«لا أستطيع، ولا أريد أن يكون لدي جنود فرنسيون على الساحل طالما ظل الغموض يلف الحركات المعادية للفرنسيين». كانت هذه فقرة من خطاب الرئيس ماكرون في قمة مجموعة الخمسة: موريتانيا، بوركينافاسو، مالي، التشاد والنيجر، مطلع شهر ديسمبر (كانون الأول).

هل أدركت فرنسا الآن حجم كراهية الشعوب الأفريقية لها بعدما كانت تعتمد في بسط هيمنتها على الأنظمة العميلة والموالية، فقط؟ وهل يمكن لفرنسا أن تعيش دون خزائنها الاقتصادية في حدائقها الخلفية؟

خطاب هرم السياسية الفرنسية، جاء ليدق ناقوس الخطر، بعد تنامي موجة الكراهية ورفض التواجد الفرنسي بكل أشكاله في أفريقيا، ليس العسكري فقط،  بل حتى الإنساني منه في بعض الحالات، بالرغم من أن الإنسانية عادة ما تكون ملفوفة بألغام السياسة.

موجة الكراهية، لكل ما هو فرنسي، والتي بدأت تتصاعد بشكل كبير، وتتسلل تدريجيًا إلى الوعي العام والجمعي للمواطن الأفريقي، لم تأت من فراغ، فواقع الأفارقة المزري يعكس غصبهم على قوة استعمارية كانت ولم تزل سببًا في الجهل والإفقار، وقد تكون ثورة فكرية أفريقية بالدرجة الأولى يغذيها تنامي الإحساس بالروح الوطنية بعد أن كان عالم الغرب، بشكل عام ينسج صورة نمطية للتحضر والديمقراطية ترسخت في ذهنية المواطن الأفريقي.

الشعوب الأفريقية اليوم أو على الأقل أجيال ما بعد الاستقلال، لم تعد كسابقتها الخاضعة بقوة الخوف وسياط الدكتاتورية، فقد أصبحت هذه الأجيال تدرك حقيقة فرنسا، وسياستها الإمبريالية، وتشعر أن فلسفة ديجول وجيسكارديستان لم تزل تحكم أفريقيا سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا أيضًا.

من الناحية السياسية، فرنسا المتحكم الرئيس في بعض أنظمة الحكم الأفريقية، وهي الأنظمة التي أوصلها قصر الإيليزي إلى سدة الحكم بخبرته الطويلة في مجال الانقلابات العسكرية والاغتيالات لكل المعارضين لسياستها (توماس سانكارا أبرز الأمثلة). حيث تدير دواليب الحكم عن بعد، أو بشكل مباشر، في دول تعتبرها ضيعات، والتي عادة ما تكون محكومة من طرف عسكريين أفارقة تخرجوا من مدارس ومعاهد عسكرية فرنسية، وولاؤهم أولًا للثروة قبل الوطن، وللاحتلال ثانيًا.

ولضمان استمرار سياستها الاستغلالية تعمل على ترسيخ التوريث السياسي لسلالة هؤلاء الموالين (الجابون مثلًا). وفي حالة الاستحالة فإن فرنسا تتغذى من عدم الاستقرار في أفريقيا، وتعمل على خلق بؤر التوتر، تصنع الإرهاب وتموله، وتتخذه ذريعة لتواجدها العسكري. لذلك لم يعد الجندي الفرنسي الذي يضع القبعة الزرقاء، تحت عباءة الأمم المتحدة، ذلك المنقذ المفترض من الإرهاب، بل أصبح هو نفسه هدفًا محتملًا، ليس فقط من طرف الجماعات الإرهابية التي تنشط في الساحل والصحراء، ولكن أيضًا من طرف المواطن الأفريقي البسيط الذي بات يعتبر الوجود الفرنسي رمزًا للإرهاب في حد ذاته، ولم يعد ملزمًا بالتعاون معه تحت يافطة مكافحة الإرهاب.

ظاهرة رفض الوجود الفرنسي تنامت بشكل كبير، خصوصًا بعد رفض الأفارقة  التعامل مع الفرنسيين، حتى وإن كان في مجال مكافحة الإرهاب، على اعتبار أن فرنسا لم تزل تتعامل مع الشعوب الأفريقية كمستعمرات خاضعة لسياسة الإيليزيه، الأمر الذي تجسد بشكل جلي حين تم ضبط جنود فرنسيين في مطار مالي كانوا بصدد تهريب كمية كبيرة من الذهب في صناديق أسلحة. وحين تم استجوابهم كان رد جنود القبعات الزرق الفرنسيين هذه أوامر الإيليزيه.

واقعة المطار هذه قد لا تكون الأولى، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، ولكنها جسدت الروح الوطنية العالية لدى صغار الضباط الأفارقة، والإحساس بحماية ثروات الوطن، حين تم بحجز كمية الذهب المنهوب، وكشفت تواطؤ نظامهم الفاسد مع فرنسا.

العملية سلطت الضوء على طبيعة التواجد الأساسي للقوات العسكرية في أفريقيا والمتمثل بالأساس في حماية مصالح فرنسا الاقتصادية في أفريقيا تحت مظلة مكافحة الإرهاب، بالرغم من أننا نضع أكثر من علامة استفهام حول تلك الجماعات الإرهابية: من صنعها أصلًا ولماذا ومن يمولها؟ في النيجر مثلًا تستحوذ فرنسا على أكبر حقول اليورانيوم، في موريتانيا على كل مناجم الحديد.. في تشاد، والسنغال، ومالي، والجابون، وساحل العاج.. تتواجد فرنسا إلى درجة أنها أصبحت المنتج والمصدر للنفط في ليبيا الآن. نصف القارة الأفريقية يغذي الاقتصاد الفرنسي بالمواد الخام، ويجعلها تحتل المرتبة الخامسة عالميًا في إنتاج الذهب، مع العلم أنها لا تحتوي على مناجم ذهب.

هذا الفكر الكولونيالي لسياسة الإيليزيه الاقتصادية تجاه أفريقيا حتى بعد منحها الإستقلال، جعل موجة الكراهية تنمو يشكل كبير رافضة التواجد الفرنسي على اراضيها، بل تخطت ذلك إلى المطالبة بالقطيعة حتى مع الثقافة الفرنسية والتي تبدو من منظور الأفارقة انها ثقافة زادت من تخلفهم عن ركب الحضارة والتحضر بسبب الحروب الأهلية التي تغذيها فرنسا بالعدة والعتاد ومسلسل الإسلاموفوبيا. فجميع الدول الناطقة بالفرنسية، أو ما تسمى «الفرانكفونية» لم تعرف بعد طريق التنمية، بل الأكثر من ذلك ثلثا المهاجرين السريين الذين يعبرون نحو أوروبا بسبب الجوع والفقر، ينتمون لدول كانت مستعمرات فرنسية.

أما الدول التي أدارت ظهرها للفرانكوفونية فقد تغيرت كليًا نحو الأفضل، وتغير معها حتى تفكير مواطنيها: من ولاء للقبيلة إلى ولاء للوطن، رواندا نموذجًا.

«فرنسا ديكاج.. فرنسا ديكاج».. هكذا هتف الجزائريون بلغة موليير إبان فترة الاستعمار.. وهكذا هتفوا اليوم في وجه سفير الإمبريالية الفرنسي في حفل تأبين المجاهد القايد صالح.. آن الأوان أن نقول جميعًا – نحن الأفارقة – لفرنسا «ديكاج».. فلكم التاريخ، ولنا المستقبل كما قال العربي بن مهيدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد