجتمع والمعارضة، أم إنه كان يركز على ملف الاقتصاد وفقط.

أيًّا ما يكون البديل المنتظر، تظل البلاد حتى رئاسة رئيس البرلمان لمدة ثلاثة أشهر حتى تجرى انتخابات الرئاسة، ووقتها ستعرفنا البلاد على المستقبل المتوقع، باختيار بديل كريموف، ولا يتوقع وجود حالات عنف أو قلاقل، كون القوتين الكبيرتين هناك «موسكو وواشنطن»، يريدان انتقال السلطة بسلاسة شديدة حتى لا يفقدوا الحليف الإستراتيجي، الهام جدًا أمنيًّا لروسيا، والهام لوجستيًّا لأمريكا في حربها في أفغانستان.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد