الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

أستطيع أن أقول إن سفراء التجهيل من أهم أدوات طول أمد المستبدين في أرضنا المنكوبة، فهم يلبسون عباءة الوقار ويتبوؤون مكانة النخبة بين الشعوب، أو يؤهلهم المستبد لهذه المكانة ليكونوا رسل الحاكم ومبعوثيه إلى الشعب، فمهمة تدجين الشعوب وتغييب الوعي ليست بذات السهولة التي كانت عليها من قبل، فلا بد أن يكون هناك من يزيف الحقائق، ويدلّس في الطرح والتنظير، ولا بأس من القليل من الكذب الصريح الذي لا يدركه المتلقي العامي، والذي لا يبحث وراء ما قاله هذا السفير.

سفراء التجهيل يمكن أن يكونوا إعلاميين، أو صحافيين، أو شيوخ، أو دعاة، أو أساتذة جامعيين، أو أي أحد كانت رسالته الأصلية هي التنوير وتبليغ المعرفة كما هي، من أبرزهم أولئك الذين يطلعون على الشعوب كلما تحركت لتصنع التغيير وتتحرر من نكبتها ليباشروا مهمتهم في تزييف الحقائق وتغييب الوعي، بالتوازي مع الحلول القمعية التي يباشر العمل بها جند المستبد، الذين لا يعرفون سوى منطق القوة والسلاح.

فمثلًا في الوقت الذي نسمع فيه عن هجوم بربري تشنه قوات الأمن على أحد المستشفيات في إحدى المناطق الإقليمية، والتعدي على الأطباء واعتقال عدد منهم دون وجه حق، وغير ذلك من الانتهاكات، يطلع علينا أحد سفراء التجهيل ليستنكر قيام الأطباء بإضراب عن العمل في الوقت الذي هناك مرضى بحاجة إلى العلاج، وكأن هذا القلب الذي رقّ للمرضى لا يرق لمرضى آخرين كانوا وما زالوا يعانون بسبب منظومة العمل الصحي السيئة، ولا للأطباء الذين لا ينالون مقابل عملهم شيئًا يسد حاجتهم، ولا للملايين الذين يرزحون تحت وطأة حكم جائر دام لعقود من الزمان.

وجود هؤلاء أصبح جزءًا من حياتنا منذ وقت بعيد، ولكن الجديد أنهم بلغوا حدًّا غير مسبوق من الصفاقة بحيث تكون لديه الجرأة لأن يستحضر حدثًا ما أو أكثر في مكان ما رآه العالم بأسره، وتابعه بالصوت والصورة لحظةً بلحظة، يستحضر هذا الحدث ويدلس في طرحه ليثبت نظريته الباطلة التي يريد أن يقنع بها المتلقي.

أما النظرية فهي «الثورات وصفة لخراب الدول ودمار الشعوب»، وأما الدليل فهو ما حدث في سوريا وليبيا وغيرها، ووجه الصفاقة أن هذه الأحداث التي يدلس في الحديث عنها، وربما يكذب فيها، كانت بالأمس القريب، ولم تكن في الثلاثينيات أو الأربعينيات من القرن الماضي، رأيناها كلنا وتابعناها منذ بداياتها وحتى مآلاتها.

يقول أحد هؤلاء: «إن شعب السودان الواعي الحصيف يعرف خياراته جيدًا، ويميّز قياداته بوعي، ولن يقبل بانهيار الدولة وتشريد أبنائه وبناته على حدود دول اللئام، بينما يترك وطنه نهبًا لحركات مسلحة ومجموعات استئصالية انتقامية، تسعى للإبادة في شوارع الخرطوم على أساس عرقي وجهوي، تسجن وتقتل على أساس الانتماء السياسي، كما قال بذلك دعاة الفتنة في الأسافير».

ويقول آخر: «الشعب السوداني، أخذ جرعتين من التجارب الثورية، فاكتسب مناعة من الاستدراج لسيناريوهات الفوضى والعدم، عبر التغيير الثوري الفوري الذي لا ينتهي إلا لما هو أسوأ، تجارب الربيع العربي وما أفضت إليه، أوضحت صحَّة تقديرات الشعب السوداني وسلامة موقفه، بالامتناع عن إعادة إنتاج التجارب الخاسرة. السودان وطنٌ ملغومٌ بالأزمات، وقابلٌ للانفجار أكثر من سوريا، واليمن، وليبيا، والعراق، التظاهراتُ قد تبدأ سلميةً، ولكنها سرعان ما تخرج عن السيطرة وتنفلت الأوضاع؛ فتسقط في هاوية سحيقة».

كم هو مؤسف حقًّا أن يكون القلم الحر «أو كما يدّعي صاحبه» أداة للترويج لترهات المستبد والأنظمة التي تحكم بالحديد والنار، والتي تحاول أن تبيع لنا فكرة أن الثورات هي وصفة لدمار الأوطان، وكذلك فمن المؤسف أيضًا أنني مضطر في السطور التالية لسرد موجز لما حدث بالأمس القريب لنذكّر بوصفة دمار الأوطان الحقيقية.

بدأ الأمر في سوريا في الخامس عشر من مارس (آذار) 2011 بدعوات تظاهرات ضد النظام الحاكم على صفحات في فيسبوك، لتخرج الحشود الكبيرة في شوارع مدينة درعا، تعاملت معها قوات الأمن بالاعتقالات والرصاص الحي الذي أسقط العشرات خلال أسبوع واحد، كانت من أشهر جرائم الأمن مجزرة الصنمين، وأحداث حصار درعا الدامية في نهاية أبريل (نيسان)، ضحايا أحداث درعا كانوا شرارة التظاهرات في المدن الأخرى، ألقى بشار الأسد خطابًا تحدث فيه عن إصلاحات تشمل تغيير الحكومة، ورفع حالة الطوارئ، وإطلاق سراح بعض المعتقلين وغيرها، ولكن لم يزل تعامل قوات الأمن القمعي مستمرًا على الرغم من سلمية الحراك الثوري، فوقعت مجازر في حمص ومناطق دوما والمعضمية، كل هذا وغيره كان في الأشهر الثلاثة الأولى قبل أن يحدث أول انشقاق في الجيش السوري، لتتكون أول جماعة مسلحة، ويتحول الوضع إلى صراع مسلح.

إلى ليبيا حيث أصدرت 213 شخصية ممثلة لمجموعة من الفصائل والقوى السياسية، والتنظيمات والهيئات الحقوقية الليبية في الرابع عشر من فبراير (شباط) 2011 بيانًا يطالبون فيه بتنحي العقيد القذافي، مؤكدين حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه بمظاهرات سلمية دون أي مضايقات أو تهديدات من قبل النظام.

وبعد يوم واحد على صدور البيان، سقط عدد من الليبيين قتلى برصاص الشرطة في بنغازي ثانية مدن البلاد الكبرى التي تحولت إلى معقل للمعارضة، حيث اعتصم هناك عدد من المواطنين يطالبون بالإفراج عن سجناء سياسيين. وتواصلت الصدامات لليوم الثاني على التوالي مع اتساع نطاق الاحتجاجات التي أخذت طابعًا دمويًّا إثر إطلاق قوات الأمن والمرتزقة الرصاص الحي على المحتجين في مدن بنغازي، والبيضاء، ودرنة، وأجدابيا؛ فسقط العديد من المدنيين قتلى، واتسع نطاق المظاهرات حتى شملت مدنًا جديدة في جميع أنحاء البلاد بما فيها العاصمة طرابلس، وسيطر المتظاهرون على بنغازي في 20 فبراير.

دفع اشتداد وتيرة القمع عددًا من المسؤولين الليبيين إلى الاستقالة احتجاجًا على مواجهة الاحتجاجات السلمية بالقمع والعنف، فاستقال وزير العدل، ووزير الدولة لشؤون الهجرة والمغتربين، ومندوب ليبيا في الأمم المتحدة، ونظيره في جامعة الدول العربية، والسفراء الليبيون في عدة دول.

وقعت أحداث عنف في حراك تونس ومصر، ولكن الحراك نجح في تحقيق هدفه، وهو إسقاط النظام، ولم يحدث ما حدث في سوريا ولا ليبيا، فالتطورات في سوريا كانت متعلقة بكثرة الفصائل المسلحة وتصاعد الخلافات بينها، والتي ساهمت فيها بقدر كبير حركة داعش التي ظهرت بعد سنتين تقريبًا من الثورة، ثم التدخل الروسي وما خلّفه من دمار في البلاد بفعل أسلحته الثقيلة، أما ليبيا فالأمر فيها متعلق بخلافات النخب السياسية، ولكن تعقد المشهد هناك مرتبط أكثر بصعود خليفة حفتر المدعوم من الخارج من ناحية، ومن ناحية أخرى كان ظهور جماعة داعش هناك، وعدة فصائل مسلحة أخرى.

أما اليمن فشهدت مرحلة استقرار سياسي بعد سقوط علي عبد الله صالح، قبل أن تظهر جماعة الحوثيين من جديد بدعم من جهات خارجية، وتتغير الأوضاع لتصير إلى ما هي عليه الآن.

الذي يهمنا هو أن المصريين الذين خسروا البيئة السياسية والحرية التي كانت لديهم إثر الانقلاب العسكري، وبسببه لا يستطيعون العيش في مصر، وكانت بينهم العديد من الخلافات، كلهم مجمعون على أن ثورة يناير (كانون الثاني) كانت انتصارًا تاريخيًّا لهم، ولم يقل أحدهم أن ثورة يناير هي التي كانت سبب ما هم عليه الآن، والتونسيون على الرغم من الخلاف بخصوص الوضع الحالي في بلدهم، فإنهم متفقون على نجاح ثورتهم في يناير 2011، وأنها خلصتهم من استبداد طال أمده في البلاد، والليبيون على رغم خلافاتهم والوضع السياسي المتأزم فإنهم متفقون على أن ثورتهم ضد القذافي كانت أمرًا ضروريًّا لا بد منه للتخلص من الاستبداد، والسوريون المعارضون لنظام الأسد على الرغم من خلافاتهم التي جعلتهم يقتتلون فيما بينهم، كذلك مجمعون على استبداد الأسد وضرورة إسقاطه.

