كلنا نَعِي جيدًا أن أول خطوة في الدواء هي تحديد الداء، ولا خلاف في كَوْن لكل داء دواء مختلف تمامًا عن داء آخر، ولربما آل اتباع دورة علاجية خاطئة إلى تفاقم الداء بل وظهور آخر.

قال سيدنا الشيخ الشعراوي يومًا «الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد»، تمكننا هذه المقولة من استخلاص تعريف ديناميكي سَوِيٍّ للثورة؛ إذ هي فساد، ثم اضطراب يهدمه، ثم هدوء وبناء. وإذا تعاملنا مع الفساد على أنه داء يستلزم العلاج؛ فأول خطوةٍ في علاجه (أو هدمه كما يَنُصُّ التعريف) هي تحديده، تعريف شكله وتفصيله، الوقوف على أبعاده وإطاره العام، وإذا لم نُوَفِّ هذه المرحلة حقها كاملًا قد نضطر إلى القول بأن جُلَّ ما يحدث خارج عن سياق «الثورة»، أو ربما هي ثورة ولكن بتعريفها اللفظي المجرد الذي لا يرتضيه عاقل.

وإذا نظرنا إلى أسباب قيام الثورات على مر التاريخ، يمكننا تقسيمها إلى قسمين، أهداف رئيسية محددة المعالم وقائمةٍ على فكر وأيدولوجية واضحة، وأعراض تفصيلية تشعل شرارتها كالفاقة والمرض والجهل وما إلى ذلك، كالثورة البلشفية التي كان هدفها الرئيسي إقامة دولة اشتراكيةٍ، وأشعل شرارتها أحوال البلاد حينها من دمار اقتصادي واجتماعي. و«ثورة 25 يناير» جَلِيَّةَ الأعراض التي لطالما ندد بها المتظاهرون والمتحدثون السياسيون، لكن ما هي أهدافها الرئيسية المحددة؟! هل كانت ثورة ليبرالية أم إسلامية أم غير ذلك؟! ودعك عزيزي القارئ من الشعارات الرنانة القائلة «هي ثورة شعب بأكمله»، وحتى إذا افترضنا أنها ثورة الشعب بأكمله، فما هي الأهداف الواضحة التي أرادها الشعب من وراء تلك الثورة واتفق عليها كل من نزل في الشوارع والميادين، ها قد سقط رأس النظام كما شهدنا، ثم أما بعد؟!

وإذا أغفلنا عقولنا عن سالف ما ذكرتُ، وسلمنا بكون الأحداث «ثورة» بتعريفها الاصطلاحي الذي اتفقنا عليه، فهل سَلَكَ الاضطراب الذي حدث في البلاد مَسْلَكًَا طبيعيًا للثورات؟ هل سقط «النظام» كما هتف الناس؟ هل سقوط رأس النظام يُعَدُّ تحقيقًا للهدف الذي اعتنقه المتظاهرون بسقوط النظام؟! إن كان جوابك بالإيجاب فَأَظُنُّكَ بِحاجَةٍ لإمعان النظر أكثر، وحساب الأمور ومجريات الأحداث حسابًا منطقيًا بمنظور شامل غير مجرد. انظر من حولك لما كان قبل عام 2011 وما هو موجود الآن، هل الفرق كبير؟ هل هناك فرق أصلًا؟!

أما ما بعد «الثورة»، فحدث ما شئت ولا تخجل، فها هو الهدوء يطبع قبلة حانية على جبين كل مواطن في اليوم مرة أو مرتين، وذاك الاستقرار يَهُبُّ نَسيمُهُ كل صباح راسمًا لوحةً فنية بديعة تلتمسها في بسمات لا تنقطع على وجوه الخلائق حولك، وتلك الأمجاد تقول رفقًا بي لا أطيق كَفَى!

مشكلتنا نحن العرب أننا بارعون جدًا في التصفيق لكل ما هو بعيدٌ عن ذواتنا، تثيرنا الشعارات الرنانة بغير فحوى واقعي منضبط يؤيده العقل والفكر، فالليبراليون يريدون ديمقراطيةً بشرط ألا تجلب الإسلاميين للحكم، والإسلاميون يريدون ديمقراطيةً بشرط أن تحقق لهم حكمًا إسلاميًا (مع يقينهم بتنافي الديمقراطية مع بعض حيثيات الحكم الإسلامي)، والشعب يريد تغييرًا وديعًا لا صبر فيه ولا عناء!

الدواء في إصلاح أنفسنا أولًا، لن يتغير حالٌ ولن تقوم لنا قائمة ما دمنا متناقضين لا نعرف لأنفسنا أهدافًا سوية واضحة، يمكننا إيجاز ذلك في قول أننا بحاجة للقيام بثورةٍ على أنفسنا أولًا، ثورة تبني فكرًا وعقيدةً سليمين قادرين على بناء الأوطان، حينها نستطيع أن نُحدِثَ «ثورة» وطنية إصلاحية هائلة، تعيد لنا بلادًا وأمجادًا كم قرأنا عنها في كتب التاريخ وحدثنا عنها أساتذة المدارس. عزيزي القارئ، أذكرك بقول الله جل وعلا: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد