أرسل الله أنبياءه؛ ليكونوا منارة لأقوامهم، وطريقًا يهتدون به إليه، وإلى معرفة إنسانيتهم، ولم يخل قوم من مصلحين اتبعوا نبيهم، وعصاة حاربوه، ووصل الأمر – كثيرا – لمحاولة قتلهم، وورث القادة المصلحون على مر التاريخ من الأنبياء وأتباعهم الصبر والكفاح؛ من أجل مطالبهم، وورث الطغاة من العصاة الكافرين ضغيانهم وانعدام الإنسانية عندهم.

وقد أرسل الله نبيه موسى؛ لينقذ بني إسرائيل من العبودية والإذلال، ويخرجهم إلى أرض جديدة؛ ينعمون فيها بالعدل والحرية وعبادة الله، وتوالت الأحداث بإعراض فرعون وجنوده عن دعوة نبى الله موسى، ووصل الأمر في نهايته إلى غرقهم، وعبور بني إسرائيل إلى الأرض الجديدة، وإنقاذ الله لهم.

لم يمت فرعون فى قلوب بنى إسرائيل، وإن رحل جسده، وغرق وجنوده أمام أعينهم ، لكن صورة الإله الظاهر لم تفارق مخيلتهم، حتى ذهب موسى أربعين ليلة للقاء ربه، هنا انتهز السامرى الفرصة؛ ليخلق لهم ما يريدوه، إلهًا مرئيًا بينهم، لم يكن لدى العجل أى مقومات للألوهية، ولا أية صفه تؤهله لأن يُعبد من دون الله، فلا هو خلق شيئًا، ولا حتى استطاع خلق نفسه، ولكنه وجد ضالته ووجد عبيده، المشكلة لم تكن – يومًا – فى العجل، وإنما في أتباعه الذين رضوا بأن يكون العجل ربهم، كما أن السامري كانت لدعايته عن عجله الذي صنعه تأثيرًا بالغًا في حصد تأييد الناس لإلههم الجديد.

كثيرون من بني إسرائيل لو سألتهم – حينها – عن إيمانهم بكون العجل إلهًا من دون الله، ربما لن يجدوا جوابًا يردون به، ولكن أين من يتبعونه؟ فنبيهم موسى غائب، ونائبه هارون لم يبد معارضة قوية في وأد الفكرة وصاحبها، وإنما اكتفي بالنصح والتحذير، الخوف من تفرقة بني إسرائيل، والخوف من التأثير السلبي لمواجهة السامري، أديا في نهاية المطاف إلى كارثة أسوأ وهي الكفر. قد يكون الإصلاح الهادئ وسيلة هادئة لا تنبع منها مشاكل لكن أن تظل هادئًا طوال الوقت يعنى أن يستغل عدوك هدوءك، ويفرض عليك قبل غيرك شروطه وأوامره، وهكذا كان نبي الله هارون معرضًا عن المواجهة، لكنها أتت له في النهاية، وتسبب صمته في كارثة.

 

كان صمت هارون في قضية العجل كفيل بأن يجعل بني إسرائيل يتبعون السامرى، لكن ماذا بعد عودة النبي المنقذ المسيطر على قومه؟ ربما جال هذا السؤال في خاطر السامري حينها، ولذا نجد أن السامري لم يعتمد إلى تشويه النبي موسى؛ حتى لا يفقد مصداقيته، ولا مصداقية العجل بين أتباعه، اختار السامري أن يتهم موسى بالنسيان، فقط النسيان كشيء طبيعي، ربما يصيب أي إنسان، ولم يتعمد إلى تعجيل المواجهة بينه وبين نبى الله موسى، قبل أن يسيطر على عقول قومه أولًا، إننا لا نحارب موسى، ولسنا في معركة ضده، وإنما نذكره بما نسي «وقال هذا إلهكم وإله موسى فنسي».

صمت هارون تسبب فى تجرؤ السامري، وجعل مهمته فى إقناع قومه بالعجل أسهل وأيسر، كما أن مكانة هارون لدى قومه لم تكن كمكانة نبي الله موسى عندهم، فموسى يُنظر إليه أنه منقذهم؛ فبإرسال الله له أنقذهم من فرعون وبطشه وظلمه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، والعدل والحرية، وكلها مقومات نجاح لموسى في أية مواجهة، لذا عمد السامري إلى الهدوء والتعقل في التعامل معه.

كان السامري على استعداد لأن يضحي بالغالي والنفيس في سبيل مصالحه، وهذا ما علمه نبي الله موسى عند عودته، فلم يتأن حينها في التعامل معه ومواجهته بقوة وحرق إلهه، ولم يعمد موسى إلى الهدوء والصبر وسياسة النفس الطويل؛ لأنه يعلم أن السامري لن ينتهي إلا بالقضاء عليه وعلى إلهه.

ربما هلك السامري، لكن الدنيا خلّفت وراءه مليون سامري، وانتصر نبي الله موسي بقوته وحكمته، ثم اعتماده على الله، ولم ينتصر بالخضوع والتسليم والتواكل على الله، وتعلم نبي الله هارون من لوم موسى له، وجرّه من رأسه إليه، وإلقائه للألواح، كيف يكون الحزم أحيانًا مطلوبًا في مواقف كثيرة، ولم يخل – بعدها –  بنو إسرائيل من جدالهم وسخافتهم.

تعلم إعلامنا من السامري كيف يصنع لنا من العجل إلهًا، وتعلمت ثورتنا من موسي كيف أن الحق بدون قوة وحزم كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، وتعلم الإخوان من هارون الهدوء والصمت الطويل الذي قد يقضي علي آمال وطن، ولم يتعلموا بعد منه ما تعلمه هارون من موسي، وتعلمنا من بني إسرائيل كيف نكثر الجدل، ونضع للسخافات منطقًا، وكيف نسلم عقولنا بمن يرتضي لها العجل إلهًا، لكن موسى قادم في النهاية على أية حال!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد