حتى نفهم الوضع في حلب يجب أن نتحدث قليلًا عن التاريخ وعن الجغرافيا:

الجغرافيا

  • حلب هي محافظة حدودية في الشمال السوري مع الحدود مع تركيا.
  • أهمية هذه المحافظة أنها خط الإمداد الرئيسي من تركيا للمعارضة.
  • سقوط هذه المدينة من تحت سيطرة المعارضة ينقل المعركة إلى داخل حدود تركيا إذا سيطر عليها النظام السوري الذي سيسلمها إلى الروس، أو تنظيم الدولة الذي يترك حلب تحترق ويقوم بالضرب في جنوب تركيا بدلًا من قتال النظام.
  • أما سقوط المحافظة بيد الأكراد فإنه يهدد بتفتيت الدولة التركية إذا قام الأكراد الأتراك بالاتحاد مع الأتراك السوريين وفتح الحدود بينهما وإقامة دولة مستقلة.
  • لطالما طالب الأتراك بمنطقة آمنة أو No Fly zone في شمال حلب في المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات، من جرابلس حتى إعزاز! (انظر الخريطة) فهذا هو أهم سبب عجل بسقوط نظام القذافي في ليبيا. لكن أمريكا رفضت ذلك مرارًا لأن امتلاك المعارضة (التي تراها واشنطن إرهابية) صواريخ أرض جو خط أحمر. كما أن إسرائيل لا تريد سقوط نظام الأسد الذي يؤمن الجبهة الشمالية لها منذ عقود!

التاريخ

الحيلة التي بدأت تمارس على الثورة السورية نهاية العام الماضي بعد تخوفات من سقوط الأسد الذي لم يعد يسيطر إلا على 17% من مساحة سوريا، كانت فخ إعادة تعريف العدو والصديق في سوريا، عن طريق مؤتمر الرياض لبعض فصائل المعارضة المرضي عنها والتي لا تراها أمريكا إرهابية، وكذلك قرار مجلس الأمن 2254.

  • مؤتمر الرياض.. انتقاء لبعض فصائل المعارضة

مؤتمر الرياض هو مؤتمر سياسي سوري انعقد في الفترة بين 8- 10 ديسمبر (كانون الأول) 2015 في العاصمة السعودية الرياض، بين عدد من الأطراف السياسية السورية دون غيرها، وكانت أبرز مقرراته تشكيل هيئة عليا للمفاوضات، وتشكيل لائحة مشتركة من المعارضة للتفاوض مع النظام!

 

وخطورة مؤتمر الرياض أنه شق صف الفصائل التي تحارب نظام الأسد وحلفاءه بنجاح، فتمت دعوة بعضها إلى الرياض، واستثناء بعض الفصائل الرئيسة الأخرى لأسباب سياسية بحتة، لا علاقة لها بطموحات الشعب السوري وثورته، ووقف معاناته المستمرة، ولا بمدى قتال هذه الفصائل للنظام السوري أو لتنظيم الدولة!

حتى حركة أحرار الشام – التي كانت تفاوض الإيرانيين أنفسهم، وليس النظام السوري في الزبداني بريف دمشق – انسحبت من المؤتمر بعد أن دعيت إليه، وذكرت الحركة عدة أسباب لذلك؛ أهمها عدم التمثيل المناسب للفصائل العسكرية المقاتلة على الأرض، مقارنة بالفصائل السياسية ومعارضي الخارج في الاجتماع.

 

وما نتج عن اجتماع الرياض، ليس إلا تعيين صائب عريقات جديد، ممثلًا في تشكيل «هيئة عليا للمفاوضات»، ليوقع على اتفاقية مرتقبة ـ فيما يبدو ـ بين النظام وبعض فصائل المعارضة المرضي عنها أمريكيًّا وخليجيًّا، تمهيدًا لقتال بقية فصائل المعارضة الأخرى التي تراها واشنطن إرهابية! بالضبط على غرار أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة، لإحداث تسويات هشة واتفاقات سلام زائفة مع بشار أو خليفته، وهي اتفاقيات مفروضة بسلطة الأمر الواقع على غير إرادة وطموحات الشعوب!

باختصار، صار مطلوبًا من المعارضة السورية أن تلقي السلاح وتجلس لتحاور النظام ليقبل بها «المجتمع الدولي» وحتى لا تكون إرهابية! صارت مشكلة الثوار وفق مؤتمر الرياض مع شخص بشار الأسد فقط، وحتى هذه النقطة غير مضمونة، ومن الممكن أن نرى بشار في المرحلة الانتقالية!

 

  • قرار مجلس الأمن 2254 بشأن سوريا الجمعة 18 ديسمبر (كانون الأول) 2015

 

جاء قرار مجلس الأمن الأخير بشأن سوريا (2245) هو الآخر ليسلط الضوء مرة أخرى على «العدو الواجب محاربته في سوريا»، مما يؤكد محاولات خلط الأوراق، وتغيير مفاهيم «العدو والصديق» في سوريا!

 

والعدو حسب نص القرار هو «الإرهاب والأيديولوجيا المتطرفة العنيفة» وليس النظام السوري الذي استخدم أسلحة الدمار الشامل ممثلة في السلاح الكيماوي 4 مرات، ويستخدم البراميل المتفجرة كل يوم!

على العكس جاء البيان ليؤكد أن الحل في سوريا سياسي عن طريق «عملية سياسية جامعة»، وكلمة «جامعة» لا معنى لها إلا أنها تجمع النظام – ولو من غير بشار – مع المعارضة؛ ولكن ضد من؟ ضد بعض الفصائل المعارضة التي يراد أن تصنف حركاتٍ إرهابيةً. ولا يتعلق الأمر بداعش وجبهة النصرة فحسب، بل بحركات سورية خالصة كأحرار الشام وجيش الإسلام!

 

  • أحد أوائل ثمار هذه الإستراتيجية الجديدة هو اغتيال زهران علوش قائد جيش الإسلام

 

جاء اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش، في الجمعة الأخيرة من 2015 – 26 ديسمبر (كانون الأول) – ليطرح العديد من التساؤلات حول أهداف العملية وتوقيتها، ويغير الكثير من المواقف حول المبادرات المطروحة لحل الأزمة السورية سياسيًّا!

عملية اغتيال علوش، أو أمير الغوطة كما كان يسمى، تأتي بمثابة المنتج الأول لقرار مجلس الأمن 2254، وثمرة إعادة تعريف مفاهيم العدو والصديق في سوريا، وتطبيق سريع لوجهة نظر كل من روسيا والنظام السوري لمضمون القرار الدولي، ورسالة مبطنة مغلفة بالدماء أنه من غير المسموح تواجد أي فصيل إسلامي في المفاوضات المزمع إجراؤها في 25 يناير (كانون الثاني) 2016، ورغبة مبيتة في التخلص منهم ولو بالقوة المسلحة، حتى لو كان على خلاف مع تنظيم الدولة داعش ويقاتلونه على الأرض، وحتى لو كان جميع أعضائه سوريين، وليس مرتبطًا بأية منظمات خارجية كجبهة النصرة!

بالأحرى: لقد تم استهداف قائد جيش الإسلام لمرونته واعتداله وليس لتطرفه، حتى لا يبقى في صفوف المعارضين إلا من يسهل شيطنتهم، وتأليب الرأي العام عليهم، قبل المفاوضات!

 

هل نجح فخ اصطناع معارضة صورية؟

رغم اعتراضي الصريح على مؤتمر الرياض وتشكيل هيئة للمفاوضات لا تتناسب مع حجم القوى على الأرض، إلا أن  وفد المعارضة السورية انسحب بالكامل من مفاوضات جنيف صباح يوم 22 أبريل طبقًا لما قاله المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات منذر ماخوس، إن الهيئة لم تقاطع المحادثات وإنما طالبت بتأجيلها حتى يرضخ النظام لشروط المفاوضات. وأكد أن عودة الهيئة للمفاوضات مرهونة بالاستجابة لشروطنا وأهمها قضية المعتقلين، ورفع الحصار، وإدخال المساعدات، ووقف القصف والانتهاكات والمجازر.

اتفاق الهدنة الذي عقد بين روسيا وأمريكا (كيري ولافروف) يذكرني باتفاقيات سايكس وبيكو، هدنة إنسانية في دمشق واللاذقية. روسيا رفضت أن تكون حلب في الهدنة.

استثنى الجيشُ السوري من الهدنة مدينةَ حلب، التي تشهد سلسلة غارات عنيفة راح ضحيتها المئات، وقال إن «نظام التهدئة سيطبق في أجزاء من اللاذقية ودمشق (الواقعتين تحت سيطرة النظام) اعتبارًا من الساعة الواحدة صباح يوم 30 أبريل (نيسان) بتوقيت دمشق».
وجاء في البيان الصادر عن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة في سوريا، اليوم الجمعة، أن «نظام التهدئة يشمل مناطق الغوطة الشرقية ودمشق لمدة 24 ساعة ومناطق ريف اللاذقية الشمالي لمدة 72 ساعة». دون حلب التي يريد النظام أن يستعيدها من المعارضة!

 

أهداف ما يجري بحلب

  • الضغط على وفد المفاوضات حتى يستجيب لشروط النظام التي تهدف في النهاية إلى تفريغ الثورة السورية من مضمونها، والقيام بإصلاحات شكلية تبقي الأسد في السلطة، والاشتراك مع المعارضة في محاربة الإرهاب
  • قطع طريق الإمداد عن المعارضة وممارسة المزيد من الضغوط على تركيا لجرها للمستنقع السوري حيث صواريخ إس 400 الروسية المضادة للطائرات على أحر من الجمر للانتقام من تركيا.
  • تأمين دويلة علوية من دمشق للساحل حيث اللاذقية وطرطوس في حال تدهورت الأمور على الأرض.

في النهاية، لا أعتقد أن تركيا يمكن أن تسمح بسقوط حلب. أعتقد أن كل ما يجري هدفه الضغط لإنهاء الأزمة سياسيًّا واحتوائها.

ويجب التذكير أن الصراع في سوريا وفي مصر هو صراع نحو تحرير القدس، فإسرائيل تصلي من أجل السيسي وتتمسك حتى النهاية ببشار لأن سقوطهما يعني سقوط خط الدفاع الأقوى عن إسرائيل! فقد فعلا بشعوبهما ما لم يفعله أي احتلال!

***

ملحوظة: (يمكنك الاستماع إلى شرح مبسط للثورة السورية ومأساة أهل حلب في 22 دقيقة فقط مدعومة بالخرائط والصور من هنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حلب, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد