«لقد آن الأوان للاعتراف رسميا بالقدس عاصمة لإسرائيل» ،اعترفت أمريكا بالقدس عاصمة لإسرائيل. انتفض العرب وثاروا على هذا القرار واشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بالهاشتاغات والتغريدات المنددة والرافضة لهذا القرار. عبرتُ بدوري أنا وأخي العربي عن قلقنا وأسفنا العميق ورفضنا القاطع ونددنا وشجبنا هذا القرار بأشد العبارات. نعم نددنا، بل وتظاهرنا في الشوارع وأحرقنا أعلام أمريكا وإسرائيل وتجمهرنا وقطعنا الطرقات، طرقاتنا وليس طرقات الاحتلال، وهتفنا (الموت لأمريكا والموت لإسرائيل).

متنا وإسرائيل حية.. وعلماء السلاطين يسبحون لها بالعشية والإبكار.

بعد أيام معدودات احتشدت الجماهير الشعبية المنددة بقرار أمريكا الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل في المقاهي لمشاهدة مباراة كرة القدم. وبعد أسبوع لم يزحف العرب نحو القدس، ولم يقطع العرب نفطهم، بل لفوا أجسادهم الخاوية بكفن الدنيا وعادوا إلى سباتهم العميق المعتاد.

ولم يتغير شيء، ولن يتغير شيء ما دامت الأفواه تكمم، وما دامت أفواه الرويبضة تسود وتنطق وتمنطق.

لنعد قرونا قليلة إلى زمن صلاح الدين، بالرغم من أنني أعلم علم اليقين أن الكثيرين لن يعجبهم هذا الاسم، وكلنا نعرف السبب.

أتدرون أول شيء فعله صلاح الدين الأيوبي؟

لا، لم يحرر القدس، بل قام بأمور كثيرة. وللتذكير فقط، فقد كان زمن صلاح الدين مليئا أيضا بمثل تلك الوجوه التي نراها اليوم، ودائما، على شاشات التلفاز (بلباس الواعظينا).

لم يزحف صلاح الدين الأيوبي بجيشه إلى القدس هكذا كما يعتقد الجميع، بل كانت هناك حقيقة خفية أخفتها عنا تلك المقررات الدراسية العقيمة، وكتب التاريخ المفبركة. ففي زمن صلاح الدين كان هنالك علماء سلاطين أيضا، بل كانت لحاهم أكبر من لحى رويبضات اليوم. الفرق فقط كان غياب التلفاز.

نعم، قبل أن يزحف صلاح الدين إلى القدس وحد العرب. وقبل أن يزحف صلاح الدين إلى القدس قضى على الظلم والظالمين. وقبل أن يزحف صلاح الدين إلى القدس قضى على الفساد والمفسدين. سيقول الكثيرون، صلاح الدين مهد طريقه بالدم، وفرض سلطانه بالسيف. وأنا أقول، نعم، فرض سلطته بسيف وقوة الحق، أما علماؤكم وحكامكم ففرضوها بسلطان القهر والاستبداد، بل منهم من ذهب بعيدا وفرضها بسخافته. وسيبقى صلاح الدين أيقونة، ربما لم يحن الوقت بعد لمن يأتي ليكررها.

لقد تغيرت تكتيكات الحروب ولم تعد كالسابق. فالمغفلون والحمقى فقط من يظنون أنها حرب سياسية، بل هي حرب دينية بامتياز. وزمن الحروب السياسية قد ولى، وأصبح روايات تتناقلها ألسن الضعفاء والذين يتهربون من الأمر الواقع.

فلماذا القدس؟

يمر طريق السيطرة على العالم من ثلاث بوابات رئيسة. سقطت اثنتان ولازالت الثالثة تقاوم. سقطت بغداد، وسقطت دمشق، أو بالأحرى أُخضعت دمشق. ولم تتبق سوى القدس.

وللقدس مكانة عظيمة جدا في الديانات الثلاث. ولا أحد منا ينكر ذلك. لقد كانت القدس مكان التعايش لكل الطوائف على مر القرون عبر التاريخ. غير أن تسامحها لم يشفع لها من العدوان والاحتلال. وبالرغم من ذاك، فقد بقيت وستبقى صامدة. وكانت تطرد في كل مرة مغتصبيها. فالتاريخ يشهد لها بمقاومة الاحتلال. فمن أخذها غصبا خرج ذليلا. وكان خروجه منها سببا في هلاك ممالكه وملكه. ولنا في الصليبين خير مثال.

والتاريخ يشهد أيضا أن من يسيطر على القدس يسيطر على العالم، فهي قلب الأرض النابض وصلة الوصل بين الشرق والغرب.

إن القدس ستتحرر، وهذا أمر محتوم. وسيحررها رجالها ولن تنتظر الجالسين في المقاهي والخاشعين المتخشعين أمام شاشات التلفاز. ولن ينتظر رجالها المنددين والمعبرين عن قلقهم وغضبهم ولا المغردين ولا حتى المدونين.

فللقدس «رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا».

أما أنت، فابك كالنساء (قدسا) لم تدافع عنها كالرجال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد