مَنْ فاز بتركيا؟ كلمة حُسم في أمرها، وهللَّ لها أنصارها، وأحجم عنها منتقدوها. ربما لا يهم مَنْ فاز، بقدر كيف فاز؟ وبكم فاز؟ ولماذا فاز؟ هي تساؤلات قيل إنها تحدد حجم الأمم، وكأن ما حدث بتركيا قال لنا بالحرف الواحد، هكذا تُقاس حدود الوطن، فالتاريخ أصبح يُحسب بعدد القفزات والاستحقاقات الفاعلة، ويثُمّن بمَنْ تزعموه وقادوه؛ لتحقيق المجد الخالد، ومدى استمراريته في حاضر الأيام، وتتجدد الرؤى مع ترسخ الوعي بثقل الانتماء، والعمق الحضاري لأبناء الوطن الواحد، وتَبنّي خطاب يلائم الواقع، ويدرك أبعاد المحيط، تاريخ ينوء بنفسه عن ممارسات الإقصاء والتهميش والشوفينية والاتكالية، تاريخ لا يتصنع الوفاء، ويدس السم في مربط الخيل، تاريخ يستلهم من عظمة الأولين كيف ستكون المرحلة القادمة.

ولعل «أردوغان» أدرك أن المجد لا يتأتى بعيدًا عن حب الشعب وخدمته، وليس باستغفاله، وخدمة أجندة أو مزاجية ما، فجسد طموحًا وحلمًا فحين ترى شعبًا برمته ينتخب، مُسجلًا واحدة من أعلى النسب، تدرك أن هناك أمرًا على غير العادة سيحدث، والعبرة قد لا تكون بالأرقام، بقدر ما تحمله من دلالات لإرادة جارفة بتغيير الواقع للأفضل، وتقرير للمصير بمحض الإرادة، وأن يشهد لك معارضوك بالديمقراطية، هي حتمًا ثقافة أمة، وضربة قاسمة في كل مشكك بعدل من نَسَبَ نفسه للإسلام، وقيمة الإسلام بحد ذاته، وليس فقط للشخص المنتسب له، فقيمة المرء تعرف من نسبه.

وفي ظل هذا المشهد نتساءل نحن قاطني العالم المتقادم، كيف السبيل لرؤية شيء مشابه عندنا؟ وكيف يمكننا صياغة محيط تنافسي هكذا موالاة ومعارضة؟ وهل نكتفي بالتهليل والتصفيق والتطبيع والمداهنة وبيع الذمم؟ وهل يمكننا أن نستورد ما حدث مع جملة الكل شيء المستورد؟ أم أن هذا بُعد آخر وعلم آخر ونكتفي باستيراد ما يؤكل فقط، ونمني النفس بالهرب إلى موطن الأيام التي قيل عنها إنها دول؟

فحقًا مَنْ فاز بتركيا؟ أو إن صح التعبير مَنْ انهزم في دولة العثمانيين الجدد أو ما أُطلق عليها الجمهورية الثانية؟ يبدو أن الأمر أكبر من مجرد استحقاق محلي، وأن مصير تركيا أصبح يؤثر بطريقة غير مباشرة، وأحيانًا مباشرة في سياسات محيطها؛ بأنها أخذت مكانة لنفسها، ولعل ما حدث في انتخاباتها الأخيرة هو دلالة على إعلانها لمضيها في إنشاء إمبراطوريتها التي يمني أحفاد أرطوغل أنفسهم أن يؤرخوا لعظمتهم من جديد، والذي يبدو أن ما تحمله أمانيهم من ثنايا هو تحدّ صارخ للعلمانية المتجذرة من أيام «أتاتورك»، الذي حاول طمس معالم الانتماء الإسلامي لها هذا قبل قرابة قرن من الآن، حين حارب الإسلام وألغى كل مظاهره من الممارسة والتواجد، مرورًا بإعدام «مندريس» الذي حاول إعادة بعض مما فُقِدَ، وكذا مرورًا بانقلابات عسكرية زادت من بلة الطين العفن بها؛ الأمر يتطلب دراسة تحليلية عميقة، نعود فيها إلى كيف كانت تركيا قبل عقدين من الزمن على الأقل؟ مِنْ عُملة أوراق إلى أقوى الاقتصادات، من دولة قذرة إلى أنضف البلدان، من شعب متكاسل إلى شعب يحب العمل ولا يكل الأمر، يتطلب فعلًا الوقوف عنده، ومن جهة أخرى نرى تركيا تفتح أذرعها لكل واحد، وكأنها تريده أن يُعاين بنفسه التغيير، وتتحول لملهمة كما كانت في القدم، فحقًا مَنْ فاز بتركيا؟!

مَنْ فاز بتركيا، العالم الغربي أم نحن المتقادمون؟ فلا ينكر أحد أن تركيا أصبحت تعني الكثير للدول العربية والإسلامية سياحيًّا ودينيًّا، فهي الوجهة رقم واحد بامتياز للسياحة، ولاستقبال أكبر الملتقيات الإسلامية والفكرية، وفي نفس الوقت تعتبر الحصن الحصين لأوروبا باعتبار الحاجز بينها وبين بؤر التوتر، تركيا التي أصبحت تجمع المتناقضات على حد سواء، فكما هي تنتمي جغرافيًّا لأسيا وأوروبا فهي تنتمي سياسيًّا؛ لتنوع علاقاتها مع الغرب والشرق، بانتمائها لحلف الناتو، وعلاقاتها مع دول شرق أسيا، وشمال أفريقيا، وروسيا؛ هذا ما سيجعل منها رقمًا صعبًا مستقبلًا، وما سيزيد من حجم تحدياتها، فَمَنْ سيفوز بتركيا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد