مصدر القرآن لا يخرج عن أربعة احتمالات:

  1. محمد ألَّف القرآن.
  2. نقله عن غيره.
  3. نقله عن أساطير الأولين.
  4. أُوحي إليه.

الاحتمال الأول: محمد ألَّف القرآن

نجد هنا عدة أسباب تحكم باستحالة هذا الاحتمال:

أمية محمد

أليس يكفي لتبرئة إنسان من عمل وجود شاهد بعجزه المادي عن إنتاج هذا العمل؟

اتفقت الروايات المختلفة على أن محمدًا كان أميًا؛ لا يعرف القراءة ولا الكتابة. والسؤال البسيط: كيف لأمي أن يذكر قصص الأولين بدقة؟ ويتنبأ بالمستقبل؟ ويملي كتابًا تعجز العرب أن تأتي بمثله؟!

وقد يقال إن محمدًا كان لديه من الذكاء الفطري والبصيرة النافذة ما يؤهله للإبداع بدون تعلم، لكن ما ذُكر في القرآن مما لا يستنبطه العقل، فقد ذكر أنباء ما قد سبق من الأمم والأنبياء، وتنبؤات مستقبلية، وغيبيات، وتشريعات تشمل الفرد والأسرة والدولة، وهي موضوعات لا تكتفي بخواطر وتخيلات. كما أن تنوع موضوعات القرآن يحتاج لعلم موسوعي، وليس تخصصًا واحدًا.

 

شهادة المشركين:

لأن مشركي قريش خالطوا محمدًا وعرفوا قدراته العلمية والبيانية، فلم ينسبوا القرآن إليه، بل قالوا: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، إذن فقد بحثوا عن مصدر للقرآن خارج محمد.

خلاف القرآن مع محمد:

مما يؤكد أن الوحي القرآني خارج عن الذات المحمدية هو مخالفة القرآن في عدة مواطن لرأيه الشخصي ولطبعه الخاص ومعاتبته.

﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.

تبنى محمد زيد بن حارثة، فكان يقال له: زيد بن محمد. فأراد القرآن أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة، فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وزوَّج محمد زيدًا من ابنة عمته – زينب بنت جحش – فلم تستقم بينهما الحياة، وكانوا في الجاهلية يكرهون أن يتزوج المتبني مطلقة متبناه، فأراد سبحانه إبطال هذه العادة، كما أبطل نسبة الولد إلى غير أبيه. فأخبر رسوله أنه سيزوِّجه من زينب بعد أن يطلقها زيد، لتكون هذه السنة مبطِلة لعادة التبني تمامًا. ولكن النبي أخفى في نفسه ما أخبره به الله. وكان كلما شكا إليه زيد مشكلاته مع زينب قال له: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ». وظل يخفي ما قدَّر اللّه إظهاره حتى طلقها زيد، فتزوجها النبي. ومن شدة ما لقاه النبي من نشر هذا الخبر قالت عائشة: «لو كتم النبي شيئًا مما أُوحي إليه، لكتم هذه الآية»(1).

ونجد عتاب القرآن يزداد قسوة على النبي وتجريحًا، حين زاد إلحاح المشركين طلبًا لمعجزة حسية، حتى لان لهم قلب النبي وتمنى معجزة تقع على يديه ليؤمنوا، لكن للقرآن رأي آخر وعتاب شديد: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).

وغير ذلك كثير من عتاب القرآن للنبي، (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ).

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ).

وحتى لو كان القرآن من تأليف محمد، وتبدَّل رأيه، كان من الممكن أن يغيره بدون تجريح في رأيه السابق، أو عتاب لشخصه، ويظهره كأنه تبديل الحكم لتغير الظروف، أما ما أظهره القرآن فهو حكم إلهي قاطع يقوِّم رأي بشري خاطئ.

توقف نزول الوحي عند حادثة الإفك:

ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة؟ وأبطأ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون في عِرضه حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: «إني لا أعلم عنها إلا خيرًا»، ثم إنه بعد بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة أصحابه والكل يقول: ما علمنا عليها من سوء. ومضى شهر بأكمله، وهو لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: «يا عائشة أما إنه بلغني كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتِ ألممت بذنب، فاستغفري الله» هذا هو كلامه بوحي ضميره، وهو كما ترى كلام رجل لا يعلم الغيب، ولم يغادر مكانه حتى نزل صدر سورة النور لتعلن تبرئة عائشة. ولو كان القرآن من عنده، ما كان يمنعه أن ينطق بمثل هذه الآيات الحاسمة ليحمي بها عِرضه مبكرًا؟!

الاحتمال الثاني: نَقَلَ محمد القرآن عن غيره

اعتبر البعض أن محمدًا نقل القرآن عن غيره، واختلفت أقاويلهم في هذا الغير؛ فمنهم من قال إنه غلام نصراني، أو ورقة بن نوفل، أو التوراة والإنجيل. وقد أُلفت كتب للبحث عن مصادر القرآن، منها (مراجع القرآن وعلومه)، (المصادر الأصلية للقرآن)، (مصادر القصص الإسلامي في القرآن)، يقول (جولدتسيهر): «إن القرآن ليس إلا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية عرفها واستقاها محمد بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والنصرانية وغيرها»(2).

هل اقتبس من كتب التوراة والإنجيل؟

أولًا: منهجيًا، مجرد وجود بعض التشابهات بين كتابين لا يكفي لإثبات أن أحدهما نقل عن الآخر؛ إذ التشابه وحده ليس دليل اقتباس.

ولو كان التشابه يثبت اقتباسًا للزم على القرآن أن يخالف كل ما قبله، حتى لو كان صحيحًا، ليثبت براءته!

ثانيًا: لم يُتَرجم العهد القديم إلى اللغة العربية قبل الإسلام، وأقدم ترجمة للعهد القديم تعود إلى القرن الثامن، أي أواخر الحكم الأموي، فكيف نقل محمد من العهد القديم؟!(3)

ثالثًا: وحتى لو تُرجم، فأمية محمد تنفي قدرته على النقل من الكتاب المقدس أو أي كتاب غيره.

يقول عبد الرحمن بدوي: «يؤكد هؤلاء الكُتَّاب أن محمدًا، باعتباره مؤلفًا للقرآن، اقتبس أغلب القصص، وعددًا كبيرًا من الصور البيانية، وكذلك الحكم والأمثال من الكتب المقدسة أو شبه المقدسة لليهود والنصارى.

ولكي نفترض صحة هذا الزعم، فلا بد أن محمدًا كان يعرف العبرية والسريانية واليونانية، ولا بد أنه كان لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كل نصوص التلمود، والأناجيل المسيحية، ومختلف كتب الصلوات، وقرارات المجامع الكنسية، وكذلك بعض أعمال الأدباء اليونانيين، وكُتُب مختلف الكنائس والمذاهب المسيحية!

هل يُعقل هذا الكلام الشاذ لهؤلاء الكُتَّاب وهو كلام لا برهان عليه؟!(4).

هل نقل عن اليهود والنصارى؟

يقول البعض: صحيح محمد لم ينقل عن العهد القديم مباشرةً، لكن لعل يهوديًا اطلع على هذه الكتب وأملاه.

أولًا: تحدى المشركون والكتابيون النبي أن يقص عليهم أنباء السابقين، وبذلك فهو دليل أن هذه القصص لم تكن معروفة، ولا يمكن الوصول إليها، وإلا ما كان للتحدي معنى.

ولو جاز الاستشهاد بالقرآن كنص تاريخي، فهو يقول: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ)، ولم نجد أحدًا يكذبه ويقول: بل نعلم هذه القصص ونرويها!

يقول القاضي عياض: «أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الداثرة مما كان لا يُعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك. فكان يورده النبي على وجهه، ويأتي به على نصه، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه وأن مثله لم ينله بتعليم.

وقد علموا أن النبي أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة. وقد كان أهل الكتاب كثيرًا ما يسألون النبي عن هذا، فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرًا، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر، ويوسف وإخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، ولقمان وابنه، وبدء الخلق، وما في التوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها»(5).

ثانيًا: إذا اتخذ البعض من التشابه بين القرآن والعهد القديم إشارة إلى أن القرآن قد اقتبس منه، فلِمَ اختلف القرآن عن العهد القديم في كثير من التفاصيل؟

ثالثًا: سَرَدَ القرآن كثير من القصص التاريخية التي لم تتطرق لها التوراة أو الإنجيل، مثل قصة هود وصالح وشعيب، فمن أين جاء محمد بهذه القصص؟!

رابعًا: بيان القرآن وبلاغته تصل للإعجاز، فإن كان محمد نقل مضمون القصص التاريخية عن التوراة، فكيف صاغها في أبلغ نظم لم يشهد العرب مثله؟!

هل نقل عن مجهول؟

قد يقول البعض: لعل النبي قد اقتبس من شخص ما، ونحن نجهله، وغير ملزمين بمعرفته.

أولًا: إذا افترضنا مجازًا أنه يمكن لإنسان الوصول إلى مستوى بلاغة القرآن، سيكون هذا الشخص هو أبلغ وأفصح وأهم شعراء العرب قاطبةً.

وهل مثل هذا مما يجهله العرب؟! وهل يجهلون أسلوبه وطريقته؟! وهل مثل هذا في السمو يرتضي أن يُنسب قوله لغيره؟! هل يظل مجهولًا لا يعرفه أحد عبر التاريخ؟!

ثانيًا: لم يكن محمد بالثراء الذي يجعله يشتري نصًا كهذا ليُسْكِت مؤلفه!

ثالثًا: التنبؤات المستقبلية غير المتوقعة التي تنبأ بها القرآن تنفي أن يكون مؤلفه إنسان.

رابعًا: ما ينفي اقتباس النبي عن كتابٍ أو شخصٍ هو أسباب النزول؛ إذ كان النبي أحيانًا يُسأل عن شيء، فيأتيه الوحي وهو بين الناس، أو يمر الحدث ويأتيه الوحي بعدها مباشرة. فلو كان ينقل عن أحدٍ، لرجع إليه وأملاه الحدث، ثم تركه فترة ليكتب نصًا بليغ البيان، صحيح المعنى، ثم يلتقيان ليتسلم منه الآيات الجديدة!

خامسًا: حالة محمد عند نزول الوحي لا يمكن افتعالها.

قالت عائشة: «لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه (أي: ينقطع)، وإن جبينه ليتفصد (أي: يسيل) عرقًا»(6).

وعن زيد بن ثابت قال: «أنزل الله تبارك وتعالى على رسوله، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترضَّ (أي: تدق) فخذي»(7).

كل هذه الأعرض دالة على أنه تأثر بمؤثر خارجي دون إرادة منه(8).

الاحتمال الثالث: نَقَلَ محمد القرآن عن أساطير الأولين

لو كان محمد اكتشف كتابًا لأساطير قديمة أو أجنبية، لم يطَّلع عليها غيره من أهل زمنه، واقتبس القرآن منها، لكان معه مجموعة نصوص لا تتفاعل أو تتجاوب مع الواقع، فالقرآن يقول كذا وكذا فقط، وإن سألوه عن شيء، أو استجد جديد، ما وجد له إجابة في كتب الأولين.

إلا أننا نجد آيات قرآنية كثيرة ترد على أسئلة، وتعلِّق على حروب ووقائع، وتخاطب أحياء بأعينهم، وتفضح منافقين بينهم. فمحتوى القرآن هو بلا شك متفاعل مع الواقع، ونزل بعده، وليس نصًا مكتشفًا مسطورًا من قبل.

إذن فقد بطلت الاحتمالات الثلاثة، ولم يبقَ إلا أن القرآن هو رسالة إلهية.

وعلاوة على نفي الاحتمالات الثلاثة تفصيلًا، فإننا نجد مانعًا عامًا يمنع الاحتمالات الثلاثة بالكلية: صدق محمد.

قلب النبوة وأساسها: عبدٌ يبلِّغ رسالة من الله إلى البشر. ولما كان البلاغ هو أصل فعل النبي، كان الصدق هو حجر الزاوية في القضية كلها، فالناظر لحال محمد يلزم أن يخرج بأحد رأيين لا ثالث لهما: إما أنه صادق فيما بلَّغ عن ربه، والقرآن فعلًا وحي إلهي. أو أنه كاذب، بل أكذب ما عرفت البشرية؛ إذ ادَّعى زورًا أنه رسول ويُوحى إليه، وأغرق البشرية في أكبر أكذوبة عرفتها البشرية.

وهنا نحاكم صدق محمد.

شهادة أعدائه:

لم يكن محمد وافدًا على قريش بشخصية مجهولة ورسالة مجهولة، بل هو رجل منهم، خالطهم، وتاجر معهم، واختبروا شخصه قبل البعثة.

يقول علي شريعتي: «أهالي مكة كانوا يتعاملون مع محمد كل يوم، ويرونه حاضرًا في مجمل الفعاليات الاجتماعية الحاصلة في القبيلة، يرونه يرتاد أسواق عكاظ ومجنة، ويشارك في حروب فجار، التي دامت أربع سنوات، ويتردد على دار الندوة ويلتقي بزعماء قريش في الكعبة، ويساهم في تجديد بنائها ونصب الحجر الأسود فيها، يصغي إلى الشعر والشعراء ويبدي رأيه فيهما. في هذه الفترة الطويلة نسبيًا من حياة محمد – من سن الخامسة والعشرين إلى الأربعين – كان ذا شخصية بارزة؛ إنه حفيد عبد المطلب (صاحب أستار الكعبة وساقي الحجيج وأقدس شخصية دينية في قريش وأكثرها نفوذًا)، وهو أيضًا زوج خديجة (أكثر نساء مكة مالًا وكمالًا)، إن محمدًا الآن يُعد في الأثرياء، وبالتالي فإن أقل حركة أو تصرف يصدر عنه سرعان ما ينتشر على مستوى المدينة»(9).

وعن ابن عباس قال: «خرج رسول الله حتى صعد الصفا، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب. فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبًا لك، أما جمعتنا إلا لهذا»(10)، فكفار قريش أنفسهم يشهدون بأنهم ما جربوا عليه كذبًا، لذا أطلقوا عليه: الصادق الأمين.

شهادة رفقائه:

أقرب الناس هم أعرف الناس بعيوب وخفايا الشخص، لذلك لو كان محمد كذابًا مدَّعيًا، ما استطاع إخفاء مؤامراته وكذبه طوال حياته على المقربين منه، يقول (ويليام موير): «من أعظم معززات صدق محمد أن أوائل المعتنقين للإسلام كانوا أقرب أصدقائه إليه وأهل بيته، وهم الذين لهم صلة وثيقة بحياته الخاصة فلا يخفى عليهم ملاحظة تناقض الحال الذي لا يخلو منه المخادع المنافق عندما يكون في ملأ ويكون في بيته(11).

غياب الدافع:

لا جريمة بدون دافع، فمن يدَّعي النبوة كذبًا وزورًا، وهو يعرف كم المخاطر والحروب التي تواجهه، فدافعه بالضرورة هو الحكم والتسلط على رقاب الناس أو المال المغري. لكن نجد أن محمدًا عاش طوال حياته في بيت حين يقف، كانت رأسه تلمس سقف بيته، وتقول عائشة عن معيشتهم: «ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بُرٍّ ثلاث ليالٍ تباعًا حتى قُبض»(12)، ويقول عنه عمر: «لقد رأيت رسول الله يظل اليوم يلتوي، ما يجد من الدقل (التمر الرديء) ما يملأ به بطنه»(13).

حتى لو قلنا أنه تحايَل وكَذِب لينال مكانة أدبية بين الناس، فمصاعب الحروب، ومحاصرة قومه، وقتل زوجته خديجة بسبب الحصار، ومحاولات اغتياله، وتهجيره، أصعب من استهداف مكانة لاسمه بعد وفاته!

وحتى هذه المكانة الأدبية، فنجده يرفضها وينبذها! فقد أعلن دوره بوضوح: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)، وحدد قدراته: (وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ). ويقول: «إني لست بملك ولا جبار، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة»(14). ويقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، قولوا: عبد الله ورسوله»(15). وحين غنت جارية: «وفينا نبي يعلم ما في غد»، قال لها: «دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين»(16). وحين تُوفي ابنه إبراهيم، كُسفت الشمس، فقال الناس: كُسفت الشمس لموت إبراهيم، حينها ترك ابنه الميت، وصعد على المنبر ليعلن للناس: «الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته»(17). وهو سلوك لا يتسق إطلاقًا مع كذَّاب، مدَّع، متآمر!

يقول (مونتجمري وات): «إن القول بأن محمدًا دجالًا يطرح إشكالات أكبر من الأسئلة التي يجيب عنها»(18).

إن بلاغة القرآن المعجزة، ومضمونه الحق، وتنبؤاته الواقعة، وسيرة محمد المعصومة، هي ظواهر حقيقية، والنظرية الوحيدة المتسقة القادرة على تفسير كل هذه الظواهر: هي: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله.

(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر

المصادر

1. (تفسير البغوي) ج6 ص354
2. (دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم) ص216 عن (العقيدة والشريعة في الإسلام) ص12
3. (براهين النبوة) ص327
4. (دفاعًا عن القرآن ضد منتقديه) ص24
5. (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) ج1 ص523
6. (صحيح البخاري) ص7 رقم (2)
7. (صحيح البخاري) ص103
8. (النبأ العظيم) ص19
9. (معرفة الإسلام) ص262
10. (صحيح مسلم) ج1 ص194
11. (براهين النبوة) ص127، نقلًا عن (حياة محمد) ص60
12. (صحيح البخاري) ص1608 رقم (6454)
13. (صحيح مسلم) رقم (2977)
14. (المستدرك على الصحيحين) ص592 رقم (4423)
15. (صحيح البخاري) ص854 رقم (3445)
16. (صحيح البخاري) ص982 رقم (4001)
17. (صحيح البخاري) ص1325 رقم (5197)
18. (براهين النبوة) ص127 نقلًا عن (محمد في مكة) ص52
عرض التعليقات
تحميل المزيد