بخلاف ما يحاول نظام البشير وسفراء التجهيل الترويج له، لا توجد أي سببية فيما حدث عام 2011 في هذه الدول وما آلت إليه أحوالها فيما بعد، بل يجوز لنا القول إن ذلك الذي يحاولون تحذيرنا منه هو أمر تعاني منه البلاد منذ سنوات دونما تكون هناك أي ثورات، فالجنوب منفصل منذ 2011 ودارفور خارج السيطرة منذ قبل ذلك، وإقليم كردفان بعدها، وولاية النيل الأزرق، وكذلك الكثير من المناطق الحدودية الجنوبية، كل هذا قبل أن يخرج أي شخص من الشارع، والآن وعندما خرج الناس إلى الشارع يضيقون ذرعًا بالنظام وما يفعله يجدون أنفسهم مستباحين لرجال الأمن والشرطة، الذين يطلقون عليهم الرصاص الحي، ويقتلون منهم العشرات بحسب تقارير المنظمات الدولية، ولا يجدون حرجًا في اقتحام البيوت، واستباحة الأعراض ليل نهار بحجة مطاردة المتظاهرين في تصرف يجعلهم في مقام العصابات التي تبوأت مناصب عليا وبحيازتها الضوء الأخضر من أعلى هرم في السلطة أن تفعل ما تشاء وقتما تشاء.

تلك كانت قصة الدول التي يحذر البشير وسفراء التجهيل من مصيرها، وهذه كانت وما زالت حالة السودان الذي يحذر البشير وسفراء التجهيل من أن تكون حالته مثل حالة سوريا التي يتبجح البشير بأنه فتح حدوده لمن هرب من نار الحرب فيها ليتقاسم معه اللقمة، وهو في الوقت ذاته يتشارك الحميمية مع بشار الأسد الذي استباح دماءهم وأعراضهم، والآن وبحسب التقارير والشواهد يمهد لروسيا التي اتخذت من سوريا ميدان تجارب لأسلحتها الثقيلة، لأن يمتد نفوذها إلى داخل السودان عبر الصفقات المشبوهة.

الحراك والعمل الثوري جزء من تاريخ البشرية، وكما قلنا من قبل فإن كل من يسلك مسار الاستبداد سيصطدم في النهاية بالثورة، وعلى مر التاريخ تسقط أنظمة وتقوم أنظمة أخرى تأكيدًا للسنة الكونية في معركة الحق والباطل المتجددة، والتي تتغير من مكان لآخر، ومن زمن لآخر، ومن شكل إلى آخر، غير البشري وغير المنطقي هو أن تقول إنه يجب على الناس أن تقبل بوجود مستبد خوفًا من مصير ليس حتميًّا؛ فهذه فكرة لن يربح فيها لا الذي عرضها ولا المعروضة عليه، وإنما الرابح الوحيد هو المستبد نفسه، الذي، وكما هو حال كل مستبد في التاريخ، يتمادى في استبداده وجبروته الذي يطال كل أحد، كل أحد، ولو كان «ماشي جنب الحيط»، واسألوا عن خالد سعيد في مصر، وعن الطفل حمزة الخطيب في سوريا، والطفل محمد الدرة في فلسطين وغيرهم، ولا يستغربنّ أحدكم من استحضار حالة فلسطينية، فالاستبداد هو شقيق الاحتلال يستبيح الأرض، والأرواح، والدماء، والأعراض بغير حق.

سفير التجهيل يريد أن يبيع للناس فكرة أن قمع الأجهزة الأمنية واستخدام الرصاص الحي، هو فعل كوني محض، لا يوجد أحد مسؤول عنه، فهو يقع بمجرد أن تخرج لتتظاهر في الشوارع، لتكون رسالتهم هي ذاتها رسالة الأمنجية: عليك أن تؤثر السلامة، وأن تلزم بيتك، وأن تقبل بهذا الواقع، والحقيقة هي أن العنف الذي تبادر به الحكومة لا بد له أن يولد العنف، والكثير قد توصلوا إلى تلك الحقيقة؛ فالفصائل التكفيرية وجدت طريقها إلى العراق إثر الاحتلال الأمريكي وجرائمه، ووجدت طريقها إلى سوريا إثر جرائم الأسد المذكورة آنفًا، وداعش وجدت طريقها إلى العراق إثر طائفية المالكي وقائدها البغدادي، هو في الحقيقة أحد خريجي معتقل أبي غريب، وما أدراك ما أبو غريب، وحتى ما يحدث في سيناء فمرجعه سياسة السيسي ونظامه، وليراجع المهتم اجتماع لجنة الكونغرس بخصوص المعونات الأمريكية لمصر قبل سنتين تقريبًا.

سؤال لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد: لو جاز التحذير من مصير سوريا فمن هو الذي يجب تحذيره؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد