يذكرنا دائمًا محبو أعمال المؤلف الناجح تجاريًا، ولا شك: «أحمد مراد»، أننا ـ ولا يوجد أبدًا تعريف لهؤلاء ـ كارهو أعماله، نداوم على قراءتها ونقدها، ويضيفون مع كل عمل – ولايملون – أننا نقرأها لننقدها لا لنستمتع بها، ويلمحون بضرورة توقفنا عن قراءة الروايات الجديدة الناجحة تسويقيًا تلك أو التوقف عن نقدها: أيهما أقرب.

وهنا نجيب على أسئلة/اتهامات شائعة، بلا شك نجح المؤلف في صنع قاعدة قراء كبيرة، خاصة بين حديثي السن والمبتدئين في فن القراءة. وهو لا يشعر بضرورة استغلال الأمر وقاعدة التسويق لكتابة عمل فني حقيقي بعيد عن الإشارة إلى العفاريت والجن من ناحية، أو نظرية المؤامرة التاريخية أو التشويق كهدف لا وسيلة، ووسط غمرة التهليل المعتاد، رأينا أن وجود صوت حقيقي لا يستفيد من نسبة المبيعات ضرورة لأصدقائنا القراء.

ونجيب أن النقد هو وسيلة القراء الأهم إلى توصيل التغذية الرجعية للمؤلف، وربما توجيهه في المستقبل؛ لتقوية نقاط الضعف، وتحسين المستوى، والنقد لا يهتم بالمبيعات، ولا يحمل ضغينة، ولا هو بسب، ولا قذف, ولا يحتفل بالتهليل والاحتفاء الأعمى، بل توجيه لمن رأى وحملت عيونه النور يوما. ونكرر أن لو استمع قليلًا «أحمد مراد» إلى نصائح قرائه بعد رواية ١٩١٩، لما كتب رواية تاريخية قبل وقت طويل، ولكانت «اأرض لإله» تقبع في مكتبه الآن، ولكان ذلك خيرًا له، وللقارئ.

من له أذنان للسمع، فليسمع!

هل تحتاج حضارة الفراعنة إلى دفاع منا؟

رأى المؤلف أن حضارة المصريين تحتاج إلى ابنها البار؛ ليعيد لها بريقها، فيسبغ عليها توحيد الله، دون مبرر، ويراها، كما يراها المتشددون: حضارة كافرة لا تفيد الإنسانية في شيء، فيقرر أن يعصر كل القصص غير المعترف بها، والنظريات العلمية المهتزة، ونتف الأفكار الغريبة، وجمعها في رواية واحدة ضخمة محلاة بتشويق زائف مبتذل.

أما علم الأديان وتطورها، وتأثرها ببعضها البعض، فليذهب للجحيم، ومجلد الغصن الذهبي لـ«جيميس فريزر» ودراسات «فراس السواح» وعلم «الإنثربولوجي» كله فليحترق في أقرب محرقة؛ لأن المبيعات تحتم ذلك، فـ«أسلمة» حضارة مصر القديمة ضرورة؛ لأن نشعر أننا حقًا أبناء هؤلاء.

كيف تصنع أدبًا؟ أو كيف تبني شخصية أحادية الأبعاد؟

لا يمكنك. لا يمكن أن تخلق أدبًا حقيقيًا دون مشاعر، ولا يمكن صنع شخصية بطب راهب أعزل ضعيف ينتصر في أية معركة جسدية يدخلها بغض النظر عن أي شيء، لا يمكن تخليق أدب حقيقي من فواصل قصيرة مبتسرة بين القصة الأصلية. يمكنك التحضير، وقراءة مواد كما شئت، لكنك في النهاية ستكتب أدبًا خاليًا من الروح والانفعال الحقيقي، كما قرأنا في «أرض الإله».

لماذا نعم لإمبرتو إيكو، وربما لدان براون، ولا لأحمد مراد؟

رغم التفاوت في الأسماء الثلاثة، لكنهم يشتركون في نوع الأدب للرواية التاريخية مشوب بالحبكة البوليسية، لكن ينتمي الأول قطعًا إلى الأدب «الجاد»، بينما يصنف النقاد الثاني والثالث بالتجارى؛ لأن إيكو يتجاوز فكرة البوليسية وعصابات السر إلى قلق الإنسان الحقيقي ومشكلته في الجدوى مواجهًا الحياة وحده مهما كان الدعم.

بينما براون يكتفي بجرعة تشويق ضخمة وصنع عالم مواز تاريخي، «التاريخ كما كان من الممكن أن يكون»، ولا يدعي أنه الواقع، بل يعلم أن رواياته الجذابة للبيع والسينما هدفها هو حب الجمهور.

أما مراد فلم يصل إلى إنسانية إيكو ولا تشويق براون، بل اكتفى بصنع هجين اتخذ منه منبرًا؛ لتصحيح التاريخ والدفاع عما لا يحتاج الدفاع عنه.

هل يتخلى أحمد مراد أخيرًا عن السينما؟

نص لا يصلح للسينما بحكم ظهور الأنبياء فيه، على الأقل في خطوة غريبة على مراد المميز حقًا في الاتجاه السينمائي، رغم أن الرواية مكتوبة على هيئة سيناريو في أكثر من نصفها.

والأغرب أن مراد المميز جدًا في تصميم الأغلفة لغيره يختار غلافًا باهتًا متوسط المستوى، كهذا الذي نراه في روايته الناجحة تجاريًا، والمشكوك في ما عدا ذلك أدبيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد