«يا ابن اللعيبة يا ابن اللعيبة»

دوى صوت أبي في أرجاء البيت وهو يقول هذا الصياح المتعارف عليه في بيتنا عندما يبدي أبي إعجابه بلاعب ما قد فعل أمرًا مستغربًا ومدهشًا، وكانت هذه الصيحات مصاحبة لهدف مارادونا في كأس العالم 1986 أمام إنجلترا، وكنت أول مرة أرى مارادونا، وأحب رقم 10، وأحب هذا القميص الأزرق.. قميص الأرجنتين.

في ساحة مدرستي عام 1987 كان طالب يجري بجنون، ولم يقدر أحد على اللحاق به وهو يمسك في يده صورة صغيرة، وكان ييقول «طلع لي مارادونا طلع لي مارادونا»، كانت هناك صور للاعبي الكرة المشهورين تباع في باكيدج مقفول «وأنت وحظك!» فلو طلع لك فان باستين مثلًا فهذا معناه أنك تغيره بـ10 صور ممن هم دونه، أما صاحبنا الذي طلع له مارادونا فيستطيع تغييره بـ100 صورة مما يعدون، ولذلك كنا مقدرين مدى فرحته وجنونه.

«ميسي وهو يسجل هدفه الشهير في خيتافي الذي رقص فيه حوالى سبعة لاعبين، والهدف قد يكون أجمل من هدف مارادونا، ولكنه من مؤخرة رأسه، قد رئي ذلك من قبل، ولكن مارادونا خلقه من العدم أمام إنجلترا في 1986». – أحمد عفيفي.. محلل رياضي مصري.

مارادونا خلال أعوام قليلة أصبح المرادف الحي للمهارة فكان إذا احتفظ لاعب بالكرة كثيرًا فيوبخه زملاؤه بالقول: «أنت فاكر نفسك مارادونا!».

كيف كانت مدينة نابولى قبل مغامرة مارادونا فيها؟ كيف كانت الأرجنتين قبل أن ينفخ فيها دييجو من روحه ويحولها إلى هذه الجميلة التي رأيناها في كأس العالم 86.

كيف كان رقم 10 قبل أن يحل فيه العظيم دييجو؟

تعرف الشخصية المتفردة من كمية الأسئلة التي فرضتها وجودها في الحياة ومارادونا كان موهوبًا في ذلك؛ لأنه لم يكن يشبه أحدًا، ولم يحاول أن يشبه أحدًا، فكانت الأسئلة المصاحبة لوجوده مدهشة مثله.

مارادونا لم يكن فعليًا مجرد لاعب فذ عبقري، ولكنه كان مخترعًا في كرة القدم، كان فترة انتقالية ما بين اعتقاد أن الكرة لعبة جماعية، إلى الجزم بأن كرة القدم قد تقف على فرد، وخصوصًا لو كان اسمه مارادونا.

كانت هناك فرضيات دائمة بأن ساحة الرياضة للرياضة فقط، ولكن مارادونا أثبت أن كل هذه الادعاءات هي مجرد هراء؛ فقد جعل مارادونا الملعب ساحة حرب، وسياسة، وفلسفة، وحياة، وخطيئة، أعاد الكرة إلى فعلها البشري، وأبعدها عن الكلاسيكية والمثالية التي حاولوا مرارًا إلصاقها بها عنوة.

مارادونا وهو يراقص لاعبي الإنجليز – في هدفه الشهير – كان ينتصر للأرجنتين في حرب فوكلاند عندما ذهب إلى الفقر المدقع في نابولي، وينتصر على أباطرة الكرة في إيطاليا كان ينشئ أسطورة اليسار ضد الإمبرالية والهيمنة والسيطرة.

عندما سقط في قبضة المافيا وأدمن المخدرات أخطأ.. دفع الثمن كما قال، مارادونا كان حقيقًا تمامًا، وملامسًا لخيبات الناس وآمالهم بشكل يصل إلى حد التقمص وإحلال روحي فريد من نوعه، لم يكن القدوة الذي حاول ألا يعيش الحياة حتى يحافظ على الصورة الذهنية للناس عنه، ولكن خاض غمار الحياة ورأينا منه جانبها المضيء، وجانبها الشقي المعتم.

حزننا على رحيل مارادونا لم يكن مبعثه فقط أننا فقدنا لاعب أسطورة، وعلامة مهمة في تاريخ اللعبة، ولكن لأن كلًا منا له ذكريات مع دييجو، كلًا منا رأى نفسه بطلًا مثله، كلًا منا كان يفعل شيئًا عاديًا في حياتنا اليومية الرتيبة، وأبناء الإنجليز يتساقطون أمام الخارق مارادونا، وهو يحرز هدفه الشهير.

كلنا رأينا صوره وهو مدمن، وهو يقاتل للعودة، رأينا انتصاراته كما رأينا سقطاته، رأيناه لامعًا متأنقًا، ورأيناه منطفئًا مهزومًا، رأيناه شابًا رشيقًا يتلاعب بالكرة، رأيناه كهلًا سمينًا لا يقدر حتى على التقاط أنفاسه، مارادونا كسر تابوهات كثيرة ظنناها لدهور من المسلمات، رفض أموال برشلونة وذهب إلى ناد مغمور، وجلب إليه الأضواء، ليس فقط للنادي، ولكن لكل المدينة؛ لتصبح نابولي مدينة مارادونا التي يعبد فيها بدون أن يولد فيها أو يحمل جنسيتها.

رفض أمريكا بكل ثقلها الاقتصادى والدولي، ولكنه جاهر بعداوتها بالقول، وبصداقته لعدوها اللدود فيدل كاسترو، لم يكن مارادونا ثائرًا، ولكنه كان الثورة نفسها، ولم يكن لاعب كرة أسطوري، ولكن هو الكرة كما يجب أن تكون، لم يكن وشمه على ذراعه لتشي جيفارا مجرد إعجاب، ولكنه كان تلاقيًا روحيًا فريدًا للرفض، رفض المستقر والثابت إلى الجنوح للمغامرة، وخوض العواصف.

رفض الهيمنة والسيطرة إلى الدخول في معارك تحرير واستقلال، رفض تلقي الأجوبة المتداولة السقيمة إلى طرح الأسئلة المدهشة البراقة، إن كان هناك تقويم كروي فلابد أن يتم القول بالعصور ما قبل وما بعد مارادونا.

دييجو سنفتقد جنونك، وشغفك، وخطاياك، التي لا تنتهي، أنت واحدة من قصص أمريكا الجنوبية المجنونة التي لا تتوقف عن إدهاشنا كل حين، دييجو أرماندو مارادونا كنت مثل الشهاب في توهجه الشديدئ وآفوله السريع، ولكن جعلتنا نرى أبعادًا للحياة لم نكن لنراها لولا مرورك بها، شكرًا جزيلًا لاختراعك تلك البهجة، وتحويل مجرد لعبة إلى شيء مدهش وممتع، وإلى عالم أفضل يا دييجو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد