في زمن ما قبل الثورة بقليل وما بعدها مباشرة، لم يكن الإنترنت قد انتشر بالكيفية ذاتها التي آل إليها الآن ولم تكن الجرائد الورقية قد خسرت المعركة لصالح نظيرتها الإلكترونية، ولهذا كنا نطلق لقب كاتب أو صحفي على من يكتب في جريدة ورقية، أما كُتاب المدونات ومواقع الإنترنت فظهر لهم مصطلح خاص يصفهم يسمى مدونًا.

 

منذ فترة ليست بالقليلة ولا أستطيع أن أذكرها تحديدًا وقعت تحت عيني مقالة المدون الراحل البراء أشرف التي بدأها بعنوان ستة أسباب للحنين لروبي، جذبني العنوان والفضول لقراءة المحتوى.

كانت أمي تعرف دائمًا أن خلفي مصيبة ما حين أبدأ بالتصرف على غير عادتي وحين أستفسر عن سبب شكها فتجيب قائلةً دومًا بأن «الجواب بيبان من عنوانه»، وبما أن أمي علمتني القاعدة فلا داعي لأخبرك أنني استنتجت محتوى مقال البراء قبل أن أبدأ في القراءة ولكن لم يزدني العنوان إلا شغفًا.

أحببت المقال وأحببت البراء وإن لم تجمعنا مقابلة، أحببته وإن لم أقرأ له مقالًا غير هذا. إنه يحب روبي، أوليست روبي سببًا كافيًا!

 

مر الوقت وتألقت روبي أكثر وأكثر، وأنا كنت كلما رأيتها أو أعجبني مشهد لها تذكرت البراء ومقال البراء وأعدت قراءته، حتى إن روبي نفسها أذكر في أحد البرامج تحدثت عن تلك المقالة التي كتبها البراء. مرت أعوام عدة وأنا على الحال ذاته أحب روبي وكلما تألقت بشدة أحببتها أكثر وكلما غابت ذهبت لزيارة مقال البراء دون كلل أو ملل.

 

قالت صديقتي بلهجة مبهجة «يلا نطلع رحلة»، أما أنا فأجبت مؤيدًا الفكرة، هيا إذن، ثم انتقلنا على الفور إلى السؤال التالي، إلى أين! لم أكن أملك الإجابة ولكني بالتأكيد أريد السفر، للسفر سبع فوائد كما تقول الحكمة وأنا حقًا أحب الحكم وإن لم أهتم أن أعرف فائدة واحدة من السبع ولكني بالتأكيد أريد السفر.

حسنًا إذن سننتقل للمنطق، إن الصيف قد ولى والشتاء قد أرسل رسله وعلى وشك أن يحاصرنا، ما الأماكن التي نهتم أن نكون بها بالشتاء، أجبت على الفور «الإسكندرية» قالت صديقتي حسنًا ستكون بالحسبان ولكن أين الأماكن الأخرى دعنا نطرح كل الاحتمالات على الطاولة ثم نقرر، قلت وادي الريان وجبال سانت كاترين والعديد من الأماكن ولكنها الإسكندرية وهذا قرار نهائي، قالت هي «حسنًا هي الإسكندرية أنا أحبها أيضًا شتاءً، لكن لماذا؟»، جاء سؤالها في بالي على هيئة التساؤل الأعظم الذي طرحه يوسف شاهين في أحد أفلامه «إسكندرية ليه!».

 

على طريقة البراء أشرف والحنين لروبي وجدتني أكتب عن بعض أسباب حبي للإسكندرية وإن لم أكتبها كلها وإن لم أكتب ستة فقط وقد جاءت كما يلي. على قبر يوسف شاهين نقش على الرخام ما تم غناؤه يومًا في أحد أفلامه «لا يهمني اسمك، لا يهمني عنوانك، لا يهمني لونك ولا ميلادك، يهمني الإنسان ولو مالوش عنوان»، وفي مقوله نسبها البعض لـ«جو» – كما يلقبه المقربون منه – يقول (ولست مهتمًا لأثبت صحة نسبها) يقول «كان عندنا في إسكندرية 300 ألف يهودي وأكتر من 12 جنسية كنا كلنا عايشين مع بعض ولما كنا بنقابل بنت حلوة مكناش بنسألها بتصلي إزاي».

 

كانت الإسكندرية ولا تزال واحدة من أكثر الأماكن التي تحمل الكثير من الجنسيات المتعددة وترحب بهم دائمًا، لأجل يوسف شاهين ولأجل كل ما هو ليس عنصريًا أحب الإسكندرية.

قال صديقي المؤيد للنظام الإسكندرية رائعة في الصيف، أما المعارض فيقول إنه يختلف معه فهو يحبها شتاءً أكثر، ويقول صديقي فقير المال شاطئ ميامي ممتع جدًا والمياه دافئة للغاية، أما صديقي ميسور الحال فيقول إنه يفضل الهرب من زحام المدينة نفسها إلى الأطراف حيث الساحل الشمالي.

اختلفنا جميعًا على طرق الحب لكن لا يوجد أحد لا يحب الإسكندرية.

لأجل توحيد الأمة أحب الإسكندرية.

جاءت صديقتي في زيارة من الإسكندرية للسويس، حيث أقيم وقالت لي هنالك ظاهرة غريبة تحدث معي في شوارعكم، فسألتها بشيء من الاستغراب وما هي، قالت إنها كلما دلفت إلى أحد المحلات لشراء أي شيء وما تبرح أن تبدأ الحديث إلا وتفاجأ أن الباعة عرفوا أنهم من الإسكندرية، قالت أعلم أن خبرة السوق والتعامل مع أناس كثر تسمح لهم بأن يعرفوا الغرباء عن بلادهم، لكن أن يعرفوا من أي البلاد أنا فإما أن الباعة جميعًا تحولوا إلى عرافين، أو أنه كتب على ملابسي أنني من الإسكندرية، ابتسمت وقلت لها لا اختيار من الاثنين وإن كان الثاني أقرب ولكن بتعديل بسيط إنه كتب على لهجتك لا على ملابسك، واستكملت حديثي قائلًا إن اللهجة الإسكندرانية واضحة وتظهر في كلامك دون قصد منكِ، نحن نستخدم الكسرة في الوقت الذي أنتم تفتحون الأشياء فأقول أنا «نِزلت» حين تقولِين أنتِ «نَزلت»، وعلى غرار هذا ضعي مقياسًا، وكذلك بعض المصطلحات الخاصة بكم كألفاظ «مشروع، مستكة، فلافل، عركة» يا عزيزتي اللهجة فضاحة.

لأجل كل ما هو مميز ومختلف أحب الإسكندرية.

حين كنت أسأل كل أصدقائي من أهل الإسكندرية عن أحوالها في الصيف فما أن أسأل حتى يبدأ الجميع الشكوى من الزحام والهجوم الذي يشنه عليها المصطافون كل سنة يشل البلد تمامًا ويوقف حركة المرور ويكدسون الشوارع، مما يؤدي إلى هرب بعض السكان في أشهر حيث يتركون البلاد كلها ويذهبون لأي مكان خارج الإسكندرية أو يلتزمون بالبيت.

 

تخيل معي صديقي هذا المشهد، زائر يأتي إلى بيتك دون دعوة منك، ثم يقوم بما يتعارض مع تقاليد وعادات بيتك فيكون رد فعلك أن تترك له البيت ليستمتع به قدر المستطاع وتبحث لك على مكان آخر لحين ينتهي هو من زيارته!

لأجل كرم الضيافة أحب الإسكندرية.

 

أول تجربة عاطفية في حياتي كانت لفتاة من الإسكندرية، كانت – وما زالت – رائعة للغاية وتجيد الاهتمام والاستماع وتملك قدرًا عظيمًا من الطيبة التي تجعلني أشعر أني صغير أمامها، كانت تملك قدرًا عظيمًا من الطيبة رأيت القاهرة تضيعه في أخريات.

لأجل الحب والطيبة والرومانسية أحب الإسكندرية.

 

بعد أن قضى صديقي أربع سنوات من عمره يدرس في الإسكندرية سألته عن أعظم ما رأى هناك، قال نصًا «أعظم شيء في إسكندرية أن كل واحد في حاله»، حاولت أن أستفسر أكثر فقال إذا كنت تقرأ قرآنًا على البحر فلن يعتبرك أحد مدعيًا، وإذا كنت تلعب بالجيتار الخاص بك فلن تصبح أبدًا «فرفورًا» وإذا تمشيت بصحبة فتاة جميلة فبالتأكيد لن ينظر إليكم كل الناس أو يحاول الباعة الجائلون أن يتعاملوا معكم بسماجة حتى تعطيهم نقودًا لأجل أن يتركوك وحيدًا، هناك يمكنك أن تفعل ما تريد دون أن تشعر أن أحدًا يتدخل في خصوصياتك.

لأجل الحرية والخصوصية أحب الإسكندرية.

 

بنى الإسكندر الأكبر حول العالم 17 مدينة وسماهم جميعًا بالإسكندرية، ثم تطور الأمر وأصبحت تشيد مدن جديدة لا علاقة لها بالإسكندر لكنها تتخذ الاسم اسمًا لها وأصبح عدد مدن الإسكندرية حول العالم يزيد عن 50 مدينة. ولكن عن الإسكندرية «بتاعتنا» فتعد هي الأشهر على الإطلاق والأجمل، ويقال إن الإسكندر حين بناها بناها على شكل طاولة الشطرنج فأصبحت كل الشوارع تتقاطع مع كل الشوارع، كما أصبحت أيضًا مع الوقت تمتاز بوجود أقدم شارع في التاريخ وهو شارع الملك فؤاد.

لأجل الجمال ولأجل التاريخ ولأجل اللعبة الحلوة، أحب الإسكندرية.

 

جرت العادة في الإسكندرية قديمًا في ليلة رأس السنة عند تمام الساعة الثانية عشرة أن يخرج السكان من الشرفات ويقومون برمي أي شيء قابل للكسر، أي شيء «تلفزيون قديم، أطباق، حوض حمام… إلخ» حتى يتحطم بمجرد أن يرتطم بالأرض تعبيرًا منهم عن أن السنة الماضية ذهبت وتكسرت مشاكلها معها كما هو حال ما قاموا بتحطيمه للتو.

لأجل الابتكار في التعبير والعادات والتقاليد الممتعة أحب الإسكندرية.

 

لأن فيروز حين أرادت أن تغني إلى مدينة قالت شط إسكندرية ولأن يوسف شاهين من الإسكندرية ولأن الحب الأول من الإسكندرية ولأن إسكندرية لا يمكنك أن تقابلها بأي شيء سوى الحب وحب خالص، أحب الإسكندرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد