الضلع الذي تم فقدانه

للوهلة الأولى، وبالنظر إلى الكيفية التي انطلقت بها شعلة انطلاقة الثورات العربية في البداية وحتى النهاية، هناك طرفان واضحان، يشكل الطرف الأول الشعب أو الأمة التي تنتمي لدولة معينة، داخل إقليم معين، عليه واجبات يقوم بها، كما له حقوق وحريات يطالب بها، وعلى الدولة الأم توفير الحماية اللازمة له، أما على الجانب الآخر فنجد الطرف الثاني، والذي يمثل الحكومة أو القائمين بالأعمال، وممثلي الشعب، وغيرهم الذين ينتخبهم الشعب بطريقة ديمقراطية وشفافة، دون أي ضغوطات ممارسة ضدهم، والذين على إثر ذلك يديرون الدفة في الدولة، ويتمتعون بالامتيازات والصلاحيات، وتجعلهم في سدة القرار.

ولكن في الآونة الأخيرة، خاصة بعد عام 2001، وبداية ظهور مصطلح الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في العام ذاته، بدأت فكرة الدولة تأخذ العديد من المنحنيات التي أثرت تأثيرًا سلبيًّا في إنتاج الشعب، بل عملت معظم الدول على وضع العديد من التصرفات تحت وصول يد المعاقبة القانونية برأيهم في حالة حدوثها والعمل، حتى بات التعبير عن الرأي جريمة يعاقب عليها القانون، مما جعل المقومات التي تقوم عليها الدولة محدودة بالقوة العسكرية «التنفيذية» القمعية التي شكلت الأداة التي يضرب بها الزعماء أي تحرك ضدهم.

ولكن التساؤل هنا في ظل التغير الجذري الذي أحدثته الثورة تجاه ما يعرف بالحماية الإنسانية والاهتمام بالجتمع المدني، ومع ظهور هذه الكوكبة من القوانين التي تحمي حريات البشر وحقوقهم، بل وضع مجلس الأمن فصلًا كاملًا للتدخل في حالة الإخلال بها «الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة»، وفي ظل الربيع العربي الذي تشهده المنطقة العربية، التي اتسعت رقعة تأثيرها إلى القارة العجوز وأمريكا الجنوبية، فهنا يمكننا القول إذا كان انتصار الثورات العربية مرهونًا بنبض الشارع العربي داخل حدود دولة عربية معينة، فالاختلاف هنا كيف صمت الشعب بهذه الكيفية ولطوال هذه الفترة الزمنية على الحكام الذين ثاروا عليهم؟ وما هو عامل الحسم في هذه الثورات؟

هذه القائمة تبين لكم أسماء الحكام الذي قامت الثورة عليهم ومدة الحكم الخاصة بكل واحد منهم:

الدولة

اسم الرئيس

فترة الحكم

تونس

زين العابدين بن علي

«1987- 2011»، 24 عامًا

مصر

حسني مبارك

«1981- 2011»، 30 عامًا

ليبيا

معمر القذافي

«1969- 2011»، 42 عامًا

اليمن

علي عبد الله صالح

«1978-2012»، 34 عامًا

الجزائر

عبد العزيز بو تفليقة

«1999-2019»، 20 عامًا

السودان

عمر البشير

«1989- 2019»، 30 عامًا

وضعية خاصة «سوريا- السودان»

سوريا

الجمهورية العربية السورية، لقد وصلت شرارة الثورات العربية إليها، ولكن الجزم بنجاح الثورة العربية السورية أمر لا يمكن الخوض فيه وذلك للأسباب التالية:

1. الثورة السورية كانت نشطة في بدايتها، لكن تدخل القوى الخارجية جعل منها ساحة حرب.

2. بشار الأسد حتى هذه اللحظة لم يطحه من ثاروا عليه، حتى هو لم يقدم أي استقالة أو وثيقة تنازل وتنح تجعلنا نأخذها عنوانًا بصفحاتنا الأولى.

3. نظام الأسد أخذ وبشكل كبير ذريعة عدم التنحي عن الحكم وربطه في حالة وجود الاستقرار داخل الحدود في الأراضي السورية لبدء الفترة الانتقالية وليس التنحي.

4. يدافع أنصار الأسد وهو ذاته، عن نظامه بحجة أن الدولة السورية باتت تواجه أعمالًا إرهابية تسارعت وتيرتها بفعل قوة داعش في المنطقة، ودعم الدب الروسي له، وأن هناك دخلاء على الحدود السورية ويجب التصدي لهم، مما يجعله القوى الشرعية الوحيدة للتصدي لهذا العدوان بفعل إمساكه بزمام القوى العسكرية.

5. نظام الأسد طمس الثورة السورية منذ بدايتها بالقوة أولًا، ومن ثم التعهد بوضع إصلاحات جديدة في الحكومة والقضاء على الفساد، وهذه نقطة تحسب له كرجل عسكري لجأ منذ البداية للقوة التي ما زال يستخدمها ضد العزل.

إن كانت سوريا في فترة حكم الأسد وصلت لحدود الاكتفاء الذاتي وعدم الاتكال على الإعانة الخارجية، فإن النظام السوري منذ 20 عامًا أذاق شعبه الويل وكان الحكم بالقوة، هذا الحكم أتى موصولًا من خلال الفترة التي حكم بها الأب، والعمل بطابع الملوكية وتوريثه العرش.

الثورة السورية كانت وستبقى، ومن حق من خرج من دياره العودة، ولو بعد ألف عام، وان كانت هناك نهاية فإن الشعب السوري سيكتب خاتمتها.

السودان

عمر البشير من ارتكب جرائم ضد الإنسانية، وضد أبناء شعبه 30 عامًا في الحكم، وإن كان الشعب السوداني أخطأ باستفتاء الانفصال، إلا أن وضع عمر الشير أمام المحكمة الجنائية الدولية لا يشفع له أمام شعبه الغاضب، خاصة بعد التفاف الجيش حول الشعب، وتصريحات الجيش وقادته دائمًا أن السيادة في يد الشعب، أي إن الجيش ذاته يعلم جيدًا ما يمكن أن يحدث في حالة عدم تلبية طلبات الشارع، وربما الأثر الذي تركته ثورتا مصر خلال أقل من عامين خير دليل على ذلك.

أسباب الثورات العربية:

إن اختلاف الرقع الجغرافية التي حدثت بها الثورات العربية لا تدعو بالضرورة إلى اختلاف أسباب الثورة، وإن اختلفت الطرق فالهدف واحد، وهو سمو الدولة وسيادتها ضمن مبدأ العدل، ولعل الأسباب المشتركة للثورة تندرج من خلال ما يلي:

1. الفساد: إن الفساد لا يطال فقط أنظمة الحكم، بل يطال أبناء المسؤولين، والشركات الخاصة والاحتكارية، التي انبنت عليها الدولة، وجعلت من دون كفاءة مساويًا للكفاءة.

2. القوانين الاستبدادية: الفترات الطويلة التي حكم بها الحكام المخلوعون جعل لديهم القدرة على التغيير في القوانين الداخلية، وفق ما يخدم مصالحهم الخاصة، والتي تصب كلها تجاه حرمان الشعب من أبسط حقوقه، وهو الحياة.

3. عدم استغلال التطور: بعض الأنظمة العربية التي حدثت بها الثورات العربية ما زالت تعيش في العصور القديمة، استغلال التطور، ولا سيما التكنولوجي، كان من شأنه تخفيض حدة تلك الثورات وليس إنهاءها.

4. غياب الديمقراطية: فما بني على باطل لا يقع إلا على من بناه، الفترة الأولى للرئاسة كافية، فلماذا حب الكرسي ينهينا عن حب الدولة؟ غياب الديمقراطية في المناطق المذكورة سابقًا كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى إشعال فتيل الثورة.

5. الفقر: العديد من الدول التي قامت بها الثورة تحتل مراكز عالية بمعدل الفقر بها، مما جعل من لا يملك يطالب من يملك ويتجبر عليه.

6. البطالة: بين كافة الفئات العمرية والجنسية غير متوقعة، خاصة أن معدل البطالة لدى الشباب في هذه الدول تجاوز المتوقع، أين العدل؟ فالثورات قامت بسواعد شبابها، والمطالبة بمحل لهم على الساحة حق وواجب على الدولة الراعية، من بقي في منصبه ولا يقدم شيئًا، لماذا يبقى؟

7. البحث عن الحريات والحقوق المفقودة منذ زمن على حد تعبير الشارع العربي.

الجيش الضلع الحاسم في الثورات العربية

بغض النظر عن قوة الشارع العربي، خاصة في الدول التي نصبت بها الثورات، في رأيي لم يكن لهذه الثورات أن تنجح في الحالة التي لم يتدخل الجيش بها، فنجد الجيش العامل الحاسم وشبه المشترك في حسم غضب الشارع والإيقاع بالنظام الحاكم.

لماذا الضلع الحاسم؟ ولماذا هذه الثقة والعلاقة المتبادلة القوية بين الشعب وقوات دفاعه الأولى؟

هذا التساؤل من الممكن الإجابة عنه من خلال النقاط المهمة التالية:

أولاً: إن النسيج الذي يتمتع به الجيش فريد من نوعه؛ فلا نجد منزلاً من منازل الثورة، أو عائلة منها إلا ويوجد لديها ابن في الجيش، وهذا ما شكل لدى أفراد الجيش واجب الوفاء للدولة والعائلة، والتعهد بعدم المساس بسيادتها.

ثانيًا: يشكل الجيش القوة الضاربة للدولة، وثقة الشعب بجيشه عمياء؛ فهو الحامي الوحيد والمدافع عن كرامته، بالإضافة إلى امتلاكه القوة العسكرية الضخمة، والتي تمكنه في حالة تدخله من فض أي نزاع داخلي.

ثالثًا: إن الدول العربية كانت تحت وطأة الاستعمار، ومن جلب استقلال هذه الشعوب هم الأبناء الذين انخرطوا في القوة العسكرية المنظمة للدفاع عن شعوبهم من الذل والهوان، مما خلق فكرة راسخة لدى الشعوب ولدى الجيش بحد ذاته، قوامها الجيش هو الشعب والشعب هو الجيش، وهذا ما نجده جليًّا في الثورة المصرية على حسني مبارك، وعلى نجاح الاحتجاجات في الجزائر ودفع الرئيس بوتفليقة على التخلي عن منصبه رئيسًا للجمهورية، وما يدفع هذا الرأي ما يحدث في سوريا الآن، فالقوة العسكرية ملتفة حول الرئيس بشار الأسد وتدعم شرعيته، فالتشبث في الجيش ودعوته للتدخل من قبل المحتجين أصدق مثال على ذلك.

رابعًا: الأهم مما سبق؛ فغالبية الدول التي قامت بها الثورات والاحتجاجات تحتوي في دساتيرها على ما يخول للجيش إمكانية التحكم في زمام الأمور وحتى الوصول إلى العزل، في حالة تفعيل وضعية الطوارئ، ويجعله الأمر الناهي في بعض المواضيع الحساسة، والتي من شأنها تهديد وحدة الدولة، وهذا ما نجده في كل من الحالة المصرية، والجزائرية، والليبية.

إن ما سبق طرحه في الموضوع لا ينبئ عدم تدخل جهات غير رسمية، وتورط أيد وقوة خارجية في إنجاح بعض هده الثورات ودعمها، ولكن يبقى الحكم الأخير هو الشارع ونبضه، فما يريده الشعب أقوى بكثير من أي قوة على الأرض.

ونتيجة لما سبق فإن الثورات العربية كانت تهدف إلى التغيير الجذري في سياسة الدولة تجاه رعاياها، ودفعها للعمل بما يخدم مصلحة الكل المتوحد، وليس الكل الشخصي «الفئة الحاكمة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

إسقاط النظام.. وإشكاليات المثقف
شارك 42
منذ 3 شهور
علوم الثورة
هل يمكن أن نعيش بلا دولة؟!
شارك 120
عربي
منذ 4 أسابيع
العسكر العرب.. ظالمون ومظلومون!
شارك 3
الربيع العربي
منذ 4 شهور