يومًا بعد آخر تكثر عمليات الهبوط من مركب النظام المصري وتتصاغر وتضمر رقعة مؤيديه، وقد بدأ أنصار 30 يونيو الاعتراف بأن سياسات القائم بالانقلاب ستغرق المركب.

ورغم اتضاح الصورة كاتضاح الشمس في ظهيرة أغسطس، ما زال البعض يكابر ويصر على موقفه الخاطئ الذي أعطى المبرر لـ«لانقلاب» على شرعية الرئيس مرسي, بل وعلى جميع استحقاقات الشعب المصري ومكتسبات ثورة 25 يناير؛ ورغم اتضاح الصورة كما قلت ما زال الهوى والكيد والانتصار للنفس, السمة الغالبة على فريق من أنصار 30 يونيو, وأعنى هنا عدم الاعتراف بشرعية الرئيس مرسي، بل والسخرية والاستهزاء ممن يطالب بعودته. مع أن ما جرى في هذا اليوم هو ما ترتب عليه بعد ذلك من تمكين لحكم العسكر!

في حقيقة الأمر أن هذا الفريق ليس لديه مشكلة في مبدأ الانقلاب؛ ولكن مشكلته تتلخص في أن الانقلاب لم يحقق له مراد هواه وإشباع بطنه والمصالح والمكاسب التي كان يتوقعها من قائد الانقلاب. وإلا فأخبرني بالله عليك؛ كيف تدعي أنك أصبحت ترفض سياسات القائم بالانقلاب ثم تتمسك بالانقلاب، وإزالة صفة (الشرعية) عن الرئيس الذي قام عليه الانقلاب؟

يتعلل البعض بأن سياسات ونوايا قائد الانقلاب لم تكن واضحة! وهذا والله أمر في غاية العجب لعدة أسباب, منها أن ما جرى في 30 يونيو كان تمهيدًا للتمكين لحكم العسكر!

وقد اعتراف قائد الانقلاب لمحاوره «أسامة كمال» عبر لقاء تليفزيوني مسجل في برنامج «القاهرة 360»، أن ما حدث في 30 يونيو كان مدبرًا، بل ومعدًا له من قبل الأحداث بفترة طويلة.

لماذا تمسك عثمان بن عفان بالشرعية؟

الشرعية في تقديري ليس معناها (شخص) محمد مرسي, الشرعية (مبدأ) وهو نفس الـ(مبدأ) الذي اشتهد من أجله سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه.

يقول الدكتور صلاح الخالدي: «عندما ثار اليهود (السبئيون) على سيدنا عثمان، ونجحوا في تجييش الغوغاء ضده، (كما حدث ضد مرسي)، وطالبوه بالاستقالة، وإلا قتل، لكنه رفض الاستقالة، حتى لا يفتح باب الفوضى واستمر على موقفه (الدفاع عن المبدأ) حتى لقي الله شهيدًا, وحتى لا تكون (سنة) من بعده».

“«عندما احتل الخارجون المفسدون المدينة، وضغطوا على سيدنا عثمان طالبين منه الاستقالة وخلع قميص الخلافة استشار سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

قال له ابن عمر: لا تخلع قميص الله عندك، فلو فعلت فستكون (سنة) من بعدك».

أصل الحكاية

وتبدأ حكاية سيدنا عثمان مع الغوغاء عندما تأذى الرعاع وأجلاف الأعراب من تقديم أصحاب الجهاد والبلاء والعلم والتقوى في المجالس والرئاسة والاستشارة، وصاروا يعيبون على الولاة تقديم هؤلاء عليهم واستشارتهم دونهم ويعتبرونهم تمييزًا, وجفوةً وإقصاءً لهم، واستغل الحاقدون هذا الأمر في نفوسهم، وغرسوا فيهم كره الخليفة والدولة ورفض أعمال الوالي سعيد بن العاص، ونشر الإشاعات ضده بين الناس، ونظم هؤلاء جمعية سرية خبيثة (تمرد) وجعلوا لهم أتباعا في المدن الكبيرة والأقاليم العديدة، وكونوا شبكة اتصالات بينهم، وكانت أهم فروع جمعيتهم في: الكوفة، والبصرة، ومصر، ولهم بعض العناصر في المدينة والشام.

أوصى ابن سبأ أتباعه المنتشرين في بلاد المسلمين، فقال لهم: انهضوا في هذا الأمر، وابدؤوا بالطعن على أمرائكم وولاتكم الذين يعينهم الخليفة، وصار أتباع ابن سبأ يؤلفون الأكاذيب والافتراءات عن عيوب أمرائهم وولاتهم، وينشرونها في كتب يرسلها بعضهم إلى بعض في الأمصار، وبذلك أفسد «السبئيون» الأرض وأفسدوا المسلمين، ومزقوا كلمتهم، وزعزعوا أخوتهم ووحدتهم، وهيجوا الناس على الولاة والأمراء، ونشروا الافتراءات ضد الخليفة عثمان نفسه.

توجه ابن سبأ إلى الشام ليفسد بعض أهلها ويؤثر فيهم، ولكنه لم ينجح في هدفه الشيطاني، فقد كان له سيدنا معاوية – رضي الله عنه- بالمرصاد. بعدها صار ابن سبأ يتنقل فدخل البصرة والكوفة ومصر واستقر بها. وكان ابن سبأ يرتب الاتصالات السرية بين مقره في مصر وبين أتباعه في المدينة والبصرة والكوفة، ويتحرك رجاله بين هذه البلدان، واستمرت جهود ابن سبأ وأعوانه حوالي ست سنوات، حيث بدؤوا أعمالهم الشيطانية سنة ثلاثين، ونجحوا في آخر سنة خمس وثلاثين في قتل الخليفة عثمان, استشهد سيدنا عثمان من أجل الـ(مبدأ). وليس استمساكًا بالسلطة, (الدكتور مرسي قال: إن ثمن الحفاظ على الشرعية هو حياتي، ولم يقل إن ثمن حياتي هو الشرعية) استشهد سيدنا عثمان تنفيذًا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم, حيث أخبره الرسول صل الله عليه وسلم (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) بما سيجري له، وطلب منه أن لا يستجيب لأهل الـ(تمرد).

روى الترمذي وأحمد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعثمان: «يا عثمان: إن الله مقمصك قميصًا، فإذا أرادك المنافقون على أن تخلعه فلا تخلعه لهم، ولا كرامة». فاستجاب سيدنا عثمان رضي الله عنه.

لقد كانت نظرة عثمان – رضي الله عنه- بعيدة الغور.

يقول الشيخ ناصر بن محمد الأحمد : «فلو أجابهم إلى ما يريدون (يقصد عثمان) لسن بذلك سنة، وهي كلما كره قوم أميرهم خلعوه، ولألقى بأس الأمة بينها، وشغلها بنفسها عن أعدائها, وذلك أقرب لضعفها وانهيارها، على أنه لم يجد سوى نفسه يفدي بها الأمة، ويحفظ كيانها وبنيانها من التصدع، ويدعم بهذا الفداء نظامها الاجتماعي ويحمي سلطانها الذي تساس به من أن تمتد إليه يد العبث والفوضى. ومما لا شك فيه أن  هذا الصنع من عثمان كان أعظم وأقوى ما يستطيع أن يفعله رجل ألقت إليه الأمة مقاليدها؛ إذ لجأ إلى أهون الشرين وأخف الضررين ليدعم بهذا الفداء نظام الخلافة وسلطانها».

ماذا يعنى التمسك بالشرعية

  • التمسك بالشرعيةيجب أن يبقى في ذاكرة ووجدان كل صاحب ضمير حي، حتى لو أعدموا الدكتور مرسي وحتى لو تباعدت الأيام, واستمر العسكر في الحكم لستين سنة أخرى, لأن التمسك بالشرعية (مبدأ).
  • التمسك بالشرعيةيعنى التمسك بالاستحقاقات التي أتت عبر الآليات «الديمقراطية» ولا ينبغي التنازل عنها إلا بإرادة شعبية حقيقية (عبر الآليات المعترف بها).
  • يقول سليم عزوز:«انحيازي للشرعية ليس راجعًا إلى إيماني بأن الرئيس عائد إلى قصر الحكم لا محالة، وإلا كان موقفًا انتهازيًا بامتياز، فالانحياز يكون لما يعتقد المرء أنه الحق بغض النظر عن أنه سينتصر أم سيهزم».
  • من أجل التمسك بالشرعية استشهدالآلاف من خيرة نساء وشيوخ وأطفال وشباب مصر ومن أجل الشرعية يعتقل عشرات الآلاف، ويطارد أمثالهم, ومن أجل الشرعية  شُرد آلاف الأحرار.

وأخيرًا.. إن التنازل عن شرعية الرئيس مرسي يعنى بكل بساطة أن الشعب المصري لن يتفق في أي يوم من الأيام على رئيس بعده، مهما كان توجهه، لأن التنازل عن شرعية الرئيس مرسي يعنى فتح باب الفوضى، ولذلك فالأصل ألا نتنازل عن الشرعية، مهما كان الثمن، وهذا كان فهم واستيعاب مئات الآلاف التي اعتصمت في رابعة والنهضة, وهو فهم الملايين التي ترددت على الاعتصام طوال أيامه, وهو فهم الملايين من الشعب المصري الآن.

إن الاعتراف بـ«شرعية» الأمر الواقع, «شرعية» 30 يونيو العسكرية, يتساوى عندي مع «شرعية» سلطة الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين, حيث يجمعهما الافتقار لأي أساس أخلاقي أو قانوني أو دستوري، ويقوما على فرض الأوضاع بالقوة العسكرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد