في المقال السابق أثبت (دليل الخلق) وجود خالق، واجب الوجود، قديم، أزلي، مريد(1). أما (دليل النظام)، فهو يثبت هنا وجود صانع حكيم. ولاحظ أن كل دليل لا يُثبت فقط وجود خالق، بل يُثبت صفات له.

يُطلق على هذا الدليل أسماء مختلفة: العناية الإلهية/ النظام/ الغائية/ التصميم الذكي، ويقوم الدليل على استنتاج منطقي كالتالي:

المقدمة الأولى: كل منظَّم له منظِّم ذكي.

المقدمة الثانية: الكون مُنظَّم.

النتيجة: يوجد مُنظِّم ذكي للكون.

المقدمة الأولى: كل منظَّم له منظِّم ذكي

لم ينكر أحد وجود سبب وراء خلق الكون والإنسان، لكن هل هذا السبب صدفة/ قوانين طبيعية صماء أم عقل ذكي/ خالق حكيم؟

يوجد فرق بين العمل العشوائي الاعتباطي والعمل المنظَّم، فلا ينكر أحد وجود اختلاف بين القصر وكومة من الحجارة، حتى لو شكَّلت الكومة شكلًا متميزًا. فمهما كانت قدرة الصدفة، فلن تستطيع بناء قصرٍ، أو تصميم جهازٍ. ونحن نميز في حياتنا بين العشوائية الغير مقصودة والنظام المقصود، حتى تخصصت علوم في هذا التمييز، كعلم الطب الجنائي، وقانون الملكية الفكرية، وعلم التشفير. فهي علوم تفتش عن عمل منظم لتجيبنا: هل وقعت المرأة من البلكونة نتيجة زلت قدم بالصدفة، أم رماها أحد عن قصد؟ هل احترق المخزن نتيجة ماس كهربي بالصدفة، أم تم إحراقه عمدًا؟ هل تشابه بحثين صدفة أم سرق الكاتب المحتوى عن قصد؟ هل ترتيب هذه الرموز اعتباطي أم تعبِّر عن شفرة مقصودة؟

وبذلك أينما وجدنا نظامًا، علمنا بوجود مُنظِّم، عقل ذكي، تدبير متعمد ومقصود، لكن الأهم كيف نميز العمل المنظم عن العشوائي؟

هنا يظهر مفهوم (التعقيد المتخصص)..

الحرف ليس معقدًا، وإنما هو عمل بسيط، ويمكن أن يتكون بلا قصد، فيمكن أن يقع حبر على ورقة ويرسم حرفًا بالصدفة.

والجملة المكونة من أحرف متناثرة عشوائيًا، مثل (زسئعزفضط)، هي عمل معقد، لكن لا يتخصص للتعبير عن معنى محدد، فهو الآخر يمكن تكوينه بالصدفة.

أما الجملة المعقدة، التي تعطي معنى دقيقًا، مثل (من لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحدٌ)، فهي تعقيد يتخصص لأداء معنى محدد. ولا يتصور عاقل أن مجموعة قردة قد تضغط على لوحة مفاتيح عشوائيًا فتكوِّن هذه الجملة بالصدفة دون قصد. كذلك النقوش على حجر رشيد هي ترتيب معقد يحمل معنى، لذلك قلنا أنه عمل منظم، مقصود، وراءه عقل ذكي.

هذا التعقيد المتخصص هو العلامة المميزة للنظام، وأينما وُجد دلَّ على وجود مُنظِّم ذكي(2).

المقدمة الثانية: الكون مُنظَّم

عرفنا كيف نميز بين العمل العشوائي الناتج عن صدفة والتصميم المنظم الناتج عن منظِّم ذكي، السؤال هنا: هل يحوي الكون أشياء منظمة تشير لوجود منظِّم ذكي؟

تمدنا العلوم التجريبية بمعلومات شتى عن كون منظَّم، محكم، دقيق، تحكمه قوانين صارمة، تثبت بجلاء دقة الصنعة، وإبداع التصميم، وتمام الخلق، ابتداءً من أجزاء الذرة التي تسكن موضعها، لشموس وأقمار تسبح لمستقرٍ لها، وخلايا وأنسجة تتراكب لتبني بنيانًا واعيًا، كلٌ في مكانه الصحيح، بقدره المحسوب، ليؤدي غايته المكتوبة. ويمكن إدراك نظام الكون عبر ثلاثة معايير:

1- المعايرة الدقيقة للكون

أحد ملامح النظام في الكون يتبين من القوانين والثوابت المضبوطة بإحكام ودقة لتتواجد حياة في هذا الكون، ولو تغير أحد هذه الثوابت تغيرًا بسيطًا لانهار الكون أو انعدمت الحياة.

ويقدِّم (مارتن ريز ) ستة ثوابت في الكون مسئولة عن نشأة الكون ووجود الحياة:

  1. معدل تمدد الكون: ويقول عنه (ستيفن هوكينج): لو كان معامل تمدد الكون بعد ثانية واحدة من الانفجار الكبير أصغر بجزء واحد من مائة ألف مليون مليون، لكان الكون قد تقلص ثانية، ولم يصل قط إلى حجمه الحالي(3).
  2. كثافة مادة الكون في بعض المناطق.
  3. قوة الجاذبية بين أجرام الكون: قيمة هذه القوة مضبوطة بدقة 4010:1 ؛ أي يوجد 4010 اختيار، واحد فقط هو الصحيح!
  4. طاقة ربط مكونات نواة الهيليوم في النجوم.
  5. الروابط الكهربية بين الذرات لتكوين الجزيئات: وقدرها 0.007، ولو كانت 0.006 فلن يتكون في الكون أي عنصر كيميائي مهم، وسيتكون الهيدروجين فقط. أما لو أصبحت 0.008، سينصهر كل الهيدروجين مع بعضه مكونًا عناصر ثقيلة، وعندها لن يتكون الماء!(4)
  6. بنية الكون ثلاثي الأبعاد(5).

وبصفة عامة يقول (ستيفن هوكينج): الحقيقة البارزة أن قيم هذه الأرقام قد ضُبطت ضبطًا دقيقًا جدًا لتجعل نشأة الحياة ممكنة. مثلًا: لو أن الشحنة الكهربية للإلكترون اختلفت فقط اختلافًا طفيفًا، لما أمكن للنجوم أن تحرق الهيدروجين والهيليوم، أو أنها ما كانت بالتالي ستنفجر(6).

ثم يستنتج: الحالة الابتدائية للكون يجب أن تكون قد تم اختيارها بحرص بالغ حقًا، لو كان نموذج الانفجار الكبير صحيحًا، وسيصعب جدًا تفسير سبب بدأ الكون بهذه الطريقة بالضبط إلا بقصد(7).

ويقول (ستيفن ماير): تخيل أنك عثرت على غرفة التحكم في الكون بأسره، ووجدت فيها آلة خلق الكون وبها العديد من أقراص التحكم، وكل قرص يتحكم في عامل مهم لخلق الكون وبقاء الحياة، فقرص يتحكم في القوة النووية، وآخر يتحكم في الجاذبية، وآخر للقوة الكهرومغناطيسية… إلخ. وبفحصك لهذه الأقراص وجدت أن كل قرص يمكن ضبطه على آلاف الاختيارات بسهولة، واختيار واحد فقط هو الصحيح، وأي اختيار خطأ لأي قرص سينهار الكون وتزول الحياة، لكن لسبب ما تم ضبط كل قرص بالقيمة الصحيحة الدقيقة للحفاظ على الكون، ماذا تستنتج من هذا الضبط المعقد الدقيق الذي تخصص لخلق الكون؟!(8)

2- تعقيد غير قابل للاختزال

يحوي الكون منظومات معقدة تتكون من أجزاء تتعاون معًا في تناسق وتناغم غريب لتقدم وظيفة محددة، ولو اختل جزء من المنظومة، لاختلت الوظيفة تمامًا.

كي تعمل المنظومة المركبة بطريقة صحيحة تحتاج إلى:

  • توفر جميع الأجزاء المطلوبة.
  • توفر كل الأجزاء في نفس الوقت.
  • تركيب الأجزاء بطريقة صحيحة ودقيقة.

ونجد مثال ذلك في بكتيريا (الفلجلم)، فهي أيقونة لفكرة التعقيد غير القابل للاختزال؛ فلها ذيل يدور كمحرك يمكِّنها من السباحة في السوائل، هذا المحرك يتكون من عدة أجزاء متناغمة ومتكاتفة ومتداخلة بدقة واحترافية. فيتكون من (موتور وخطاف وسوط)؛ الموتور الذي يحركها حجمه 0.00001 بوصة، ويدور بسرعة 10 آلاف دورة في الدقيقة، وقادر على عكس حركته خلال ربع دورة. ويسميه البعض أكفأ آلة في الكون. ثم ينقل الخطاف هذه الحركة، ليتمكَّن السوط من ترجمة هذه الحركة إلى سباحة البكتريا. هذه التركيبة المعقدة لو فقدت جزءًا منها، أو لم يتركَّب جزء بطريقة صحيحة، ستتوقف كلها عن العمل(9).

3- المعلومة

حين اكتشف (جيمس واتسون ) و(فرانسيس كريك ) تركيب جزيء DNA اكتشفا أن الأجزاء الكيميائية في تركيب DNA تعمل كما تعمل حروف اللغة في تكوين الجمل، وكما تعمل الرموز في إنشاء برامج الحاسب، فكما يتم ترتيب رموز البرمجة وحروف اللغة بطرق معينة للتعبير عن معاني محددة، كذلك يتم ترتيب قواعد (النيوكلوتيد) الأربعة (A.T.G.C) بطرق محددة لحفظ ونقل المعلومات الجينية.

يقول (بيل جيتس): الدنا يتشابه مع البرامج الحاسوبية، ولكنه يظل متطورًا بشكل أكبر بكثير من أي برنامج قد تم تطويره من قبل(10).

وبذلك يمكن تغيير السؤال العام: مَن خلق الحياة؟ إلى صورة مُركَّزة ومحددة أكثر: مَن رتَّب المعلومات في جزيئات الدنا؟

يقول (ستيفن ماير ): من دراستي لأبحاث أصل الحياة أعلم أن أول سؤال مركزي يحاول العلماء الإجابة عنه هو سؤال: كيف تم الترتيب أو التسلسل المحدد للمعلومات الرقمية المختزنة في كل من الدنا والرنا الضروريين لبناء أول خلية؟(11)

وبذلك نحن أمام تعقيد متخصص، وعلاوة على ذلك هو نادر الاحتمال، فنجد حوالي 13010 احتمال ممكن لتسلسل الأحماض الأمينية ليشكل بروتينًا، كلهم لا يؤدون أي وظيفة تُذكر، إلا تسلسل واحد فقط هو الذي يؤدي وظيفته المطلوبة. مَن اختار هذا التسلسل تحديدًا وسط كل هذه الاحتمالات؟!(12)

يقول (ستفين ماير): توصلت إلى أنه لا يوجد إلا سبب واحد كافٍ وفاعل لهذه المعلومات ذات الوظائف المتخصصة: وهو الذكاء(13).

وبذلك يثبت أن في الكون تعقيد متخصص، نظام، إحكام، دقة تثبت وجود منظِّم ذكي، خالق حكيم.

اعتراض (1): الجزء الغير منظم

مَن قال أن الكون مُنظَّم؟ ألا ترى أن أغلب الكون فراغ وغير صالح للحياة، والجزء الصالح للحياة ضئيل جدًا؟

يحمل الاعتراض مغالطة تجاهل المطلوب؛ إذ موضوعنا أن الكون نُظِّم ليسمح بوجود حياة، ولا يهم المساحة المسموح بالحياة عليها، المهم وجود جزء منظَّم ودقيق سمح بوجود حياة، وموضوعنا عن هذا الجزء: مَن صممه؟

لكن الآخر ترك الموضوع وتترك للجزء الغير صالح للحياة وسأل: لماذا هذا الجزء غير صالح للحياة؟ وواضح أن هذا ليس موضوعنا.

فلو تصورنا قصرًا منظمًا في صحراء فارغة، فنحن نقول: انظر للقصر المنظم، مَن صممه؟ والآخر يقول: انظر للصحراء الفارغة، لماذا هي فارغة؟! والحقيقة أن فراغ الصحراء لا ينفي نظام القصر(14).

اعتراض (2): قوانين الطبيعة هي منظِّم الكون

إذا سألت: ما الذي جعل الكلور يتفاعل مع الصوديوم ليتكون (كلوريد الصوديوم)؟ فالإجابة: خاصية مادة الكلور والصوديوم هي التي جعلت هذا التفاعل حتمي وضروري. كذلك الكون تكوَّن نتيجة خواص المواد وليس إرادة خالق حكيم.

أو بصيغة أخرى: القوانين الكونية كافية لتفسير النظام الكوني دون حاجة لوجود إله.

أولًا: من قال أن قوانين الكون حتمية ضرورية؟

إذا وضعنا نظام إضاءة للمنزل، بحيث كلما فُتح الباب، تضيء اللمبة. هذا النظام داخل المنزل أصبح ثابتًا ودائمًا، لكن قبل بناء المنزل، هل يوجد ضرورة حتمية تجعل اللمبة لابد أن تضيء بعد فتح الباب؟ لا. إذًا يوجد مصمم، مخصِّص، هو الذي ربط فتح الباب بالإضاءة.

كذلك القوانين الكونية، كلما شربنا الماء نرتوي، وكلما لمسنا النار احترقنا، وكلما وُجد جسمين انجذبا. وهي قوانين ثابتة حاسمة في الكون، لكن قبل خلق الكون، لا يوجد أي علاقة ضرورية، حتمية، لازمة، بين هذه المسببات ونتائجها. ويمكن للعقل تخيل عالمًا آخر الزيت فيه لا يحرق، والخمر لا يُسكر، لا يوجد جاذبية.

إذًا القوانين الكونية ليست ضرورية، وإنما احتاجت لخالق يخصصها، ويربط هذه المسببات بتلك النتائج، فأعطى للزيت قدرة على الحرق، وجعل الماء يروي، وجعل الأجسام تتجاذب معًا.

ثانيًا: قوانين الطبيعة تصف حالة الكون، تصف طريقة عمله، تصف ما هو واقع، لكنها لا تفسر لماذا يعمل الكون بهذه الطريقة بالذات؟ مثلًا قانون الجاذبية يصف كيف تنجذب الأجسام، وبأي مقدار، وفي أي اتجاه، لكن لا يفسر لماذا توجد خاصية الجذب(15).

ونضرب لذلك مثالًا أهم؛ قديمًا كان ينظر الناس إلى خروج الكتكوت من البيضة، ولا يرون لذلك تفسيرًا علميًا، فاعتقدوا أن الله يتدخل مباشرةً ليخرج الكتكوت من البيضة. ولكن شاهدنا بالمنظار أنه يظهر قرن صغير على منقار الكتكوت يستعمله في تكسير البيضة، ثم يزول هذا القرن بعد بضعة أيام.

هذه المشاهدة الجديدة صحيح ألغت مفهوم التدخل المباشر للإله، وحل محلها سببًا علميًا، وقانونًا كونيًا، لكنها لم تلغ وجود الإله بالكلية، فهي تدلنا على حلقة جديدة للحادث، وبذلك قد تغير السؤال من: مَن كسر البيضة؟ ليصبح: مَن خلق القرن؟ ويَعِد العلم بتقديم إجابة لهذا السؤال، لكن يظل الكشف الجديد هو حلقة جديدة في سلسلة الأسباب، أما وضع أي حلقة من هذه الحلقات في أول السلسلة وادعاء أنها هي المُسبِّب الأول هو خدعة، لأن أول السلسلة يجب أن يكون خالق غير مخلوق، قائم بذاته، واجب الوجود، خارج الكون، قادر، قديم، مريد بإرادة مستقلة، وليس مادة تفتقر لغيرها(16).

ثالثًا: هل تعاون قوانين الطبيعة معًا ضرورة حتمية أيضًا؟

حتى لو افترضنا أن كل قانون طبيعي هو ضروري وحتمي، لكن نجد قوانين طبيعية لا صلة ولا رابط بينها، ورغم ذلك تتضافر وتتعاون وتتكامل لتنتج نتيجة محددة مميزة، ما سبب هذا التوافق والتعاون؟

والأمثلة على ذلك لا تُحصى، فكل أعضاء الجسم تتعاون لأداء وظائف متكاملة تصب في النهاية لبقاء الجسم حيًا، وكذلك العوامل التي سمحت ببقاء الحياة على الأرض هي نموذج للتعاون والاتحاد غير المبرر.

الكون كله أشبه بماكينة تدور، ويكشف العلم كيف ترتبط هذه الماكينة بدوائر وتروس، ولنفترض مجازًا أن كل ترس يدور من تلقاء نفسه، لكن مَن ربط هذه التروس ببعضها، وأتى بها من الأصل؟

هنا يتوقف العلم عن الإجابة، لأنه يختص بوصف (ما يحدث؟)، ولا يعرف (لماذا يحدث؟)، أما الدين فهو يجيب بأن للكون خالق، هو الذي وهب للطبيعة قوانينها، فهو الذي قدَّر أن الرئة تساعد القلب، والشمس تتعاون مع الأرض، وهو الذي رتَّب النتائج لتحدث بعد المسبِبات.

يقول (أنتوني فلو): النقطة الهامة ليست فقط أن هناك انتظام في الطبيعة، بل دقة هذا النظام حسابيًا، وشموليته، وارتباطه ببعضه. وهو ما وصفه أينشتاين بـ(الفكر المُجسَّم). والسؤال الذي علينا طرح هو: كيف رُتِّبت الطبيعة على هذه الطريقة؟ من المؤكد أن هذا هو السؤال الذي سأله العلماء، من نيوتن إلى أينشتاين إلى هايزنبرج، وأجابوا عليه، وجوابهم كان: عقل الإله(17).

رابعًا: لو سلَّمنا أن بعض الأحداث هي نتاج قوانين ضرورية وحتمية، فاقتراب الكلور مع الصوديوم لابد أن يُنتج كلوريد الصوديوم، ولا يوجد احتمال آخر، لكن نجد منظومات لا تخضع لقانون حتمي، بل تحدث نتيجة احتمال من احتمالات متعددة، كلها متساوية بنفس الدرجة، فلماذا تكوَّن هذا الاحتمال بالذات؟

مثلما نجد حروفًا مرصوصة فتكوِّن قصيدة، فترتيب الحروف لا يخضع لقانون حتمي بين الحبر والورقة، وإنما كل الاحتمالات ممكنة، إذًا يوجد مخصص رتب الحروف بهذه الطريقة.

كذلك ترتيب دنا DNA، لا يخضع لخصائص كيميائية تحتم عليه هذا الترتيب، وإنما كل الاحتمالات متاحة ومتساوية، فكيف تفسر هذا الترتيب؟ أين القانون الحتمي هنا؟

يقول (بولاني ): لا يمكن القول أن ترتيب قواعد جزيء دنا جاء بهذا الترتيب لأن الروابط الكيميائية بين قواعده في هذا الترتيب أقوى من غيرها، لأنه لو كان ترتيب القواعد متأثر بأي خاصية ما في روابطها الكيميائية، لأفقدها قدرتها على حمل المعلومات. تخيل لو أن الحروف تترتب جوار بعضها بسبب صفة فيها، مثلًا حرف الواو يحتاج أن يأتي بعده حرف السين! عندئذ لن تتمكن الحروف من التعبير عن المعاني وحمل المعلومات. كذلك قواعد الدنا الكيميائية يجب أن تكون حرة الترتيب كي تتمكن من أداء وظيفتها التشفيرية(18).

ويقول (كوبرز): خصائص الحمض النووي تدل على أن كل الاحتمالات ممكنة في تركيب النماذج النيوكليوتيدية، وهي متساوية من وجهة النظر الكيميائية(19).

اعتراض (3): نظرية التطور(20)

أثبتت نظرية التطور أن كل الكائنات الحية، وهي كائنات معقدة بديعة، قد نشأت نتيجة تطورها من سلف مشترك عن طريق الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي، دون وجود مصمِّم حكيم.

المؤمنون بصحة نظرية التطور ينقسمون لاتجاهين:

 

  • التطور العشوائي: الذي ينسب التطور للطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي فقط.
  • التطور الموجه: الذي يثبت وجود التطور، فيقر بوجود سلف مشترك للكائنات الحية، لكن يشكك في آليات التطور، تحديدًا الطفرات العشوائية، فيرى أن الطفرات ما هي إلا تشوهات عشوائية، أغلبها مضرة، فهي غير قادرة وحدها على إنتاج هذا التنوع الدقيق الهائل، فلابد من وجود خالق حكيم وجَّه التطور لتنشأ هذه الأنواع.

 

ويستند التطور الموجه على عدة أدلة، منها:

        1. بعض الأعضاء في الكائنات الحية عبارة عن تعقيد غير قابل للاختزال، مثلًا سوط البكتيريا، وهو المسئول عن دفع البكتريا، ومكون من ثلاثة أجزاء رئيسة: (الموتور – السوط – الخطاف)، كيف تجمعت هذه الأجزاء معًا في نفس الوقت؟ وكيف تداخلت بهذه الدقة والاحترافية؟(21)

يقول أنصار التطور العشوائي: بعض أجزاء من سوط البكتريا متواجدة في محقن جزيئي بدون المحرك، فربما تطورت هذه المحقنة وتكوَّنت الأجزاء الباقية بالطفرات.

لكن ثبت أن سوط البكتيريا تكوَّن أولًا قبل المضخة!(22)

وحتى لو تكونت المضخة أولًا، فتكوين السوط يحتاج لتسلسل محدد في البناء، بناء قواعد أساسية أولًا، مجهزة لحمل باقي الأجزاء، ثم تركيب الأجزاء في أماكنها الصحيحة بدقة واحترافية، بحيث تكوِّن التركيب النهائي المعقد المتخصص. هنا لابد من وجود مصمم ذكي، قَصَدَ هذا التركيب.

يرد أنصار التطور العشوائي بأن: التطور ليس عملية عمياء، صحيح الطفرات تحدث عشوائيًا، لكن الانتخاب الطبيعي يمثل (الفلتر)/العقل، الذي يصطفي المفيد من الطفرات، وبذلك يمكن للتطور تكوين تركيبات معقدة(23).

لكن الانتخاب الطبيعي دوره اصطفاء ما تنتجته الطفرات العشوائية، لذا فهو مقيد بما تنتجه الطفرات ولا ينشيء هو تركيبًا جديدًا، فقط يبقي أو يزيل. وبذلك فالمسئول الأساسي للتطور هو الطفرات، والطفرات يمكنها – إن حالفها الحظ النادر – التعديل في سلسلة البروتينات أو الجينات، بإضافة حلقة أو حذفها أو تبديل موضعها، أما أن تنشئ تركيبًا جديدًا معقدًا متخصصًا له معنى عشوائيًا، فهو ما لم تشهد به تجربة علمية قط، واحتمالية حدوثه نادرة جدًا بحيث تقترب من الاستحالة.

مثلًا نفترض أن شخصًا أميًا يتلفظ بكلمات عشوائية أغلبها بلا معنى، وطُلب من شاعر أن يأخذ كلمات الأمي ويكوِّن منها قصيدة، بشرط ألا يضيف كلمة من عنده، ولا يتحكم في موضع الكلمات، فقط يبقي الكلمة أو يزيلها، هل يتمكن الشاعر من تكوين قصيدة محكمة دقيقة ذات معنى من الكلمات العشوائية في أماكنها العشوائية؟!(24)

  1. ظلت الكائنات وحيدة الخلية التي تتكاثر بالانقسام البسيط (التكاثر اللاجنسي) هي النوع الوحيد على الأرض طوال 3 مليار سنة، ثم ظهرت الكائنات التي تتكاثر جنسيًا مع زوج آخر، لماذا ظهر هذا النوع من التكاثر رغم تعقيداته؟! وكيف حدث بالصدفة التوافق بين الزوجين؟!

مثلًا، كيف تكوَّنت الكروموسومات في الزوجين كلٍ على حدة، وعندما يلتقيان يكوِّنا زوجين متماثلين؟!

كيف تكوَّن في رأس الحيوان المنوي الإنزيمات المطلوبة لاختراق البويضة دون أن يعرف الذكر عن تركيب الأنثى شيئًا؟!

كيف تكوَّن الهرمون الجنسي في الزوجين ليدفعهما لعلاقة جنسية؟!

  1. التطور المبني على الطفرة والانتخاب الطبيعي يحتاج وقتًا هائلًا، لكن تشير الحفريات إلى أن 34 شعبة من الحيوانات التي تمثل المملكة الحيوانية ظهرت كلها خلال 5-10 ملايين سنة فقط، وهو ما يُسمى بالانفجار الأحيائي الكمبيري.
  2. ظهور نوع جديد عبر التطور العشوائي يستلزم تطور النوع السابق إلى حلقات انتقالية كثيرة، بحيث تنحرف كل حلقة عن سابقتها قليلًا حتى ينشأ نوع جديد، لكن علم الحفريات لا يمدنا بالعدد الكافي لهذه الحلقات الانتقالية، رغم مرور أكثر من 150 عامًا على إعلان النظرية، ورغم وجود أكثر من 250.000 حفرية بين يدينا، كأن التغير لم يكن عشوائيًا بطيئًا، بل كان قفزات موجهة.
  3. لا يستطيع التطور العشوائي تفسير كيف نشأت اللغة، وأنشطة العقل: الوعي والفكر والإبداع.

وبذلك يتبين أن الطفرات العشوائية قد تُعدِّل في شفرة موجودة بالفعل، لكن لا تبني تصميمًا معقدًا من البداية. وقد يتطور العلم ليكتشف آليات أكثر دقة للتطور، لكن تظل المعلومة، الفكرة، التصميم، التقدير، الخطة، الإرادة، التوجيه، الخلق من الخالق الحكيم العليم.

النتيجة

بذلك يثبت أن الطبيعة والصدفة لا يمكنهما تنظيم الكون بهذه الدقة، وإنما ثبت أن للكون منظِّم حكيم.

وقد أشار القرآن لهذا البرهان العقلي فقال: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا)(25).

———————-

  1. مقال (دليل الخلق)
  2. (العلم ودليل التصميم في الكون) ص23
  3. (تاريخ موجز للزمن) ص110
  4. (وهم الإله) ص145
  5. (فقط ستة أرقام)
  6. (تاريخ موجز للزمن) ص113
  7. (تاريخ موجز للزمن) ص114
  8. (العلم ودليل التصميم في الكون) ص66
  9. (كيف بدأ الخلق؟) ص225
  10. (التصميم الذكي .. فلسفة وتاريخ النظرية) ص28
  11. (التصميم الذكي .. فلسفة وتاريخ النظرية) ص57
  12. (التصميم الذكي .. فلسفة وتاريخ النظرية) ص33
  13. (التصميم الذكي .. فلسفة وتاريخ النظرية) ص58
  14. (شموع النهار) ص221
  15. (العلم ودليل التصميم في الكون) ص175
  16. (الإسلام يتحدى) ص19
  17. (هناك إله) ص103
  18. (التصميم الذكي .. فلسفة وتاريخ النظرية) ص36، منقول بتصرف
  19. (العلم ودليل التصميم في الكون) ص101، نقلًا عن Prior Probability) p.364)
  20. للاستزادة عن نظرية التطور وعلاقتها بالدين
  21. (كيف بدأ الخلق؟) ص225
  22. (التصميم الذكي .. فلسفة وتاريخ النظرية) ص86 –
  23. (التصميم الذكي قيد المحاكمة) ق 1:06 – 1:20
  24. (الحجة العلمية للتصميم الذكي) .
  25. للاستزادة راجع (مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد