حظ عاثر

تجلس أيها المسكين بالساعات غارقًا في الأفكار، محاولًا أن تمسك بمجريات الأمور وما يحدث في الحياة من تغيرات كي تصل إلى قانون يحكمها، حتى تجدك وقد ضللت الطريق معلنًا أنه لا قانون ثابت يحكمنا.

عارضة

يمر شيكابالا بالكرة واحدًا تلو الآخر، الجماهير تهلل في المدرجات وأمام الشاشات منتظرة التصويبة الآخيرة للكرة التي من المؤكد أنها ستحتضن الشباك، لكن ما الذي حدث؟ يمر شيكابالا ويضع الكرة من فوق الحارس ويتأهب للاحتفال، لكن ترتطم الكرة بالعارضة ويصطدم الحلم بالحظ ويضيع هدفًا كان سيعد من أجمل الأهداف، يتحسر شيكابالا والجماهير وعشاق الكرة بوجه عام.

ضربة حظ بقدم فنان.. رادس 2006

انتهى لقاء الذهاب بالتعادل هدفًا لهدف، الفريق التونسي يكفيه الخروج بالتعادل السلبي أمام المارد الأحمر، العديد من الفرص الضائعة هنا وهناك، اللقاء يوشك على النهاية، الجميع يتأهب للحزن والفرح، فقط بضع دقائق وكرات بائسة يرسلها دفاع المارد الأحمر نحو منطقة جزاء الفريق التونسي لكن دون جدوى، حتى تلك اللحظة كل شيء كان منطقيًّا، لكن ما الذي حدث؟ كرة مرسلة من الدفاع الأحمر لا تعرف لها اتجاهًا ترتطم برأس أحد المهاجمين عائده إلى قدم لم يعتد صاحبها اللعب بها، لكنه وجد نفسه يركل الكرة بكل قوة لتسكن شباك الفريق التونسي، أبو تريكة يعلن عن نفسه ويعيد الأهلي للأمجاد الأفريقية التي سوف لن تتوقف بعد تلك التصويبة.

تعثر معتاد

كان من الصعب على البرازيليين تقبل الأمر، التاريخ يقول لنا ذلك، لكن ربما هزيمتهم القاسية من الألمان سوف تقلل من حدة كراهيتهم للأرجنتين، الفريقان يدخلان اللقاء النهائي وقد بذلا ما في وسعهما كي يصلا إلى هنا، الألمان قدموا كل شيء وراقصو التانجو لم يكونوا بالشكل الأمثل في المباريات السابقة لكنهم عبروا، الغريب أنهم اليوم كانوا الأفضل والأقرب والألمان لم يكونوا على ما يرام، يجد هيجواين نفسه منفردًا بالمرمى لكن الحظ الأرجنتيني يمنعه من الهدف، جوتزة يعاقبه بهدف مباغت ينهي به طموح راقصي التانجو وميسي في الحصول على اللقب العالمي، ميسي الذي قرر بنفسه أن يطيح بأحلامه وأحلام شعب كامل بعد أن أضاع ركلة الترجيح في نهائي كوبا الشهير ليكرر الشيليون انتصارهم الدرامي على الأرجنتين، الدموع تنهمر والحظ يأبى أن يبتسم.

نهاية حلم

على المقاهي كنا جميعًا ننتظر محمد صلاح الذي رأينا فيه حلم طفولتنا، فجميعنا يحلم بأن يحترف الكرة ويواجه أكبر فرق العالم ريال مدريد فما بالك وقد أصبح الحلم واقعًا، بداية اللقاء كانت تسير على النحو المطلوب ونجمنا يلمع ويبرز ويهدد مرمى الملكي، لكن سرعان ما يتدخل الحظ ليغير وجهة الأحداث، عرقلة لصلاح وإصابة في الكتف يخرج على إثرها باكيًا تاركًا الملعب وقد تبدلت أحواله وانتصر الملكي وانتهى الحلم.

أين القانون؟

تبدو الحياة ككرة القدم، أتعجب أحداثها، فأجدها تنحاز بكل ما تملك من لذات نحو أحدهم تنصفه وتسعده وتستدير بوجهها عن آخر دون قانون أو سبب واضح، البعض يبرهن ذلك بأن الحظ يصاحب المجتهد والبعض يعود إلى الدين، والبعض يقول أنه سوء أو حسن تخطيط، لكن هل رأيتم مثل ما أرى بعض الأماكن لها أيضًا حظ وبعضها لا يملك، الأماكن وهي جماد لا تع شيئًا قد يصادفها سوء الحظ فيشار على صاحبها كما يقال «بتغيير العتبة» وكأن هذا المكان هو سبب النحس أو السعادة.

حظوظ متباينة

أي عمل اقترفه هؤلاء الأطفال القابعون في المخيمات يبحثون عن رغيف العيش لا عن الألعاب، ولماذا يصبح فتًى في العاشرة من عمره أو أكبر قليلًا أميرًا لبلاده يمتلك من الجاه والمال والسلطان ما لا يمتلكه أحد، الحظ وحده أم أن هناك حكمة لا نعرفها.

قد يغير مسارك ضربة حظ، خلطة للدجاج يطلق عليها «الخلطة السرية» أنتجت لصاحبها سلسلة من المطاعم تعد الأشهر حول العالم، على الجانب الآخر يجلس أحدهم بعربته الخشبية الصغيرة يصنع وجبات شهية من الطعام لكنه لم يحالفه الحظ ويعود بالقليل يوميا إلى بيته راضيًا أحيانًا وساخطًا أحيانًا.

هل تغيرت المعايير؟

من يحدد الأذواق ومن يقبل الحظ أن يكن له صاحبًا، حتى يصادفنا كل فترة أحد من الشباب أصحاب العقول الفارغة ليفرض على المجتمع أفكاره أو بالأحرى تفاهاته، بل ويرفض أن يوجه إليه سهام النقد هو فقط يريد أن يصاحبه الحظ والشهرة وجمهور من الأطفال، على النقيض تجد أصحاب الفكر والتغيير لا يحالفهم الحظ إلا من رحم ربي وتجدهم بدون جمهور أو قلة منهم، الحظ هو المتحكم في عالمنا أم انحطاط الذوق العام أم ماذا؟

في كرة القدم ينظر العالم للنتيجة النهائية ويتجاهلون الأحداث، في الحياة ينظر الناس للأشكال للألوان للملابس للمال ويتجاهلون كل شيء آخر، يتجاهلون قصتك ومحاولاتك وحظك العاثر لا أحد يريد أن يعرف كيف وصلت وبماذا مررت فقط يريدون كما يريد جمهور الكرة، الكرة في الشباك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات