شرح المقال السابق المقصود بإعجاز القرآن، لكن واجه الإعجاز عدة اعتراضات نناقشها هنا.

اعتراض (1): بعض آيات القرآن تبهرنا بلاغتها، غير أن بعضها مجرد سرد عادي، يخلو من أي وجه بلاغي، مثل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ …).

أولًا: ليست فنون البلاغة، كالاستعارة والكناية، مقصودة لذاتها، وإنما هي خادمة للمعنى، فإن تعمَّد الشاعر استخدام الاستعارة والتشبيه بدون داعٍ، فقد تكلَّف وتصنَّع، وإنما يستخدمها حين يكون أداء المعنى بها أفضل وأجمل.

ثانيًا: الغرض من النص هنا هو إقرار حكم تشريعي يحقق مصلحة الإنسان، وبالتالي فالدقة والإيجاز والحسم هو مقياس حسن الصياغة هنا، وهو ما نجده متوافرًا في الآيات؛ إذ خرجت عن الإسهاب الممل والاستعارات المتكلفة، بل أصابت المطلوب بدقة وانتهت.

إذن نحن أمام نص لا يحتاج بلاغة، وإنما يحتاج اختصارًا ووضوحًا، ولسنا أمام نص قصَّر وغفل عن البلاغة. أو بصيغة أخرى: هذه الطريقة السردية هي أصح طريقة للتعبير عن هذا المعنى.

اعتراض (2): بخصوص صحة معاني القرآن، فلعل القرآن به مفاهيم خاطئة، وأحكام فاشلة، لكن الفقهاء وضعوا قواعد فقهية تمكِّنهم من تلفيق النصوص واستخراج ما يريدوه من الأحكام. ألم يقل علماء مسلمون: «نُقدِّم العقل على النقل (القرآن والسنة) عند التعارض»؟ أليس هذا اعترافًا منهم بأن القرآن قد يعارض العقل؟

أولًا: القواعد الفقهية تنقسم إلى: قواعد لغوية، ومنطقية، وشرعية. وبالتالي فلفظها من الفقهاء أما معناها فمن اللغة، والمنطق، والشرع.

القواعد اللغوية مثل «حمل المطلق على المقيد»، فليست القاعدة من الفقهاء طبقًا لرغباتهم، بل يتَّبعون ما استخدمه العرب، ولو خالف القرآن البيان العربي لافتضح خطؤه.

والقواعد المنطقية مثل «اليقين لا يزول بالشك»، فهي قاعدة منطقية مُلزِمة للفقهاء وليست اختراعًا منهم. ولو خالف القرآن العقل، لافتضح خطؤه.

والقواعد الشرعية مثل «الضرر يُزال»، و«المشقة تجلب التيسير»، فلم يضعها الفقهاء لأنهم يريدون ذلك ويرونه مفيدًا، لكن باستقراء نصوص الشرع وأحكامه نجد مئات الأحكام تطبق هذه المعاني، فاستخلصوا منها هذه القواعد العامة. ولو خالف القرآن المصلحة العامة لافتضح خطؤه.

إذن فالقواعد الفقهية هي سلطة اللغة والعقل والشرع على الفقيه، هو مُلزَم بها وليس مخترعًا لها.

ثانيًا: بخصوص تقديم العقل على النقل.

النص اللغوي إما صريح ومباشر، لا يحتمل إلا معنى واحدًا. أو مجازي، بحيث يحمل استعارة، أو تشبيهًا، أو كناية… إلخ. والقرآن باعتباره نصًا لغويًا، فهو يحوي الصريح والمجاز.

وقد أجمع كل المسلمين – في كل زمان ومكان ومذهب وفرقة – أن العقل الصحيح لا يتعارض مع النقل الصريح إطلاقًا.

أما النص الذي يحتمل المجاز، فيمكن تفسيره على الحقيقة أو المجاز، هنا يدور الخلاف بين المفسرين، هل يقصد النص المعنى الحقيقي أم المجازي؟

من المرجحات بين المعنيين: أننا لو وجدنا أحد المعاني – التي يحتملها النص – يعارض العقل، وأحدها يوافق العقل، هنا نأخذ بالمعنى المتسق مع العقل، ونرد المعنى المخالف للعقل. إذن فالمفسرون يقدِّمون العقل على أحد تفسيرات النص وليس على النص نفسه.

وهذا ما نفعله في حواراتنا اليومية دون انحياز أو تعنت، فإن قلت لك: «الرئيس يُقدِّم رجلًا ويؤخِّر رجلًا»، فالنص يحتمل المعنى الصريح: الرئيس يتراقص ويُقدِّم رجلًا ويؤخر رجلًا حرفيًا! كما يحتمل النص معنى مجازيًا: الرئيس متردد. صحيح النص يحتمل كلا المعنيين، لكننا نرفض المعنى الأول الظاهري، لأن العقل لا يقبله، ونجزم أن القائل يقصد المعنى المجازي. هل في ذلك تحيز للقائل ومحاباة للمتكلم؟!

إذن فالقضية هي ترجيحات بين تفسيرات للنص، وليست محاباة للقرآن وتلفيق معانيه لتصبح عقلانية.

يقول ابن رشد: «نحن نقطع أن كل ما أدّى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن»(1).

اعتراض (3): لو كان القرآن بليغًا ودقيقًا لدرجة الإعجاز، ما وقع هذا الخلاف الكبير في تفسيراته وتأويلاته، فبسبب الخلاف حول القرآن نشأت فرق ومذاهب، ومن تأويلاته ظهر إرهابيون ودجالون! فالحقيقة أن القرآن هو نص فضفاض، يقبل أي معنى، ويمكن لأي أحد أن يستخرج منه نصوصًا بليغة مسالمة، ونصوصًا إرهابية عنصرية، وبلعبة التأويل تستطيع جره لأي معنى تريد!

بخصوص الصراعات السياسية، والفتن الكبرى، والحروب الطائفية، والفِرق والجماعات، فليست نتاج تأويلات قرآنية، ولم تكن أسباب الحروب اختلاف المسلمين حول تأويل آية! وإنما هي نتاج وحصاد صراعات سياسية، طائفية، اقتصادية، دنيوية بحتة، لا يتحملها القرآن، ولا يُسأل عنها.

وبخصوص الإرهابيين والدجالين، فليس من الإنصاف في شيء أن كل جاهل ادَّعى رأيًا دينيًا مختلًا مشوهًا، أن يتحمل القرآن أوزاره، فلم تعرف البشرية نصًا أو فكرة سلمت من التشويه، وسوء الفهم، والاستغلال!

السؤال الوحيد المقبول هنا: لماذا القرآن قابل للتأويل والاختلاف؟ لماذا سمح بتعدد التأويلات؟ .. وهنا مقال مخصص لهذا السؤال.

اعتراض (4): كل ما سبق يثبت أن القرآن جاء بأبلغ بيان، فحتى لو ثبت ذلك، ما المعجز هنا؟ ما يمنع أن يختار متكلم أدق الألفاظ، وأحسن نظم، وأصح المعاني؟

بالفعل قد يتخير متكلم أدق الألفاظ في جملة محكمة، ونجد جملًا وأبياتًا لشعراء وخطباء بليغة غاية البلاغة، لكن هل يستطيع أن يأتي بقصيدة/ خطبة/ رسالة، كل ألفاظها هي الأدق على الإطلاق؟ وصياغتها هي الأبلغ؟ ومعانيها معصومة؟ بمعنى آخر: هل يستطيع أحد أن يأتي بنص ويدَّعي أنه كله كامل؟

هذا هو الحد الفاصل بين القرآن وأي نص آخر؛ فالقرآن كامل كله، أما أي نص آخر، فقد يبلغ الكمال في أحد جمله، لكن يعجز عن الكمال في كل جمله، لذلك لم يتحدّ القرآن العرب أن يأتوا بآية أو جملة مثله، بل قدر الإعجاز هو مقدار سورة، (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ).

يقول الباقلاني: «ونحن لم ننكر أن يستدرك البشر كلمة شريفة، ولفظة بديعة، وإنما أنكرنا أن يقدروا على مثل نظم سورة أو نحوها»(2).

ولماذا يستحيل أن يأتي أحد بنص كله كامل؟

  1. عدم الإلمام بكل الألفاظ ومعانيها وكل النظم:

يستحيل أن يكتب كاتب نصًا ويدَّعي فيه الكمال؛ لأنه هو نفسه يعرف أنه غير ملم بكل ألفاظ اللغة، فلعل لفظًا غاب عنه هو الأدق، ولعل نظمًا هو الأنسب، لذلك فكل كاتب لو ترك نصه سنوات لعاد يغير فيه.

يقول الخطابي: «البشر علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وألفاظها، التي هي ظروف المعاني والحوامل لها، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي يكون بها ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها»(3).

ويقول الشافعي: «لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي»(4).

  • عدم كمال المعرفة في موضوعات متنوعة:

يقول الباقلاني: «القرآن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها: من ذِكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحِكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها.

ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور، فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح.

ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ، رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه، ووقف دونه، وبان الاختلاف على شعره»(5).

  • طول النص:

يقول الباقلاني: «ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحِكَم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطول، وعلى هذا القدر.

وإنما تُنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة، يقع فيها من الاختلال، ويعترضها من الاختلاف، ويشملها من التعمل والتكلف، والتجوز والتعسف.

وقد حصل القرآن، على كثرته وطوله، متناسبًا في الفصاحة، على ما وصفه الله تعالى به، فقال عز من قائل: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا)، فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت، وبان عليه الاختلال»(6).

اعتراض (5): لماذا معجزة القرآن كتاب علمي يحتاج لمعرفة وتدقيق لإثبات إعجازه؟ لماذا لم يرسل الله خارقة مادية مثل الأنبياء السابقين؟

المعجزة المادية حجة على من رآها بعينه، وعلى من وصلته بالتواتر. أما إن مر عليها عدة أجيال أو قرون، فيمتزج بها خرافات وأساطير، ويضعف إثبات أي شيء منها، فتفقد حجيتها.

لذا فإن أراد الخالق إرسال رسالة خاتمة وخالدة تخاطب آلاف الأجيال، فالأصلح إرسال معجزة مستمرة، باقية، يراها كل جيل بنفسه، ويحاكمها بنفسه. والقرآن هو المعجزة الوحيدة الحية بين أيدينا اليوم.

يقول علي شريعتي: «الكتاب هو المعجزة الوحيدة التي يمكن رؤيتها على الدوام، ويتجلى البعد الإعجازي فيه يومًا بعد آخر. وهو المعجزة الوحيدة التي تضمر للمستقبل بعدًا إعجازيًا قد لا يكتشفه أهل هذا الزمان. وهو المعجزة الوحيدة التي كلما كان عقل المرء وحكمته، وكلما تكامل المجتمع وتطور، كان قادرًا على إدراك كنه إعجازه بمستوى أكبر وأعمق. المعجزة الوحيدة التي لا يقتصر الإيمان بها على المعتقدين بالأمور الغيبية، بل يعترف بها كل ذي عقل وتدبير. المعجزة الوحيدة المؤثرة في النخبة قبل العوام، وفي المجتمعات المتحضرة ذات النظرة الواقعية أكثر من المجتمعات البدوية ذات النزعة الخرافية. الكتاب هو المعجزة الوحيدة التي لا تتطلع إلى إثارة إعجاب الناظرين ودهشتهم على غرار المعجزات الأخرى»(7).

اعتراضات على عدم معارضة العرب للقرآن

اعتراض (6): نحن نرى كل شاعر وكاتب متمكن من موضوعات معينة دون غيرها، فلعل العرب متفوقون في التعبير عن موضوعات معينة، وليسوا بارعين في موضوعات القرآن، فحصْرهم في موضوعات غيبية ودينية، وتحديهم أن يعبروا عنها بأسلوب أبلغ هو تحد غير عادل.

أولًا: يقول الجرجاني: «التحدي كان إلى أن يجيئوا في أي معنى شاءوا من المعاني بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف أو يقرب منه، يدل على ذلك قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)»(8) … «والمراد إن كنتم تزعمون أني قد وضعت القرآن وافتريته، وجئت به من عند نفسي، ثم زعمت أنه وحي من الله، فضعوا أنتم أيضًا 10 سور، وافتروا معانيهم، كما زعمتهم أني افتريت معاني القرآن»(9).

كأن يقول شاعر قصيدة بليغة، فيدَّعي خصمه أنها مفتراة ومسروقة، فيقول الشاعر حينئذ: أتحداك أن تأتي بقصيدة بنفس بلاغتها، حتى لو مفتراة ومسروقة، فلتعبر عما شئت، المهم أن تأتي بمثل بلاغتها.

ويقول محمد عبد الله دراز: «حين نتحدى الناس بالقرآن لا نطالبهم أن يجيئونا بنفس صورته الكلامية. كلا، ذلك ما لا نطمع فيه، ولا ندعوا المعارضين إليه. وإنما نطلب كلامًا، أيًا كان نمطه ومنهاجه، على النحو الذي يحسنه المتكلم، أيًا كانت فطرته ومزاجه، بحيث إذا قِيس مع القرآن بمقياس الفضيلة البيانية حاذاه أو قاربه في ذلك المقياس، وإن كان على غير صورته الخاصة»(10).

ثانيًا: حتى لو قلنا أن تحدي القرآن لهم أن يأتوا بمثل موضوعاته، فموضوعات القرآن متنوعة بين إلهيات، وقصص تاريخية، ومواعظ أخلاقية، وتشريعات، وتنبؤات… إلخ. فلا حصر ولا حجة لمن أراد المعارضة وفشل.

اعتراض (7): لعل العرب لم يعارضوا القرآن في البداية لتهافت دعوة الإسلام، مثلما لم يرُد الأزهر على ادعاءات داعش، ولم ترُد ناسا على ادعاءات تسطح الأرض!
ولم يعارض العرب القرآن بعد ذلك لتمكُّن المسلمين، فقد أصبح لهم دولة وهيمنة، فخافوا معارضة القرآن حتى لا تضطهدهم سلطة المسلمين، وقد قتل محمد كعب بن الأشرف لمجرد أنه قال رأيًا ضد النبي والإسلام!

أولًا: أليس من السُخف ادعاء أن قوة المسلمين انتقلت فجأة من الضَعف التافه المهمَل إلى القوة الغاشمة المتجبرة؟! ألم تتدرج قوة المسلمين إزاء عشرين عامًا؟! طوال المرحلة المكية، كان المسلمون ما بين الضعف التافه والسلطة المتمكنة، ما منع العرب من معارضة القرآن طوال هذه المدة؟!

ثانيًا: لم تكن رسالة الإسلام في بدايتها بالضعف والتفاهة التي تستدعي التجاهل، وإنما آمن بالإسلام في بدايته أغنياء وأولي قوة وبأس من قبائل مختلفة، فمن بني أمية، أسلم عثمان، وعمرو بن سعيد العاص. ومن بني أسد، أسلم الزبير بن العوام، والأسود بن نوفل، وعمرو بن أمية. ومن بني زهرة، أسلم عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن أبي وقاص. هؤلاء ليسوا مجرد شباب سفهاء الأحلام تجمعوا على فكرة اجتماعية جديدة، بل تغلغلت دعوة الإسلام ما استدعى أن يجتمع أمراء قريش، ويتدبرون الحيل، فقالوا ساحر، وقالوا مجنون.

ألم يعادوا بني المطلب، ويحاصروا شِعبهم، ويدبروا لقتل محمد، ويعذِّبوا من يسلم؟!

ألم يرسلوا وفدًا آلاف الأميال للحبشة مزودًا بالهدايا ليقلِّبوا النجاشي على المهاجرين؟!

إذن فليست دعوة تافهة من جماعة مهملة، بل هي دعوة من يومها الأول وهي صادمة وانقلابية.

ثالثًا: أما بعد تمكُّن المسلمين، فلو كانوا ينتهجون نهج السفاحين، فيقتلوا ويذبحوا من يعارضهم، ما أبقوا منافقًا في المدينة.

ولو كان محمد ممن يغتال المعارضين، لأقام المشانق وحَفَرَ الأخاديد لكل من نهش في عِرضه واتهم زوجته عائشة، إلا أنه لم يمد يدًا، ولم يسن سيفًا!

رابعًا: مما يغفل عنه كثيرون أن محمدًا ليس مَلِكًا، يأمر فيُطاع كُرهًا وجبرًا، فلو كان كذلك فربما أمر بقتل معارضيه، ونفَّذ جنوده على كرهٍ منهم، لكن محمد رسول ملتزم برسالة، وواعظ يجب أن يلتزم بمواعظه، فهو نفسه ملتزم ومحكوم بضوابط القرآن، ولو أمر بعمل يخالف القرآن، لانقلب عليه المسلمون، وعارضوه، وكفروا برسالته. وبذلك فلا يستطيع النبي أصلًا أن يأمر بقتل معارض، أو تعذيب صاحب رأي، أو جلد شاعر لمجرد أن قال قصيدة أبلغ من القرآن.

خامسًا: أما كعب بن الأشرف، فقد صرَّح بسبِّ الله، وسبِّ الرسول، وأنشد الأشعار في هجاء الصحابة، وأعراض نساء الصحابة، ولم يألُ جهدًا في تأليب القبائل على المسلمين، وذهب إلى مكة يذكِّرهم بقتلى بدر، ويستنهضهم لغزو المسلمين مرة أخرى، كما حرَّض ودبَّر لقتل النبي. وبذلك فقد كان المحرض، والمفتي، والمنظِّر، والمدبر لإبادة المسلمين(11). اجتزاء كل هذه الجرائم، وتصور أن النبي أمر بقتله لمجرد رأي، هو تزوير للحقائق.

اعتراض (8): ربما قال العرب معارضات أبلغ من القرآن، لكن منع المسلمون تداولها عبر العصور بسلطتهم واستبدادهم.

أولًا: الاضطهاد السياسي قد يمنع إعلان الرأي المعارض وظهوره، لكنه لا يستطيع منع انتقاله سرًا بين الناس.

فحتى لو حاول المسلمون منع الإعلان بمعارضة القرآن، إلا أن الدواعي لنقله بين اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين قوية للغاية، ولو وُجدت هذه المعارضات لاقتنصوها وحفظوها ورددوها ودرَّسوها.

ثانيًا: قد نُقل إلينا كثير مما يكره المسلمون نقله؛ فقد نُقلت معارضات للقرآن لمسيلمة، وسجاح، وابن الراوندي، وابن المقفع. ونُقلت أقوال المشركين أن القرآن سحر، وشعر، وكهانة، وأساطير الأولين، وإفك افتراه.

كما نُقلت أقوال طاعنة في النبي؛ فقالوا ساحر، وكاهن، وشاعر. ونُقلت طعونهم في شرف عائشة. ونُقل طعنهم في أبوته لإبراهيم. ونُقلت أقوال سفيهة عن زواجه بزينب بنت جحش. ونُقلت خلافاته مع زوجاته. ونُقلت أخطاؤه الدنيوية. ونُقل أنه حاول الانتحار، وأنه قد سُحر، وأن الشيطان خدعه وأملى عليه قرآنًا باطلًا… إلخ.

فرغم أن أغلب هذه الروايات أكاذيب، وقادحة في الدين، ومهينة للنبي، وتنهش في عِرضه، إلا أن ألسنًا نقلتها، وأقلامًا دوَّنتها، وما استطاع أحد منع تداولها.

يقول القاضي عبد الجبار: «انظر الى الكتب التي وضعها الملاحدة وطبقات الزنادقة، كالحدّاد، وأبي عيسى الوراق، وابن الراوندي، والحصري، وآمالهم في الطعن في الربوبية وشتم الأنبياء وتكذيبهم، فإنهم وضعوها في أيام بني العباس، وفي وسط الإسلام وسلطانه، والمسلمون أكثر مما كانوا إذ ذاك وأشد ما كانوا، ولهم القهر والغلبة والعز، والذين وضعوا هذه الكتب أذلّ ما كانوا، وإنما كان الواحد بعد الواحد من هؤلاء يضع كتابه خفيًا وهو خائف يترقب، ويخفي ذلك عن أهله وولده، ولا يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد ممن هو في مثل حاله في الخوف والذل والقهر، ثم ينتشر ذلك في أدنى مدة ويظهر حتى يُباع في أسواق المسلمين، ويعرفه خاصتهم وعامتهم، ويتحدثون به ويتقولونه ويذكرونه، وقد غمّهم ذلك وساءهم، وودوا أن ذلك لم يكن»(12).

اعتراض (9): كيف يكون إعجاز القرآن البياني حجة على غير العرب؟

أولًا: ليس كل العرب على علم باللغة العربية وفصاحتها وبلاغتها، كما أنه ليس كل العجم على جهل باللغة العربية، إذن فالقضية ليست عربًا وغير عرب، بل الصياغة الأدق للسؤال: كيف يثبت إعجاز القرآن اللغوي للجاهلين باللغة العربية؟

ثانيًا: أي معجزة في أي مجال كان، قد يشكك العامة في صحتها، فيقولون: لعله استعان بوسيلة نجهلها، أو لعله سحر، أو لعله علم خفي. فمثلًا معجزة موسى، رغم وضوحها، إلا أن العامة قد تقول: لعله سحر كباقي أفعال السحرة! أما السحرة، فيدركون جيدًا الفرق بين السحر الخادع والمعجزة الخارقة لقوانين الطبيعة.

إذن فالاعتراض ليس على نوع الإعجاز الذي استخدمه القرآن تحديدًا، بل السؤال أعم: كيف يتثبت العامي من أي معجزة يأتي بها نبي؟

ثالثًا: في كل العلوم إذا أراد باحث طرح نظرية علمية جديدة لا يمر على العامة فردًا فردًا ليقنعهم، بل ينشر بحثه في المجلات والمراكز العلمية المتخصصة، بحيث يخضع بحثه للنقد والتحليل من المتخصصين، وإذا ما ارتضى المتخصصون بحثه، يُصبح بحثًا معتمدًا، حجة ثابتة.

وهذا ما فعله القرآن؛ إذ جاء بنص عربي كامل، وتحدى عرب قريش، وكل علماء اللغة في كل عصر، أن يعارضوه، فعجز أبلغ العرب عن معارضته، وبذلك فقد ثبت كماله وإعجازه. هذه الحقيقة ليست حجة على أحد دون غيره، فليست مصارعة غلب فيها شخص دون غيره، بل هي حقيقة موضوعية، ثابتة، مطلقة، حجة على الجميع.

إذن فالعالِم باللغة العربية يدرك كمال القرآن تفصيلًا. والجاهل باللغة يعرف أن أبلغ العرب قد عجزوا عن معارضة القرآن، وبذلك يتأكد من كمال القرآن إجمالًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال) ص36
2. (إعجاز القرآن) ص285
3. (بيان إعجاز القرآن)، متضمن في (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) ص26
3. (بيان إعجاز القرآن)، متضمن في (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) ص26
4. (الرسالة) ج1 ص34
5. (إعجاز القرآن) ص36
6. (إعجاز القرآن) ص36
7. (معرفة الإسلام) 305
10. (النبأ العظيم) ص84
11. (السيرة النبوية لابن هشام) ج1 ص51
12. (تثبيت دلائل النبوة) ج1 ص129
عرض التعليقات
تحميل المزيد