بين (الحراك) و(الثورة) وبين تونس ومصر.. فوبيا التسميات ورفض المقارنات!

يمر اليوم أكثر من شهرين منذ بدء الاحتجاجات في الجزائر التي انطلقت يوم 22 فبراير (شباط)، وستختم جمعتها العاشرة نهاية هذا الأسبوع، تلك الاحتجاجات التي كسرت حاجز الخوف وحررت شعبًا بأكمله ضد سلطة فاسدة عبثت في البلاد، وأكثرت فيها الفساد، ولعل القراءات السوسيولوجية تختلف في تحليلها لأسباب اندلاع هذه الموجة، إلا أنها تتفق على أن ما حدث ويحدث كان نتيجة تراكمات جعلت الكأس يمتلئ شيئًا فشيئًا إلى أن أفاضته قطرة ترشح الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة الذي كان عبارة عن واجهة سياسية لدولة عميقة أرادت الإستمرار بعد أن أساءت قراءة الوضع ظانة أنها متحكمة في الشارع، لتدخل الجزائر مرحلة جديدة، تحرر فيها الشعب وانتفضت فيها الأحزاب والمنظمات، وتكلمت العدالة، وتصدع بيت السلطة، ثم ظهرت صراعاتها للعلن. هذا كله وما زال الشعب يصيح في شوراع مدن البلاد رافعًا شعار «تتنحاو قاع’» (أي سترحلون جميعًا).

منذ بداية هذه المرحلة اتفق الجزائريون، من جماهير إلى أحزاب سياسية، مرورًا بالإعلام، ودون تفاوض أو تنسيق أو تردد على تسمية هذه الهبة الشعبية بـ«الحراك» وابتعدوا كل البعد عن وصفها بـ«الثورة»، بل وصل الحد بالبعض إلى اتهام من يصفها كذلك بالعنف والخيانة. هذا الحرص ناجم عن رغبة الجماهير الجزائرية في الحفاظ على سلمية مظاهراتهم، والتأكيد على أنها بعيدة كل البعد عن التخريب والإفساد، رافضين إدراجها تحت خانة (الربيع العربي) ومنكرين لكل ربط أو مقارنة مع بقية النماذج العربية مؤكدين على اختلاف الأمر والظرف والزمن، لكن هل فعلًا أن الربيع العربي يعني العنف؟ وهل ما يريده الجزائريون ليس كثورات الربيع العربي فعلًا أم أن الأمر لا يعدو عن كونه «فوبيا تسميات»؟

يعتقد الشعب في الجزائر أنه قد سبق كل هذه الانتفاضات، فأحداث 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1988 التي خرج الجزائريون فيها للمطالبة بالخبز والديمقراطية أفرزت مقتل 169 شخصًا حسب إحصائيات رسمية، وجاءت بتعددية سياسية واقتصادية فاتحة الباب نحو ديمقراطية يعترف بها دستور جديد أقره الرئيس آنذاك الشاذلي بن جديد، لكنها أدخلت البلاد في نفق مظلم بعد اعتراض الجيش على الانتخابات التي فاز بها حزب «جبهة الإنقاذ»، ليدفع الجزائريون ثمنًا غاليًا يتمثل في 200 ألف قتيل؛ ما طبع لدى الشعب تجربة سيئة جعلته يقبل بالسلم الهش في حضن سلطة فاسدة.

في الجزائر، الجزائريون يرون بأن فترة الربيع العربي قد ولت – فارق الزمن (ثماني سنوات) – ومتعظين بالتجارب العربية التي كانت فاشلة لحد بعيد – رغم أن مثالًا تونسيًا ليس ببعيد يمكن لهم النظر إليه؛ ما ولد ربطًا للربيع العربي بالدمار والخراب فجعلهم يرفضون التخندق فيه. حتى فارق الظروف في كون أن طبيعة النظام الحاكم في بلادهم مختلف عن البقية، وأن مطالبهم لا تتماشى ومطالب شعوب النماذج الأخرى.

النتيجة التي يريدها الجزائريون بالطبع لا يتصورونها كما في سوريا أو ليبيا أو حتى مصر؛ كونهم يعتقدون أن أسلوب حراكهم ذاك المتسم بالسلمية المتطرفة يجب أن يفرز بالضرورة، أو على الأقل يستحق نتائج أفضل. لذا فالجماهير في الجزائر تعتقد أن الأسلوب السلمي الذي يغذيه الوعي المجتمعي لن يسمح بانفلات الأمور نحو الأسوأ، وأن الشعب محصن ضد العنف الذي اتسمت به ثورات الشعوب السابق ذكرها.

كذلك التركيبة المتنوعة للمجتمع الجزائري (قبائل، شاوية، طوارق، عرب) خصوصًا شرق وجنوب البلاد وفئة ليست بقليلة موجودة، بل معتبرة، في تلك الحشود ترى نفسها بعيدة عن ما هو عربي، لهذا ترفض متاهة التسميات العربية وتعتبر أن الجزائر نموذج استثنائي، سواء ديموغرافيًا أو في أصول هذه الديموغرافية وعقليتها.

هناك أيضًا عنصر المؤسسة العسكرية التي تغيرت تركيبة ضباطها، خصوصًا أنها متكونة من أفراد جاءوا من عمق الجزائر، ويعون ما الذي يريده هذا الشعب، فتمكنت من كسب وده، وأظهرت حسن نية وانحيازًا سطحيًا نحوه. إضافة إلى تعاملها بسلاسة ومرونة مع المظاهرات مبدية عدم رغبتها في الانجرار نحو العنف وتهديد أمن البلاد، خصوصًا أن الجيش في الجزائر يدرك أنه هو في الأخير من سيتحمل تبعات أي انزلاق. ما منح اطمئنانًا لدى الناس بأن الجيش لن يتدخل في السلطة، وأن رياح الثورة المضادة والديكتاتورية العسكرية لن تهب على البلد كما حدث في مصر أو سوريا بدرجة أقل.

لكن من جهة أخرى، هناك عدة عوامل تداخلية بين ما يحدث في الجزائر وباقي النماذج، فالتهميش واحد وغلاء المعيشة والظروف الاقتصادية الصعبة واحدة، كما أن الركود السياسي والجبهة الاجتماعية الساخنة كذلك. حتى بواعث هذه المرحلة كبواعث البلدان العربية الأخرى (حكم الفرد والأقلية، توغل رجال المال الفاسد في السلطة، الفساد والرشوة، المحسوبية والبطالة…) هذه البواعث تعتبر مشتركة بين جميع انتفاضات العرب من 2011 إلى الآن، كما أن السلبيات التي تجنبها الشعب ليست سوى اتعاظ لمن سبقوه، فاتقاء أخطاء الغير قد لا يعتبر بالضرورة عدم اتباع طريقهم.

قد يرفض الجزائريون إدراجهم في خانة الشعوب التي التحقت بالربيع العربي (خصوصًا أنهم يغمضون أعينهم عن جارتهم تونس التي خطت خطوات عملاقة نحو الديمقراطية) لكن بشكل أو بآخر ما يحدث في بلادهم له علاقة فعلية بثورات إخوانهم، سواء فكريًا أو روحيًا أو حتى قوميًا، فلا يعقل أن ينكر عاقل أن الجزائر لم تتأثر بالظروف الإقليمية والعربية، سواء بإرادتها أم لا.

حراك كان أم ثورة، ربيع عربي أم لا، المهم هو أن تتخطى الجزائر هذه المرحلة بسلام وأن تحقق الجماهير ما أرادته من انتفاضتها هذه، وأن تشرق شمس الديمقراطية على بلد المليون شهيد.. وليسم الجزائريون بعد ذلك ما قاموا به كما يريدون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد