تعد فكرة “النقاء الثوري” بالنسبة للبعض بمثابة فكرة خيالية لا مجال لعاقل أن يطالب بها، والواقع أن سبب فشل الثورة هو أن “الإخلاص” و”النقاء” لم يتواجدا على الإطلاق فيمن تصدروا المشهد عقب 11 فبراير عام 2011 وكانت النتائج كارثية كما يرى الجميع .

 

وعقب أحداث الثالث من يوليو بدأ الناس يصنفون النخب السياسية إلى “مع عزل مرسي أو ضد عزله”، ثم بعد فض رابعة تحول التصنيف إلى “مع الفض أو ضده”، ولم يجرِ حساب حقيقي لمواقف هؤلاء الناس من الثورة ومدى إخلاصهم لها عقب إسقاط “مبارك” كما لم يجرِ أيضًا حساب دقيق لقيادات الإخوان الذين تصدروا المشهد سواء قبل عزل “مرسي” أو بعدها، وصار أغلب من يرفضون 30 يونيو – أو حتى أيدوها ثم تراجعوا – يصدرون بيانات المعارضة والشجب والإدانة أو حتى التراجع عن مواقفهم السابقة دون أن يعتذروا عنها بشكل خاص، وأغلب هذا التراجع يحاول أن يغلفه أصحابه بنوع من “المبدأية الثورية” التي لم يملكوها يومًا فيقول الواحد منهم: “لقد خُدعت، لقد ضحكوا علىّ وسقوني مشروبًا أصفر كي أعلن مواقفي المخزية” ولو قال: “لقد خنت الثورة وعانقت الاستبداد” لاحترمنا صراحته وأدركنا أنه أراد التطهر، أما اعتذارات قيادات الإخوان فلم تظهر من الأساس، ربما هناك محاولات خجلى ولكنها لا تتناسب مع حجم الخطأ، ومازال المتهم الأول فيما حدث لهم هو المؤامرة – التي ظهرت بعض المواقف تدعم وجودها – ولكنهم لم يعتذروا عن عدم قيامهم بأي إجراء لإفشال تلك المؤامرة، بل خروج فضائياتهم ومشايخهم وصحفهم للإشادة بـأصحاب تلك المؤامرة ورفعهم إلى مصاف الأنبياء الذين يحفظون القرآن ويصومون الاثنين والخميس ويمارسون أعمالهم بـ”نكهة الثورة” .

 

والحقيقة أنك لو نظرت لأية أيقونة من الأيقونات المعارضة لـ”السيسي” ستجد لها زلة عظيمة تؤكد أن إخلاصها “النقي” الذي يتحدث عنه مؤيدوها غير موجود فـ”مرسي”- الذى يعد رمزًا عظيمًا لدى القطاع الأغلب من الإسلاميين – له موقف غريب تجاه الكاتب الصحفي “محمد القدوسي” الذي يتعامل معه الإخوان الآن بتبجيل شديد ويستضيفونه في قنواتهم – حيث كان “القدوسي” يظهر على قناة “الندى” إبان حكم “مرسي” ويحذره من المصير المظلم الذى نعيشه الآن، فما كان من “مرسي” سوى أن أبلغ المحيطين به قائلًا: “أنا مبحبش الراجل اللي اسمه محمد القدوسي دة ولا بحب أسمعه”!

 

القصة وردت على لسان “القدوسي” نفسه وكان بوسع الإخوان أن يكذبوها أو على الأقل يمنعوه من الظهور على قنواتهم مادام يروج قصصًا كاذبة لكن أيًا من هذا لم يحدث؛ مما يعنى أن القصة حقيقية، ولو كانت هذه نظرة رئيس جمهورية لـ”ناصح أمين” محسوب على تياره فهذا أمر كارثي؛ لأننا لم نأمل في أن يكون رئيسنا بعد الثورة ذا نظرة منحازة هكذا فيقبل النصيحة ممن يخدعه بمعسول الكلام ويرفضها ممن يشرح له الواقع السيئ لأن “دمه ثقيل على قلبه”، ولم أعد مهتمًا – وغيري كثيرون – بمن يتحدثون عن عودة “مرسي” لأن أنصاره ابتذلوا فكرة عودته للسلطة كما ابتذل أعداؤه فكرة بقائه بها قبل 30 يونيو، فتجد قياديًا من قيادات الخارج يقول في حماس: “لن نتنازل عن عودة مرسي في أي تفاوض” مع أنه لا يملك أية ورقة ولو كانت تافهة لإجبار خصمه على فكرة التفاوض في ذاتها، مما يشعرنا وكأن “عودة مرسي” أصبحت “كليشيه” أو حكمة أخلاقية مثل “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد” أو “اغسل يديك بالماء والصابون قبل الأكل وبعده” وكثرة الحديث عنها ومزايدة المزايدين عليها دون مسوغ منطقي أوصلها لما هي عليه الآن .

 

على الشاطئ الآخر نرى أيقونات ثورية كانت تعلم بما سيحدث يوم 3 يوليو وآثرت السكوت عنه والترويج بأنه “ثورة شعبية” ثم اعترفت بالحقيقة بعد أن زُج بها في السجن، وأيقونات أخرى حرضت على اعتصام النهضة وقالت إن به سلاحًا و بأن المعتصمين يقتلون “المواطنين الشرفاء” الذين تحولوا فجأة إلى “أهالي بين السرايات المساكين” مع أنهم الأهالي أنفسهم الذين ظهروا في العباسية وماسبيرو والتحرير وغيرهم وقتلوا الشهيد “محمد محسن”، وتصدر هؤلاء – الذين أحبوا المواطنين الشرفاء فجأة – للمطالبة بالقصاص له وحساب” البلطجية” الذين قتلوه مؤكدين أنهم ليسوا أهالي المنطقة الحقيقيين .

 

رأينا “وائل غنيم” الذي اختفى عامين ليظهر فجأة باعتذار باهت وسخيف يفترض فينا أننا مجموعة من التلاميذ، وهو اعتذار كان جديرًا بكتابة مقال لتفنيده لكن ما أدهشني به أن الرجل يقول إنه سجل فيديو قبل 30 يونيو ليزيد الضغط على “مرسي” ويحثه على حماية الديمقراطية بالدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة أو استفتاء شعبي، بل كتب “بوست” يوم 3 يوليو يسخر به ممن يرون أن “النظام السابق” قد عاد واصفًا إياهم بـ”الواهمين”، وهناك قصة أخرى يؤكدها الكاتب “أنس حسن” والمخرج الوثائقي “عماد الدين السيد” تكشف عكس ما قال: “غنيم” حيث تقول القصة إن “السيسي” – إبان أحداث محمد محمود عام 2011 – استدعى “وائل غنيم” للتباحث حول الموقف وقتها وأكد له “غنيم” أن الثورة لن تسمح بإطالة الفترة الانتقالية التي يقودها “طنطاوي” فرد “السيسي” قائلًا: “سنرحل من الحكم يا وائل وسنعود له قريبًا وبشروطنا”، لم ينفِ “وائل” تلك القصة التي انتشرت كالنار في الهشيم، ولو صحت فإنها تدينه بشدة، فهل لم يدرك بعد إنشاء حركة تمرد والدعم الإعلامي والمالي المرعب لها أن هذه ليست الخطة التي سمع بها قبل شهور؟ لو لم يدرك فهذا يشكك في كفاءته النخبوية ولا يسمح له أن يظهر لنا الآن في زِي المنّظر الثوري الذي جاء ليشرح لنا ماذا نفعل، وإذا كان يعلم وتظاهر بالعكس فإن هذا يدمر البراءة الثورية التي يحاول أن يتظاهر بها الآن .

 

وإذا أردت أن تنظر للقوى الثورية عمومًا ستجد نماذج جيدة، ولكنك أيضًا ستجد طوائف سيئة للغاية، منهم طائفة بدأت بعد الثورة في التنظير ثم سب الخصوم السياسيين ثم التآمر عليهم ثم التحالف مع من قتلهم، وكل بلياتشو من هؤلاء يشعر بتضخم مرعب في الذات، وكأنه يريد القول بأن رؤيته – الطفولية – هي الحق دون سواه، بل بعضهم يعلنون هذا بدون خجل.

 

وإن أحسنا الظن في قطاع منهم فيمكننا أن نقول بأنهم “كانوا يعرفون ما لا يريدون، لكنهم لا يعرفون ما يريدون” أي أن الواحد منهم لا يحب “الكنتالوب” وإن سألته عن فاكهته – السياسية – المفضلة لم يستطع أن يجيب.

 

والبعض الآخر – من النشطاء – شاركوا وأيدوا وحرضوا على قتل الناس مازالوا يصرون على مواقفهم السابقة، حتى ولو تبدل رأيهم في “السيسى”، بل يتهمون الآخرين بـ”عدم النظافة” لأنهم لم يشاركوا في فعالية ثورية معينة مع أنهم فعلوا الشيء لكنهم يسوقون المبررات الواهية لإعطاء تصرفاتهم بعدًا أخلاقيًا لا يملكوه أو وضع أنفسهم في خانة “المظلوم” الذي يصبح من المبرر له اتخاذ أي موقف لأنه مجرد رد فعل “على الظلم الذي تعرض له، وهذا يعيدنا لأبجديات مصرية قديمة – كنا نتمنى أن ننساها – عن السيدة سيئة السمعة التي ما أن يتهمها أحد بشيء حتى يفاجأ منها بسيل من الشتائم والردح ثم تقوم – يا للهول – باتهام الآخرين بالأفعال نفسها التي تفعلها هي.

 

نوع آخر تراجع منهم عن التأييد المطلق فيقول: “لم أعد أؤيد السيسي لأنه لا يسير في طريق تحقيق أهداف الثورة، وأنا ضد كل الدماء التي سالت” ثم يهمس بصوت خفيض “لكن الدولة كانت مضطرة لفض هذا التجمع السرطاني الموجود برابعة لفرض هيبتها، في الواقع أنا لست مع السيسي، ولكني أيضًا ما زلت أؤيد كل الإجراءات التي تلت 3 يوليو، ولو عاد الزمن لاتخذت مواقفي نفسها”، وهذا الموقف يعيدنا للسيدة سيئة السمعة السابقة نفسها- التي كنت أتمنى أن ينتهي دورها في هذا المقال – حين تقرر التوبة عن أفعالها المنافية للقيم فتقوم بدور “الناضورجي”، أي أنها لم تترك المجال بشكل تام .

 

ومع هذا الحشد من المواقف التي يندى لها الجبين يجب أن نشير إلى موقف حركة “6أبريل” التي نشرت مقالًا على صفحتها قبل أيام يساوي بين موقف قيادات الإخوان في أحداث “محمد محمود” وبين موقف النشطاء – الذين يدعون النقاء الثوري – في أحداث رابعة وتؤكد أن موقف هذا لا يختلف عن موقف ذاك، وهي فكرة محترمة تصب في اتجاه ما يريد هذا المقال من القوى السياسية أن تفعله، إنها بارقة أمل صغيرة جدًا لقوة سياسية قررت أن تراجع نفسها .

 

وسط هذا وذاك يخرج علينا بعض الناس لدعوة فصيلين أجرما – ولم يعترفا ويعتذرا عن جرائمهما في حق الثورة – للاصطفاف سويًا مؤكدين أن ما يجمع أكثر مما يفرق، ولا شك أن الفصيلين يجتمعان بشدة على الصلف وعدم الاعتراف بالخطأ وإعطاء جرائمهم السياسية صفة بريئة تُظهرهم بمظهر الملائكة التي نزلت للمحاربة من أجل الثورة ولكنهم فشلوا لأنهم كانوا أنقى مما يحتمل الأمر، ويُذكرني هؤلاء الداعين للاصطفاف “بالخاطبة” التي تريد الزواج بين “النقيضين” أن يتم دون أن تنظر لعواقب هذا الإجراء الخطير، كل ما تفكر فيه هو تأدية عملها أو ما تظن أنه عملها.

 

وربما يذكرني أيضًا بأهالي عروسين يمارسون “التزلف” لابنيهما – أو لفظ آخر لا يحسن أن أذكره – لإقناعهما بروعة بعضهم ببعض متناسين أن الطرفين ليسا كفؤا لفكرة الزواج ولا يستطيعان تحمل مسئولية بيت من الأساس، وبدلاً من أن يوجهوا لهما نصيحة بالتطهر من انعدام مسئوليتهما تجدهم يحاولون جمع الفشل والغرور على الصلف والبلاهة كي ينتجوا جنينًا “ثوريًا” مشوهًا يلقى مصير توأمه الذي ولد يوم 11 فبراير ومات بعد ولادته بعامين تقريبًا، لذلك لا أهتم بتاتًا بدعوات الاصطفاف؛ لأن المشكلة ليست فيه، نحن نحتاج دعوات لـ”الإخلاص” والعمل لوجه الله ورفعة الوطن، لا العمل لمصالح شخصية أو “جماعية”.

 

الإخوان باعوا الحركات الثورية في “محمد محمود”، والحركات الثورية باعت الإخوان في  “رابعة”، والكل باع الأقباط في “ماسبيرو” وأنصار “حازم أبو إسماعيل” في “العباسية”، لا توهم نفسك يا صديقي بنقاء أي شخص اشتهر أو تصدر عقب ثورة يناير – أو قبلها – فالكل باع بطريقته، وغدًا يكشف التاريخ الكثير والكثير .

 

بكل تأكيد سيبدو لجامعي الفرقاء أن هذا القول صيد في الماء العكر لمنع الاصطفاف الذي أوشك على التحقق مع أنهم منذ عامين يؤكدون لنا أن “الأستاذ اصطفاف” وشيك ولم يحدث شيء حتى الآن، وبالمناسبة كلمة اصطفاف تذكرني بأوراق “الدومينو” حين تصطف بجانب بعضها بعضًا والتي إن هززت أحد طرفيها سينهار الصف كله، أما الإخوان ومؤيدو “مرسي” سيطالبون بحل – كالعادة – وإلا فكلامك بلا طائل وكأنك تملك حل مشكلة تتراوح ما بين 60 – 80 سنة من الفشل والاستبداد وعدم الخبرة وتكرار الأخطاء، وعمومًا الحل بالنسبة لي أن تعتذر كل الأطراف التي تصدرت منذ 11 فبراير وحتى الآن، يعتذرون عن تواطؤهم – بجميع فصائلهم – مع خصوم الثورة وعن تحريضهم – بجميع فصائلهم – على دماء بعضهم، وأن يطلبوا من كل ولي دم أن يسامحهم على الولوج في دماء نجله وبعدها يمكن أن نتحدث عن الاصطفاف والثورة وهذه الأفكار الجميلة التي لا يجوز تلويثها بمن أخطأوا دون تطهر، على الأقل نبني على نظافة، إما هذا وإما أن يذهبوا إلى الخلاء ويتعبدوا بقية عمرهم لعل الله يغفر لهم ما فعلوه بمصر، ويُخرج من بعدهم قيادات وشخصيات عامة تمتلك الحد الأدنى من الإخلاص للثورة .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد