لماذا يستطيل لسان الإعلاميين على الأزهر الشريف وشيخه المكرم- رغم بعده إداريًا عن قضية التفجيرات- ولا يستطيل لسانهم على – بعض المؤسسات الأخرى- رغم أنهم المختصون بكشف ومنع تلك الجرائم؟

والجواب الذي يكاد أن يتفق عليه الأزهريون هو:

لأن الأزهر الشريف وشيخه المكرم ليس لديهم قوة شُرَطية يمكن أن تُكلف بجلد كل من يتطاول عليهما. ولأن الأزهر الشريف وشيخه المكرم ليس لديهم في مبنى مشيخة الأزهر الشريف غرفة مخصصة لسجن المخالفين وتأديبهم. ولأن الأزهر الشريف وشيخه المكرم ليس لديهم إدارة تعرض عليها الملفات التعريفية بالإعلاميين والتي تحدد من يصلح للظهور على الشاشات أو الكتابة في الصحف والمجلات.

يصرخ الأزهريون يدافعون عن أنفسهم؛ فيقولون:

يا سادة والله ليس لدينا أصلاً في جامعة الأزهر كليات شرطية، ولا معاهد عسكرية تعلمنا قواعد التأمين والحراسة، أتريدون منا أن نخلع العمائم ونقف على أبواب الكنائس، وتؤمون أنتم الناس في المساجد!

يا سادة علمونا في الأزهر الشريف أنه لا يلزم من القول بكفر النصارى، ظلمهم أو أخذ حقوقهم، بل علمونا أن الله عز وجل الذي أخبرنا بكفرهم، هو نفسه الله الذي أوصانا بهم خيرًا وأمرنا ببرهم والقسط إليهم.

يا سادة لا يضر الأزهر الشريف ولا غيره من الجامعات أو المؤسسات أن يخرج من بين طلابهم متطرفون، كما لا يضر الجيش أو الشرطة أو غيرهما من المؤسسات أن يخرج من بين جنودهم أو أفرادهم إرهابيون، فلا هذا أخذ التطرف من جامعته، ولا ذاك أخذ الإرهاب عن جيشه أو مؤسسته، فلا تكيلوا بمكيالين وأقسطوا إن الله يحب المقسطين.

يا سادة الخلفية الثقافية والفكرية لجمهور الناس لا يشكلها صرخات الإمام في خطابه الديني يوم الجمعة – والذي سرعان ما ينسى مضمونه، ويضمحل تأثيره مع أول «لطشة» هواء أو أول شربة ماء.

يا سادة الخطاب الديني – والذي يمثله في المقام الأول خطبة الجمعة- أصبح خطابًا موحدًا، يشرف على إعداده مجموعة من العلماء الذين كلفوا بتوجيه الخطاب خصيصًا لمحاربة أفكار العنف والتطرف والإرهاب- حتى مل الناس من تكرار مثل هذه الموضوعات- فكيف أصرخ فيك محدثًا إياك مرارًا وتكرارًا عن حرمة الدماء، وما أن يُسفك دم إلا وتقول لقد سفكه الشيخ الإمام؟!

يا سادة شيخ الأزهر الشريف أطلق صرخات أعلن فيها أن معظم القنوات الفضائية ترفض ظهور علمائه على شاشاتها، فكيف تكممونه ثم تحاسبونه وتحاكمونه على تقصيره في الكلام؟!

يا سادة لا بد من ربط الأسباب بمسبباتها الحقيقية، فتفسير الكثير من الإعلاميين أن حدوث التفجيرات كان بسبب تقصير الأزهر الشريف وشيخه المكرم في تجديد الخطاب الديني، تمامًا كتفسير دوران الأرض حول الشمس بأن ثورًا ضخمًا يجرها، وتفسير مجيء الليل بأن كائنًا ضخمًا وضع يده على عين الشمس، وتفسير البرق والرعد في مصر بأن دونالد ترامب عطس في البيت الأبيض في أمريكا، ومثل هذه التفسيرات لا يلجأ إليها إلا الكسالى الذين يتسرعون في إصدار الأحكام، ويملون التجريب ولا يصبرون على الملاحظة يهلكون أنفسهم وأوطانهم بألسنة حداد.

يا سادة ربما كانت حاجتنا إلى تجديد الخطاب الإعلامي أكثر من حاجتنا إلى تجديد الخطاب الديني، فأسلوب معالجة مشاكل الوطن بالسب والشتم والتهييج سيان كان للأزهر الشريف وشيخه المكرم، وسيان كان للأجهزة الأمنية ورجالها -أيدهم الله بالعدل والنصر ورحم الله أبطالهم- أسلوب عفا عليه الزمن، وليس في حقيقته إلا خلقًا لمعارك جانبية، وتأجيجًا لصراعات هامشية، ولعبًا بجراح الوطن، ومتاجرة بقضاياه.

حفظ الله مصر، وجنبها الفتن ما ظهر منها وما بطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد