يتردد هذا السؤال كثيرًا منذ أن بدأ الإعلان عن فعاليات حملة “الأندلس.. طمس بأيديهم وانبعاث بأيدينا” في ذكرى سقوطها، يتردد منذ أن بدأنا من بضعة أعوام التدوين من أجل الأندلس وغيرها من الحضارات الإسلامية، بل يتردد حتى منذ قرون عدة، منذ سقطت الأندلس.

الأندلس، هذا الاسم الذي لم يكن يعني لنا الكثير، وقد ساعد على ذلك خلو المناهج الدراسية من هذه الكلمة تمامًا، كنت أبحث في طفولتي عن قرطبة وغرناطة دون جدوى، اسأل عن مكانهما، وتاريخهما فلا أجد إلا صدى صوتي يعود لي خائبًا.

تمر الأعوام الكثيرة، أتحرر من قيود المعرفة المدرسية ويتحرر معي رصيدي من التاريخ، تتحرر معي الأندلس ذاتها، تصير أكثر حيوية بعد أن قاربت على الفناء، يضيء اسمها صفحات التاريخ مرة أخرى بعد أن زين سابقًا لافتات لأماكن اللهو والرقص كما قال البعض في ذكرى سقوطها قبل عامين.

يعود عبد الرحمن الغافقي بطلاً كما كان بعد سنوات طوال قضاها اسمًا لشارع من شوارع مدينة الرياض، يراه يوميًّا الآلاف فلا يعلمون عن قصته شيئًا، تُرد له هيبته وتتعطر ذكراه حين يذكر اسم “بلاط الشهداء” ومعها يعلم من لا يعلم أن سنابك خيولنا وطأت أرض فرنسا قبل أكثر من ألف عام.

لماذا الأندلس؟ من أجل كل هذا، من أجل أن يعلم الجميع عنها، يألفونها، يحبونها.

من أجل أن تشارك الدولة العباسية والعثمانية أمجادهما وتضع بصمتها التي لا تخطئها عين في سجلات الحضارة، من أجل ألا يطغى سقوط بغداد (1258) على انتصار الدونونية (1276) وحتى ينال المرينيون التكريم اللائق بدحرهم للقشتاليين تمامًا كذلك الذي ناله المماليك في عين جالوت،

من أجل أن نعرف أن ملكًا أوروبيًّا قد قرأ يومًا ما رسالة من مجاهد مسلم تقول: “الجواب ما ترى لا ما تسمع”، من أجل أن نعلم جميعًا أن أشبيلية لم تسقط يوم أن فضّل ملكها رعي الأغنام في مراكش، لكنها سقطت بعدها حين جنح المسلمون إلى رعي الخنازير في أوروبا.

لماذا نتحدث عن الأندلس!!

ولماذا نسكت، لماذا نتقاعس عن رواية قصتها؟ قصتها العظيمة ثم نهايتها الأليمة، قصة حضارة سادت أوروبا قرون عديدة كانت فيها نبراسًا للبشرية، وقصة حقارة سامت المسلمون سوء العذاب فكانت كابوسًا للإنسانية. لماذا ينبغي لنا أن نتهاون في معركتنا التي لا نملك إلا إياها الآن، معركة الوعي؟

لماذا نتخلى عن القلم حين يستل غيرنا سيفه ويسلطه على رقابنا؟ لماذا نتعاطف مع من محا اسم الخشخاش بن سعيد من خريطة العالم، ونلوم من يريد العودة لمنزله الصغير في أرض احتلها مَن زيف التاريخ والجغرافيا؟

لماذا نفرط في حقوق نصف مليون لاجئ أندلسي يحلمون بالعودة يومًا ما إلى البيازين وبلنسية؟ أنخجَل من أن نروي قصتنا التي بدأت من أكثر من خمسة قرون؟ أنلوم من يرى أن فلسطين أندلس أخرى؟

أنجادل من يرى أنه لولا تعايشنا مع معاهدة غرناطة (1491) ما كان لمثيلتها أن تولد في نفس المكان وبعد خمسة قرون كاملة (مؤتمر مدريد 1991)؟

لو كان الحديث عن الأندلس هو درب من دروب الرثاء والبكائيات، لكفتنا عصماء أبو الفضل الوليد ونونية أبو البقاء الرندي، لو كنا نريدها كربلاء أخرى لاكتفينا بالحديث عن محاكم التفتيش والموريسكيين، لكن قصتنا هي قصة حياة بكافة جوانبها،

قصة تخاطب الجميع وتبعث لهم برسالة تلمس مشاعرهم وضمائرهم على كافة توجهاتهم واعتقاداتهم. تبعث برسالة لكل شاب تحكيه عن الشاب عبد الرحمن الداخل وما فعله للأندلس،

تبعث برسالة لكل مسلم مفادها أننا يومًا ما كنا هناك نكتب تاريخًا مضيئًا، كنا نجاهد في سبيل الله وننشر دينه ونبني حضارتنا، فلما تركنا الجهاد ضاع الدين وسُلبت الحضارة، تبعث برسالة لكُتاب التاريخ ومدونيه أن ابحثوا عن الحقيقة،

تبعث برسالة لكل إنسان عن مأساة شعب سُجن وحُرق وانتهكت آدميته ثم طُرد ولم يعد، تبعث برسالة لدعاة الحرية، للعلماء والأدباء، للمفكرين، وللبسطاء، وللمتعاطفين وللرافضين…

تبعث رسالة تذكرة للجميع عنوانها “#الأندلس_طمس_بأيديهم_وانبعاث_بأيدينا”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأندلس, تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد