لا نقصد بدليل الفطرة ما هو شائع: أن الإنسان يستشعر في نفسه الاحتياج للإيمان بالله، إذن الله موجود! فهذا لا يصلح دليلًا عقليًا منطقيًا؛ لأن الاحتياج لا يثبت الوجود.

(فِطْرة) على وزن (فِعْلة)، وصيغة (فِعْلة) تدل على هيئة الفعل، وتعني الفطرة الإنسانية: تلك الهيئة المتميزة التي خُلق الإنسان عليها(1).

نلاحظ أن الإنسان، بجانب كونه جسدًا ماديًا بيولوجيًا، فهو كائن عقلاني وأخلاقي. وبهاتين الصفتين انتقل الإنسان من الحياة المادية الحيوانية البيولوجية إلى حياة روحية، فهو مزود بمعارف أولية، يبحث عن الحقيقة، يميز بين الحسن والقبح، يتطلع إلى ما وراء الموت، يسأل عن العلة والغاية، يدرك الجمال، يضحي بملذاته للحفاظ على القيم والمبادئ الأخلاقية.

وتظهر المفارقة بين المادية والروحية في نظرة العلم والفن للكون؛ فيرى العلم الإنسان هيكلًا عظميًا، والمسجد حجارة، واللوحة الفنية كمية ألوان. أما الفن فيرى معنى، جمالًا، غاية، يفرِّق بين المقدس والنجس، الرِفعة والخسة، الجمال والقبح، الواجب والحرام. صحيح «العلم دقيق، لكن الفن أصدق»(2).

ومن هنا نتلمس وجود هيئة إنسانية متميزة عن الكون المادي والحياة البيولوجية، ما مصدر هذه الفطرة الإنسانية؟

أولًا: مصدر المبادئ العقلانية

كل عقل بشري يجد نفسه مضطرًا للاعتقاد بمبادئ أولية، بديهية، ضرورية، مثل: «الكل أكبر من الجزء»، و«لكل حدث سبب»، و«استحالة اجتماع النقيضين». وكل اعتقاد وفكرة يتبناها العقل مبنية ومستندة على هذه المبادئ، كأنها هي أساسيات العقل التي برمجته وهيئته للتفكير العقلاني المنطقي.

من سمات المبادئ الأولية:

– ضرورية: كل اعتقاد يقوم على دليل يسبقه، والدليل يقوم على دليل يسبقه، ولو استمر هذا التسلسل إلى ما لا نهاية، ما ثبت اعتقاد قط! لذلك فالعقل البشري مزود بهذه المبادئ الأولية، فهي أول الأدلة التي يُبنى عليها كل اعتقاد، وهي نفسها لا تقوم على أدلة تسبقها، بل نجد أنفسنا مضطرين لقبولها اضطرارًا، كأنها مغروزة في العقول.

يقول ابن سينا: «الأوليات هي قضايا ومقدمات تحدث في الإنسان من جهة قوته العقلية، من غير سبب يوجب التصديق بها إلا ذواتها… وجب أن يصدق بها الذهن ابتداءً بلا علة أخرى… ومثال ذلك أن «الكل أعظم من الجزء»، وهذا غير مستفاد من حس ولا استقراء ولا شيء آخر. نعم قد يمكن أن يفيده الحس تصورًا لـ(الكل) ولـ(الأعظم) ولـ(الجزء)، وأما التصديق بهذه القضية فهو من جبلته»(3).

ويُعرِّف القاضي عبد الجبار المبادئ الأولية بقوله: «العلم الذي يحصل فينا، لا من قِبلنا، ولا يمكننا نفيه عن النفس»(4).

ويقول ابن تيمية: «لو لم يحصل في قلب الإنسان علم إلا بعد علم قبله، للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداءً! فلا بد من علوم بديهية يبتدئها الله في قلبه، وغاية البرهان أن ينتهي إليها»(5).

– كلية: حين نقول: «لكل حدث سبب»، فهو مفهوم كلي ينطبق على كل حدث، في كل زمان وكل مكان، فحتى لو تصورنا عالمًا آخر، سيظل لكل حدث سبب.

وهو ما يثبت أن هذه المبادئ ليست نتاج التجربة؛ لأننا لم نقم بتجربة على كل حدث قبل الخروج بهذا المبدأ، وإنما نجده مستقرًا في عقولنا بهذا الإطلاق قبل أي تجربة(6).

– عامة: هذه المبادئ مترسخة في عقول كل البشر؛ فأي إنسان، في أي عصر أو مكان، مهما كان مستواه العلمي، مهما قلت خبراته، مهما صغر سنه، لو سألناه: هل تعتقد أن شيئًا ما يمكن أن يكون صوابًا وخطأً في نفس الوقت؟ هل يمكن أن يقوم حدث بلا سبب؟ مؤكد ستكون إجابته بالنفي.

وهنا واجب السؤال: مَن زرع هذه المبادئ في عقولنا؟

طالما الإنسان لم يستنتج هذه المبادئ من أدلة تسبقها، ولم يستنتجها من تجارب حياتية، ولم يرثها من طفرات عشوائية، إذن فنحن أمام خِلقة/هيئة/فطرة إلهية وليس بنية عشوائية نتاج طفرات بيولوجية.

اعتراض: إذا سألنا طفلًا: هل تؤمن بمفهوم السببية (لكل حادث سبب)؟ سيجيب: لا أفهم معنى هذا الكلام.

إذن كيف تدَّعون أنها فطرية، وعقل الطفل يخلو منها؟!

كما أن القرآن – الذي تؤمن أنت به – يقول: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)، فهو اعتراف منكم بأن الإنسان يُولد جاهلًا تمام الجهل، كأنه صفحة بيضاء، وبالتجارب والممارسة يكتسب معارفه، بما فيها المبادئ الأولية.

صحيح الطفل لا يستطيع الاعتراف بهذه الصيغ للمبادئ الأولية، لكن ليس لأنه يرفضها، أو يحتاج لتجارب تثبتها له، وإنما لأنه لا يتصور معنى هذه الصيغ، فلا يفهم معنى كلمة حادث وسبب، أما بمجرد تصوره لهذه المفاهيم، ومعرفة معانيها، فهو يحكم تلقائيًا على صحتها، دون احتياج لتجربة أو انتظار استقراء للواقع.

بصيغة أخرى: العلم يحتاج إلى تصور وتصديق. التصور يحتاج للتجارب؛ فالطفل يُولد ولا يتصور أي شيء، وبالحواس والتجارب يتصور معنى النار، الحرق، السبب، النتيجة. أما تصديق المبادئ الأولية، فلا يحتاج لتجربة؛ فبمجرد تصور الطفل لهذه المبادئ، يصدقها مباشرة.

إذن ما نعنيه بفطرية هذه المبادئ ليس أن الطفل يُولد حافظًا ومرددًا لهذه الجمل بألفاظها، وإنما المقصود هو الاستعداد الفطري للإيمان والتصديق بمعناها ومضمونها.

يقول ابن حزم: «إن الصبي الصغير في أول تمييزه إذا أعطيته تمرتين بكى، وإذا زدته ثالثة سعد، وهذا علم منه بأن الكل أكثر من الجزء، وإن كان لا ينتبه لتحديد ما يعرف من ذلك.

وإذا رأى شيئًا قال: مَن عمل هذا؟ ولا يقنع ألبتة بأنه انعمل دون عامل، فهذا علمه بأنه لا يكون فعل إلا لفاعل.

وليس بين أول أوقات تمييز النفس وبين إدراكها لكل ما ذكرنا مهلة ألبتة، فصح أنها ضرورات أوقعها الله في النفس، ولا سبيل إلى الاستدلال ألبتة إلا من هذه المقدمات، ولا يصح شيءٌ إلا بالرد إليها، فما شهدت له مقدمة من هذه المقدمات بالصحة، فهو صحيح متيقن، وما لم تشهد له بالصحة، فهو باطل ساقط‏»(7).

وتزيدنا (د. أليسون جوبنيك )، أستاذة الطب النفسي للأطفال، بقولها: الطفل في استكشافه للعالم من حوله وسعيه لاكتساب اللغة والمعارف يتصرف تمامًا كالعالم في مختبره؛ فهو يضع الفرضيات ويختبرها، ويستبعد النتائج غير المفيدة أو المتناقضة أو المغرقة في التعقيد(8).

ثانيـًا: مصدر الأخلاق

يدرك كل إنسان أن العدل والأمانة حسنٌ، والظلم والخيانة قبحٌ، هذا الشعور هو واقع مترسخ في النفس البشرية لا يمكن إنكاره أو التخلي عنه، ولا يحتاج لجدال وإقناع، بل هو مزروع في العقول.

السؤال هنا: ما مصدر هذه القيم الأخلاقية؟ لماذا العدل حسن والظلم قبيح؟ ومَن زرع في كل نفس بشرية مفهوم الأخلاق والقدرة على التمييز بين الحسن والقبح؟

الإيمان والإلحاد لا يقومان فقط على دراسة: هل يوجد إله أم لا؟ بل كل طرف هو نظرية بحيالها، نظرية عليها تقديم تفسير منطقي وواقعي عن العالم والإنسان. الآن نختبر تفسير النظريتين لظاهرة الأخلاق.

هل يستطيع الإلحاد تفسير الأخلاق؟

لو افترضنا عدم وجود إله، فيلزم عن ذلك عدة إلزامات: نفي وجود غاية من وراء خلق الكون والإنسان، ويؤمن فقط بالحياة البيولوجية؛ فوجود الإنسان والعقل والوعي والعواطف وشعورنا تجاه القيم، كل ذلك غير مقصود، بل هو نتاج تطور بيولوجي عشوائي.

يقول (واتسون ): «لا أعتقد أننا موجودون لغاية ما. نحن حصيلة طبيعية للتطور»(9).

ويقول (جوليان باجيني ): «ما يؤمن به غالبية الملحدين أنه على الرغم من أن الكون مادي بحت، فإن العقل والجمال والعواطف والقيم الأخلاقية، بل كل الظواهر التي تعطي الحياة الإنسانية قيمتها، قد انبثقت من الكون المادي»(10).

ولما كانت هذه هي رؤية الإلحاد، فهو لا يؤمن بوجود قيم مطلقة وثابتة. ويفسر مفهوم الأخلاق بأن البشر هي التي أعطت قيمة اعتبارية للخلق الحسن؛ فعبر تطور البشرية، ما رأته يحقق لذة ومنفعة، اعتبروه خلق حسن، وما يضر بمصالحهم، اعتبروه خلق قبيح.

إذن فالأخلاق طبقًا لهذا المنظور: 1. اعتبارية ونسبية. 2. دافعها اللذة المادية.

  1. هل معيار الأخلاق اعتباري ونسبي؟

يستدل الإلحاد على نسبية الأخلاق بتغير نظرة البشر للأخلاق عبر التاريخ، وعبر اختلاف الثقافات؛ فما يستحسنه دين ومجتمع وزمن يستقبحه آخرون. كما أن بعض القضايا المعقدة، يختلف حولها الفلاسفة ورجال الدين والعلماء، فكيف نقول أن الأخلاق يعرفها البشر بالضرورة ومزروعة في عقولهم وهي بهذا الاختلاف؟!

فرقٌ كبير بين المفاهيم الأساسية للأخلاق، والحكم على فعل بعينه؛ فكل البشر تتفق وتعرف بالضرورة أن الظلم، والخيانة، والغش، والغدر، قبح. وهو حكم لا يحتاج إلى نظر أو استدلال. لذلك كل الدساتير والشرائع والأعراف تتفق على هذه القيم العامة، فتُحرِّم قتل الأبرياء، وظلم المستضعفين.

يقول القاضي عبد الجبار: «مِن كمال العقل العلم بأن الظلم مما نستحق به الذم، ولا يختلف العقلاء في العلم بذلك»(11).

أما الحكم على فعل بعينه: هل هو حسن أم قبيح؟ فهو ما يستدعي الاستدلال والتفكير، وهنا قد تختلف العقول، وتتباين الثقافات. والخلاف هنا لا يدور حول القيم نفسها، فالجميع يتفقون على القيم العامة، لكن محل الخلاف: هذا الفعل تحديدًا يندرج تحت أي باب من القيم العامة؟ ومتى ظهر أن الفعل عادل، اتفقت العقول بالضرورة على حسنه(12).

مثلًا الزواج المبكر للفتيات، قديمًا في كل الثقافات والحضارات كان سن الزواج مبكرًا، وهم بذلك لا يرمون بناتهم، ويتاجرون بأعراضهم، وإنما ظنوا أن ذلك غير مضر، ومعتاد، ولديهم آلاف النماذج المألوفة.

أما مع تطور الوعي البشري، وزيادت الأبحاث الكاشفة عن الأضرار الجسدية والنفسية للزواج المبكر، وزيادة الحالات المتضررة، أدرك الوعي البشري ضرر الزواج المبكر، فمنعه. هنا لم تتطور الأخلاق، فلم يكن الضرر فعل أخلاقي ثم بات جريمة! وإنما تطور الوعي/المعلومة، فلم يكن الضرر واضحًا، فبات واضحًا.

يقول د. زكريا إبراهيم: «التفاوت القائم بين الشرائع الأخلاقية يرجع إلى أن هذه الشرائع لا تمثل تقريرات أو صياغات للمبادئ الأخلاقية القصوى، بل هي مجرد تطبيقات لتلك المبادئ على بعض الظروف الواقعية لهذا المجتمع أو ذاك. مثلًا مبدأ العفة؛ الكل يتفق عليه، لكن جماعة الرهبان حين تطبق هذا المبدأ، فإنها تطبقه بطريقة مختلفة عن تطبيق الأسرة في علاقاتها الزوجية»(13).

ويقول (دافيد ستاموس ): «نجد قبيلة في السودان ترمي أطفالها الممسوخين في النهر، لكن هذا التصرف لا يعود لأن لديهم قيمًا أخلاقية مختلفة عنا، لكن لأن لديهم اعتقادات مختلفة؛ فهم يعتقدون أن هذه الأطفال ملك لرب النهر، وبذلك يوجد خلاف اعتقادي ولا يوجد خلاف أخلاقي.

مثلما نختلف حول أخلاقية الإجهاض، فجوهر الخلاف: هل الجنين إنسان أم لا؟ وليس خلافنا حول القيم الأخلاقية ذاتها.

فبرغم التنوع الثقافي في الممارسات الأخلاقية، لكن يوجد أساس مشترك للقيم الأخلاقية»(14).

ولو افترضنا أن القيم العامة منشئها الإنسان وتابعة لمصالحه، كأنه يقول: «طالما الوفاء بالعهد مفيد، سأفي بعهدي»! لنتج عن ذلك أن في زمن ما، أو مكان ما، حين تتغير المصالح، قد يمكننا استحسان قتل المعاقين، وظلم المستضعفين، ونهب المجانين، وخيانة الأعداء، متى كان ذلك مفيدًا لنا، وارتضاه المجتمع!

إن هذه النسبية هي مقبرة الأخلاق؛ إذ تفقدها قدرتها على الإلزام والوجوب؛ فدور الأخلاق أن تكون حَكَمًا موضوعيًا ثابتًا على الإنسان، وليست تابعة لمصالحه وأهوائه.

ولو كانت الأخلاق نسبية تطورية، لما تمكَّن البشر من أي اتفاق على خلق، أو تفضيل خلق، أو اعتبار إنسان ما على خلق حسن؛ لأن حينئذ يكون لكل مجتمع أخلاقه وقيمه!

يقول د. زكريا إبراهيم: «النتيجة المنطقية التي لا بد أن تفضي إليها حتمًا نظرية (النسبية الأخلاقية) أنه لن يكون ثمة إنسان أفضل من إنسان آخر، ما دام لكل إنسان منظوره الأخلاقي الخاص!»(15).

ويقول (ديفيد برلنسكي ): «إذا لم تكن الواجبات الأخلاقية مأمورة بإرادة الله، ولم تكن في الوقت ذاته مطلقة، فإن (ما ينبغي أن يكون) هو ببساطة ما يقرّره الرجال والنساء. لا يوجد مصدر آخر للحكم»(16).

ويجمع (ديستويفسكي) القضية بقوله الشهير: «إن لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح».

أما الإيمان، فلأنه يؤمن بأن وراء هذا الكون غاية وعلة، إله وحساب، فهو يحتكم لقيم موضوعية، مطلقة، ثابتة، كلية، ملزِمة، لا تتغير بتغير الواقع، يقبلها من يقبلها، ويرفضها من يرفضها، فحتى لو خان كل البشر، ستظل الخيانة قبيحة. وحتى لو كانت الخيانة مفيدة، ستظل قبيحة. وحتى لو اختفى البشر وخُلقت كائنات ذكية أخرى، ستظل الخيانة قبيحة.

  1. هل اللذة هي الدافع للأخلاق؟

لأن الإلحاد لا يؤمن إلا بالحياة الدنيا، فهو يحصر كل فعل أخلاقي ودافع إنساني في اللذة/المنفعة/المصلحة الدنيوية.

يقول (ريتشارد دوكينز ): لدينا أربعة أسباب جيدة من الناحية الداروينية ليتمتع الفرد بالإيثار والكرم والأخلاق الحميدة تجاه الآخرين:

١. جيناتنا أنانية، وهي حريصة على وجودها وتكاثرها، لذلك تدفعنا لنؤثر القريبين منا ونحسن إليهم ليظلوا حاملين لصفاتنا الوراثية.

٢. تبادل المنفعة؛ فأعاملك بلطف كي ترد لي نفس الخلق.

٣. اكتساب سمعة حسنة.

٤. الاستعلاء على الآخرين ليظهر صاحب الخلق أنه أفضل من غيره(17).

وهي دوافع تحصر الأخلاق في المنفعة الدنيوية.

ويقول (هولباخ ): «جميع هذه الكائنات تبحث عن اللذة، وجميعها يخشى الألم. وقد اصطلحوا على تسمية ما سبَّبَ لهم اللذة (خيرًا)، وكل ما يسبب لهم الألم (شرًا)»(18).

لكن ينتقد (بيجوفيتش ) هذا المفهوم ويقول: «إن الخبرة الإنسانية كلها في مجال الأخلاق تناقض هذه الفكرة المادية، وقد تواضع الناس على أن يستبعدوا اللذة من العمل الأخلاقي. فأي لذة توجد في الزهد والتبتل والتضحية المادية والصيام، وفي كثير من أنواع نكران الذات وكبح النفس، والتضحية في سبيل المبدأ أو من أجل الآخرين؟ إن الأخلاق النفعية متناقضة مع مفهوم الإنسان المتحضر للأخلاق، بقدر ما هي متناقضة مع مفهوم الإنسان البدائي.

الأخلاق ليست مربحة، بالمعنى العام لهذه الكلمة، فهل نستطيع مثلًا أن نقول: إن شعار «النساء والأطفال أولًا» مفيد من الناحية الاجتماعية؟ هل من المفيد أن تكون عادلًا أو أن تقول الصدق؟ نستطيع أن نتصور مواقف عديدة يكون الظلم فيها والكذب هما المفيدان. وبالمثل، فإن التسامح الديني والسياسي والعرقي والوطني ليس مفيدًا بالمعنى المعتاد للكلمة. أمّا أن تدمر الخصوم، فهذا أكثر فائدة من وجهة النظر العقلانية البحتة. إن حماية العجزة والمقعدين، أو العناية بالمعوّقين والمرضى الذين لا أمل في شفائهم، كل ذلك ليس من قبيل السعي وراء الفائدة. فالأخلاق لا يمكن أن تخضع لمعايير المنفعة.

نعم، قد يكون السلوك الأخلاقي أحيانًا مفيدًا، ولكن ليس معنى هذا أن شيئًا قد أصبح أخلاقيًا لأنه أثبت فائدته في فترة ما من فترات الخبرة الإنسانية. على العكس، فهذه الخبرة نادرة الحدوث.

إن الاعتقاد المتفائل بوجود اتساق بين المنفعة من ناحية، وبين الصدق والأمانة من ناحية أخرى، أثبت أنه اعتقاد ساذج، بل وضار. فله أثر مدمر على نفوس الناس؛ لأنهم يشاهدون عكس ذلك على الدوام. ولكن الإنسان المستقيم بحق هو الإنسان الذي يقدم على التضحية، وإذا واجه الإغراء ثبت على إخلاصه للمبادئ لا لمصلحته.

إذا غامر إنسان بحياته فاقتحم منزلًا يحترق لينقذ طفل جاره، ثم عاد يحمل جثته بين ذراعيه، فهل نقول إن عمله كان بلا فائدة، لأنه لم يكن ناجحًا؟ إنها الأخلاق التي تمنح قيمة لهذه التضحية عديمة الفائدة»(19).

ويقول د. زكريا إبراهيم: «لا يمكن أن تكون الفضيلة مجرد استجابة لنداء اللذة، وإلا لكان كل الناس فضلاء، خصوصًا في عصرٍ أصبح فيه السعي وراء الملذات طابعًا مميزًا لمعظم خبرات الناس»(20).

أما تفسير الأخلاق الذي يرتضيه الإيمان، فيصوغه (بيجوفيتش ) بقوله: «إن مشهد العدالة المهزومة التي تتعلق بها قلوبنا رغم هزيمتها، ليس حقيقة من حقائق هذا العالم. فأي شيء في هذا العالم يمكن أن يبرر سلوك بطل يسقط لأنه ظل مستمسكًا بالعدالة والفضيلة؟ فإذا كان هذا العالم يوجد فقط في المكان والزمان، وإذا كانت الطبيعة لا تبالي بالعدالة، وُجدت أو لم توجد، فإن تضحية البطل تكون بلا معنى. لكننا نستبعد ذلك، فلا بد أنها إلهام من عند الله، إنها تنتمي إلى عالم آخر غير عالمنا الدنيوي، عالم يتميز بمعانٍ وقوانين مغايرة لهذا العالم الطبيعي بجميع قوانينه ومصالحه.

إن الأخلاق، باعتبارها ظاهرة واقعية في الحياة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها تفسيرًا عقليًا، ولعل في هذا الحجة الأولى والعملية للدين. فالسلوك الأخلاقي، إما أنه لا معنى له، وإما أن له معنى في وجود الله، وليس هناك اختيار ثالث. فإما أن نُسقط الأخلاق باعتبارها كومة من التعصُّبات، أو أن ندخل في المعادلة قيمةً يمكن أن نسميها الخلود، فإذا توافر شرط الحياة الخالدة، وأن هناك عالمًا آخر غير هذا العالم، وأن الله موجود. بذلك يكون سلوك الإنسان الأخلاقي له معنى وله مبرر»(21).

اعتراض: تقول إن الأخلاق تتعارض مع الإلحاد، لكننا نجد ملحدين يتمتعون بأخلاق حسنة.

يرد (فرانك توريك ) بقوله: «لا أقول بأن الملاحدة لا يعرفون الأخلاق، وإنما أقول: إنهم لا يمكنهم تبرير الأخلاق. نعم يمكنهم التصرّف بخُلق، ويمكنهم الحكم على بعض الأفعال بأنها أخلاقية أو لا أخلاقية، لكنهم لا يستطيعون توفير قاعدة موضوعية لأحكامهم الأخلاقية»(22).

ويقول (بيجوفيتش): «ليست هناك علاقة (أوتوماتيكية) تلقائية بين عقيدتنا وسلوكنا. فسلوكنا ليس بالضرورة من اختيارنا الواعي. إنه على الأرجح نتيجة التنشئة والمواقف التي تشكلت في مرحلة الطفولة أكثر منه نتيجة للمعتقدات الفلسفية والسياسية الواعية التي تأتي في مرحلة متأخرة من مراحل الحياة. فإذا تعلَّم شخص ما أن يحترم كبار السن، وأن يحافظ على كلمته، وأن يحكم على الناس بصفاتهم، وأن يحب الآخرين ويساعدهم، وأن يقول الصدق، إذا نشأ على كل هذه الأخلاق الحميدة فستكون هي صفاته الشخصية، بصرف النظر عن أفكاره السياسية الأخيرة أو فلسفته الإسمية التي يعتنقها.

لذلك ظهرت الحالتان الشاذتان: مؤمن غير أخلاقي، وملحد أخلاقي، وكلاهما غير ملتزم بمعتقده، فالإيمان بفكرة شيء، والالتزام بمقتضياتها شيء آخر.

إذن يوجد ملحدون على أخلاق، ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي»(23).

النتيجة

نحن أمام هيئة إنسانية متميزة، هيئة عاقلة وأخلاقية. هذه الهيئة لا تنتمي لهذا الكون بمواده وعناصره، بل هي صنعة إلهية، وفطرة ربانية، ونفخة روحية، تثبت وجود إله، خلق فَهَدَى.

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).

(قَالَ: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى؟ قَالَ: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

1- (الفطرة) ص11
2- (الإسلام بين الشرق والغرب) ص146
3- (النجاة) ص56
4- (شرح الأصول الخمسة) ص48
5- (درء تعارض العقل والنقل) ج3 ص308
6- (مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي) ص312-368
7- (الفصل بين الملل والأهواء والنحل) ج1 ص16
8- (The Scientist in the Crib)
9- (وهم الإله) ص102
10- (وهم الإله) ص16، نقلًا عن (الإلحاد – تعريف قصير جدًا)
11- (المغني - التعديل والتجوير) ص18
12- (في علم الكلام - المعتزلة) ص153
13- (المشكلة الخلقية) ص62
14- (التطور والأسئلة الكبرى) ص285
15- (المشكلة الخلقية) ص72
16- (The Devil's Delusion) p.39
17- (وهم الإله) ص٢١٤-٢23
18- (الإسلام بين الشرق والغرب) ص197
19- (الإسلام بين الشرق والغرب) ص197
20- (المشكلة الخلقية) ص129
21- (الإسلام بين الشرق والغرب) ص176
22- (Stealing From God)
23- (الإسلام بين الشرق والغرب) ص204.
عرض التعليقات
تحميل المزيد