دائمًا ما كنت أسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم “من غشنا فليس منا” منذ أن كنت في المرحلة الابتدائية وحتى وصلت إلى المرحلة الجامعية, تحديدًا في فترة الامتحانات من كل عام دراسي, فاقتصر عندي معنى الحديث على أن من ينظر في ورقة من يجاوره في الامتحان لسرقة إجابته, ونسخها في ورقته كإجابة لسؤال يجهل إجابته فهو غشاش “ليس منا”. ومع مرور الوقت أدركت المعنى الأشمل لمفهوم الغش والتطور غير الطبيعي له في جميع المجالات, وأن نسبته تختلف من مجال لآخر ومن شخص لآخر لكن إمكانية وجوده أكيدة. لن أغوص في وحله عامة ولكن سأنتشل منه قبضة واحدة. أعتقد أنها سبب في جزء لا بأس به من وجود هذا الغش أو الوحل بشكل عام.

إذا نظرت إلى منظر طبيعي جميل ستستمتع عيناك به, وإذا سمعت صوتًا عذبًا فإنه سيمتع أذنيك, وإذا اجتمعا معًا ستسر نفسك وتبتهج روحك, وإذا اجتمعا معًا في قالب درامي رومانسي أو كوميدي أو أكشن, ليست روحك فقط التي ستتأثر بما تشاهد أو تسمع, ولكن عقلك الواعي أيضًا سيعمل ويفكر فيما ترى, وإن كان من يقوم بهذه الدراما محببًا لك, سيتفاعل أيضًا عقلك الباطن, وستتأثر بمشيته وجلسته وأسلوب حواره وضحكته، وربما أيضًا بكائه.

هناك من يستغل كل ذلك ليعيث في العقول فسادًا. جميعنا نعرف خطورة التدخين وأنه يسبب الوفاة على المدى البعيد. توجد أيضًا بعض المسلسلات والأفلام التي لا تقل عنه خطورة؛ فالأول يدمر الصحة والثانية تدمر الأخلاق, وكلاهما لم ينتفع منهما أحد إلا من ينتجهما. تبث هذه الأفلام أساليب شديدة الابتذال ومفاهيمَ سامة في عقول من يشاهدها, بعرض أفكار ركيكة, مثل البطل الذي يعاني من ظُلمة الظلم أو الفقر ولا طريق للخروج منها إلا بظلماتٍ أشد عتمة, إما التطرف الديني أو الانحراف الأخلاقي أو البلطجة, بحجة نقل الواقع كما هو, ورؤية سلبياته والشروع في إصلاحها, وأن الفن صناعة مثل أي صناعة وإن كان أهمها, وأنه عمل إبداعي يحق لمن يعمل به أن “يبدع” كيفما يشاء. ومهنة يتقاضى كل من يعمل بها أجرًا من أبسط عامل, حتى أكبر مُخرج.

هناك أيضًا بعض البرامج القائمة على إثارة المشاهد فقط, بعرض جرائم القتل والسرقة والاغتصاب وغيرها, بشكل درامي مفصل حد التقزز, وكلما زادت وحشيتها كان أفضل. ولا تقل مدة العرض عن ساعة أو ساعتين وأحيانًا أكثر, مع مشاهد متقطعة للمتهم بعد القبض عليه متفرقة بين مشاهد الجريمة يعترف بها للمذيع ويبرر له, مع استخدام المذيع أسلوبًا تهكميًّا, وتجد في تعليقه على الجريمة نبرة تهديد أراد أن تبدو قاسية للمشاهد, في إشارة هزيلة له أن كل من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الحماقة فإنه سيلقى نفس المصير. ومع ذلك فإن نسبة الجرائم التي على شاكلة ما يعرض في هذه البرامج ووحشيتها تتناسب طرديًّا مع نسبة عرضها, ولا عجب في ذلك، وعلى الجانب الآخر تقوم هذه البرامج بمساعدات لعلاج مجموعة من الناس قد مضغهم الفقر حد المرض.

أرى الكثير من الناس  يشتكون من هذه البرامج سابقة الذكر وينتقدونها حد السب, لكن مع ذلك يحرصون على مشاهدتها مثلما يحرصون على مشاهدة مباريات المنتخب المصري أو أشد حرصًا. وهناك الكثير من الناس أيضًا يغضبون ويثورون على بعض الأفلام السنيمائية, ويطالبون بإزالتها, ثم يضربون بعضهم البعض أمام شباك التذاكر للحصول على تذكرة لدخول أحد هذه الأفلام, أو يشاهدونها فور نزولها “مسروقة” على إحدى القنوات رديئة المستوى مجهولة الهوية. وأرى الكثيرين أيضًا ممن ينتقدون المسلسلات وخاصة في رمضان لجرأة حوارها ومشاهدها أحيانًا, نقدًا لاذعًا يصل إلى حد الهجوم, لكنهم يحرصون على مشاهدتها وكأنها من العبادات الخاصة برمضان التي لا تأتي إلا كل عام.

سمعت ذات مرة مذيعة تسأل إحدى الفنانات, يشتكي بعض الجمهور من جرأة دورك في مسلسلك هذا العام, وخاصة أنه يعرض في رمضان. فأجابتها قائلة من لم يرد أن يشاهد حفاظًا على صومه فلا يشاهد. ومرة أخرى سمعت الكثير من مقدمي البرامج يقولون ردًا على انتقادات وجهت إلى برامجهم أن الجمهور لن يشاهد هذه البرامج إن لم تعرض هذا المحتوى المثير وبالتالي لن يستطيعوا جمع التبرعات لعلاج المحتاجين. وكثيرًا ما نسمع من المنتجين أن العمل الذي يحتوي على قيم فنية وأخلاقية لا يصمد كثيرًا أمام سيل الأعمال الفارغة التي تنافسه “تجاريًا” داخل السوق الفني. لذلك حين أقوم بإنتاج عمل ذي قيمة فلا أعد منتجًا فنيًّا بل متبرعًا فنيًّا, لأن أموالي تذهب ولن تعود.

إذا أمعنا النظر قليلًا نجد أن لدينا مشكلتين, الأولى هي أن الميديا ترى أن المشاهد هو الذي يفرض عليها أنواع الأعمال الفنية التي تقدمها, بدليل أن الأعمال القيمة لم تحقق نجاحًا جماهيريًا “ماديًا” مثل نقيضتها من الأعمال.

والثانية هي أن المشاهد يؤكد أن الميديا هي التي تتحكم في ذوقه وتفرض عليه هذا النوع السيء من الفنون, وأنه يلجأ إليها لعدم وجود بديل جيد.. إلا فيما قلَّ.

أعزائي القائمين على صناعة الفن, ليس من النبل أنه للحفاظ على صناعة الفن, أن ننحدر به إلى ما بعد القاع تحت مسمى ما يطلبه المشاهدون, أو “المسوقون”. الفن صناعة إبداعية.. نعم. يجب أن يكون مرآة للواقع.. نعم, لكنه أيضًا يساهم في صناعة الواقع بشكل كبير وسريع إما إيجابًا أو سلبًا.

أعزائي مقدمي البرامج, ما تقومون به من خير لكم عليه الأجر والثواب, لكن ليس من البر أن نستغل تدمير عقول الكثيرين من الأصحاء للمساهمة في علاج ومساعدة الضعفاء والمحتاجين, منطق “أتبع السيئة الحسنة تمحها” غير مناسب هنا.

عزيزي المشاهد الكريم, ليس من العدل أن تشاهد وتستمتع, ثم تنقد وتهاجم. أو بمعنى أصح لا طائل من ذلك. ما دمت شاهدت فهذا يعني أنك مساهم في نجاح هذه الأعمال وإنتاج مثلها مرة أخرى. إما أن تُقبل وإما أن تُعرض, لا أعني الإعراض عن المشاهدة ككل لكن الإعراض عن الخبيث ومشاهدة الطيب ودعمه، لأنه ليس من الطبيعي أن أكثر عمل يهاجم هو أكثر عمل يحصل على أعلى نسبة مشاهدة!

وأخيرًا لا أعلم من يغش من. هل الميديا هي التي تغشنا, وتشكل ذوقنا دون أن نشعر؟ أم نحن الذين نغش أنفسنا بإظهار الرفض, وإضمار القبول؟ أم الاثنان معًا؟ إن كان الأول فهذا سيء, وإن كان الثاني فذلك أسوأ, وإن كان الثالث فكل السوء سواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السينما, الفن
عرض التعليقات
تحميل المزيد