يحلو لي في تلك الأوقات أن أتابع المواد الإعلامية السياسية الساخرة التي تهكم فيها الإعلاميون المصريون  -وخاصة الدكتور باسم يوسف- على الإسلاميين عامة وعلى محمد مرسي وجماعته (الإخوان المسلمون) خاصة، خلال فترة حكمه.

وبينما أحاول التدقيق في تلخيص محاور الانتقادات الإعلامية الموجهة لمرسي ولجماعته، أجدها تترتب في:

  • سوء طريقة حديثه بالإنجليزية.
  • تصرفاته العفوية في اللقاءات الرسمية.
  • التفصيل والتبسيط المفرط والمبالغ فيه أثناء الخطابات الرئاسية.
  • التعامل السطحي مع الأزمات المختلفة والقضايا المصيرية الخاصة بالبعد الوطني.
  • التهويل من إنجازات تعتبر هامشية ولا تعدو كونها واجبات على أي رئيس تنفيذها.
  • التوجس من الانتقادات الإعلامية والتعسف في خلع أوصاف المؤامرة والخيانة للمعترضين.
  • السهو عن العديد من البرتوكولات الرسمية فيما يتعلق بقضايا الخطاب والممارسة الدبلوماسية.
  • الأسلمة المتعجلة لمظاهر الدولة والنقد المبتذل لكل ما ليس إسلامي أو يصطدم بمعايير الإسلام.
  • التساوي في أسلوب الخطاب الرسمي أثناء الندوات السياسية مع أسلوب تقديم درس ديني في جلسة إخوانية، أو محاضرة تنظيمية داخلية.
  • الخلط بين التأصيل الشرعي للقرار وبين الانتقاء المنطقي والواقعي لصلاح القرار ومدى مناسبته أكثر من غيره، في الظرف الراهن.

وكذلك استخدام اللغة الدينية العنيفة من قبل أتباعه، عدا عن الزعم بنسب الرئيس مرسي للنبي محمد r تارة وبأنه الخليفة المستقبلي تارة أخرى، وهو ما عكس صورة سلبية عن الرجل وأتباعه، بشكل أغفل مشروع النهضة الذي وعدوا به، وأعطى تفسيرا منطقيا ومادة إعلامية خصبة لمهاجمته والتشهير به وبشخصه، حتى بدا أن الخلاص منه ومن جماعته في نهاية المطاف هو مطلب منطقي، طبعا مع ما عزز ذلك من أزمات داخلية مفتعلة كالكهرباء والوقود وغيرها.

جذور الخلل

اعتمد الإخوان في مصر على غربال الولاء للحركة، ومقدار التضحية في سبيلها، وحجم التاريخ النضالي معها حين تم اختيار الواجهات السياسية والإعلامية التي تمثلها، سواء أكانوا إعلاميين أو أعضاء مجالس نواب أو ووزراء ووكلاء، أو أعضاء مجالس دستورية وقضائية وغيرها من المناصب التي تتحكم بمفاصل الدولة، وغالبا ما كان يتم هذا الاختيار على حساب معيار الكفاءة الذي كشفت نقصَه الزلاتُ الكثيرة التي وقع بها المسئولون في تصريحاتهم.

ولا شك أن شبح المؤامرة والانطباع المسبق عن المعارضة وعن نيتها المبيتة في قلب نظام الحكم والعداء المسبق مع بعض رموزها، كل ذلك حال دون ثقة الإخوان بغيرهم كي يبنوا جسرا من التعاون الحكومي معهم وأن يستفيدوا من سابق خبراتهم السياسية والإعلامية والدبلوماسية، فتمادوا في سيرهم لوحدهم غير آبهين بمن يتحرك في الحدائق الخلفية من جيش وإعلام ونحوه.

التربية الأخلاقية لا تكفي

إنني وفي خضم النصوص التي أقرؤها للإخوان واللقاءات التي أشاهدها لمسئوليهم، لألحظ أن مدارس الإخوان قد تكون فعلا ربت أبناءها على حسن الخلق وطاعة الله، وقد يحق لها ادعاء التميز عن باقي الجماعات الإسلامية، لنظرتها الشمولية للإسلام وتقديمه كدين يقدم حلولا إصلاحية وسطية للقضايا والمشاكل السياسية والاجتماعية كافة التي تحياها الشعوب، الأمر الذي مكَّنها من التواجد بين الأوساط العامة في المجتمعات العربية، محاربة ما استحدثته بعض الجماعات والفرق الإسلامية من تقوقع وتصوف في المساجد، لاعتباره رهبانية؛ بنص الحديث: (لا رهبانية في الإسلام(.

ولكن وبوقفة متأنية أمام هذا القول أجد أنه: من الضيق جدا حصر مفهوم الرهبانية على الجسد فقط، فثمة أنواع أخرى منها وهي رهبانية العقل والثقافة، وكهنوتية الحكم والخطاب، والتي تسببت حصرية التربية عليها ليس بالتعسف في إطلاق الأوصاف الدينية لغيرهم، بل أيضا في وأد العملية الديمقراطية من مهدها، لسقوطها في مستنقع التفسيق والتخوين للمعارضين والمنتقدين، لا سيما مع دخول توصيفات الحلال والحرام والإثم والخطيئة على المشاركين في العملية الديمقراطية.

وإنه وبالرغم أن بعض الأحزاب التي ولجت بعمق في الثقافة الغربية قد بالغت بعض الشيء في العزوف عن بعض القيم العربية والشرقية النبيلة والمعاني القومية الأصيلة؛ إلا أننا نجد أن هذه الأحزاب الليبرالية واليسارية والعلمانية قد برعت في عالم الفن والأدب والتمثيل والغناء والموسيقى، وتمازجت ثقافة أبنائها بالثقافة الغربية ولغاتها، مما مكَّن العديد من قادتها وصناع القرار لديها من التعرف على ملامح ومفردات البيئات الأجنبية من حيث الفكر ومن حيث المحتوى الثقافي الذي يناسبهم، والتعرف على القواسم الثقافية المشتركة ونقاط التلاقي الأيديولوجي، كما أدى ذلك لتسهيل لغة الخطاب مع الآخر، ومكَّن من حسن الانتقاء الدبلوماسي للتصرفات والمفردات، في الوقت الذي بقيت فيه مدارس الإخوان حبيسة التربية الإيمانية والروحانية، مقتصرة في دندناتها الفكرية على سيرة النبي محمد r وما حوتها من أحداث وقيم، ولم ترفد إلى أبنائها إلا إصدارات مختلفة ومتعددة لنفس الكتب والسِّيَر من ذوات اللون الواحد، وبالتالي لم يعرف المجتمع من آدابها ومنتجاتها الفنية إلا ترانيم معتقة لتراجيديات تقليدية عن السجون والاستشهاد، والتضحية في سبيل الدين والوطن، الأمر الذي لم يلق رواجا ولا سوقا رابحة مستمرة وسط الفنيين والمثقفين والأدباء، هذا بخلاف كونه غائبا أصلا عن ذهنية وميول المواطن البسيط.

خطاب الأتباع وخطاب العامة

وإذ أؤمن باتساع الهوة بين جدية المرحلة وضخامة التحديات التي تواجهها الأمة من جهة، وبين ما تتطلبه الحكمة من نزول لمستوى الخطاب الشعبوي والجماهيري من جهة أخرى، إلا أنه من النرجسية بمكان اقتصار الخطاب الإعلامي على ضرورات البناء وعوامل النهوض واستقراء وتوضيح للتحديات والصعوبات وإملاء متتابع للقرارات، دون اعتبار لمهضمات الكلام ومقبلاته عند الجماهير، وتغافل عن مروجات القرار ومجملاته، بل الاستخدام المتعمد لشعارات دينية فضفاضة، خصوصا ونحن نتحدث عن شعب كمصر، تداخلت مظاهر الطرب والغناء والفن في أدق مفاهيم الأعماق لديه، واندمجت معظم مفرداته وأدبيات ثقافته بكل طرب ممشوق وأدب مرموق.

لقد استغل المعارضون للإخوان في مصر: التناقض في التصريحات التي حملت الشعارات الكبرى وقت المعارضة كمثل زوال إسرائيل، وبين الضرورات الدبلوماسية المستترة خلال الحكم، كما استغل المعارضون بعد الإخوان عن الماكينة الإعلامية من جهة، وإهمال أبنائها وقلة خبرتهم بمعتلجات التلاقح الثقافي ولولبيات الحراك الإعلامي من جهة أخرى، واستطاعوا استغلال السذاجات الإعلامية الناتجة عن الانغلاق وقلة الخبرة، وتحليلها وتفسيرها على أنها ثيوقراطية يريد الإخوان من خلالها حكم مصر بقوة السماء تارة، وإثارة علامات التخوف من مشروع التجزئة والإلحاق بالغير تارة أخرى، الأمر الذي ولَّد ازدواجية غريبة عند المتابع للإعلام المعارض من خارج مصر، لكنه نجح أيما نجاح في عزل مرسي ومن بعده جماعة الإخوان كلها عن ساحة الحكم والسياسية.

التحديات الراهنة

تظهر المسؤولية الكبرى على عاتق الإسلاميين وأخص منهم الإخوان كحزب سياسي:

  • التأهل الجيد لخوض (المعارك) الفنية والإعلامية إلى جانب المعارك -كما يسمونها- الانتخابية، وهو ما تيقظ له أردوغان فعمد لأن تكون له ذراع طولى في المجلات والقنوات الإعلامية التركية تروج لسياسات حزبه بالتزامن مع وجود المعارضين الإعلاميين له.
  • عدم الإقدام على مغامرة خوض معارك انتخابية حتى يتم التأكد من توفر البنية المؤسساتية المدنية للانتخابات، والتي تجعل الجماهير تنظر لصندوق الانتخابات بعين القداسة، ومستعدة للوقوف بأرواحها في وجه الجيش أو أي طرف يحاول الانقلاب على تلك الإرادة الشعبية كما حصل مع الجيش التركي.
  • أن يؤسس الإسلاميون لفصول جديدة من العمل الحركي تتخصص فيها تكتلات للعمل الدعوي والتربوي المجرد، وتكتلات أخرى للعمل السياسي والحزبي الصرف، حتى لا يقعوا في إزدواجية خطابية مبتذلة، أو حرج إعلامي أرعن حين تُرصد تصريحاتهم بين زمنين مختلفين حين يكونوا في المعارضة وحين يتصدروا الحكم.

نماذج ناجحة

وبالمقارنة فقد نجحت حماس إعلاميا في قطاع غزة إلى حد ما، حين تزامنت انطلاقتها مع إنشاء العديد من الفرق الفنية الإسلامية التي روجت لآداب الحركة وأفكارها بشكل حديث ومبتكر أقنع قطاعا واسعا من الجماهير بها، واستدركت نفسها قبيل دخولها الانتخابات التشريعية فأنشأت فضائية الأقصى ومن بعدها القدس والكتاب، وغيرها من الصحف والمجلات والجامعات التي تروج لفكر الحركة وإن كان بتفاوت في درجة اخضرار ما تعرضه، فحصدت أعلى فوز في أكبر انتخابات تشهدها البلاد.

غياب الدراما الإسلامية

وعودة للإنتاج الفني الإسلامي، فإني أتساءل في كثير من الأحيان، لماذا عقرت مدارس الإخوان المسلمين وعلى مدار الثمانين عاما من الإتيان بمنتج فني يماثل المسلسل الأشهر عربيا (باب الحارة)، أو (الموت قادم من الشرق) أو (ليالي الصالحية)؟، والذي لولا ظهور بعض المنكشفات فيها لدعا إلى متابعتها خطباء المساجد من على منابر رسول الله، لعظيم المبادئ الشرقية التي قامت عليها هذا المنتج الفنية من شهامة ونخوة وأصالة وكرم وجود وبر وشجاعة، لولا استغلال النظام السوري لها مؤخرا وحرفها عن المسار الذي كان قد خط فيه.

لقد آن الأوان للإسلاميين العرب وأخص منهم الإخوان بمصر -إذا ما أرداوا العودة للمشاركة السياسية- الدراسة الكافية والمتابعة الحثيثة لمتغيرات الإعلام ومحتويات الخطاب في مصر وفي العالم المحيط، وأن تمتص تلك الجماعة من الوسائل ما يمكِّن الجماهير والشعوب العربية أن تستهضم سياستها وخططها، وأن تتقبلها الأوساط السياسية في العالم من حيث الأسلوب ومضمون وهيئة الخطاب، بالقدر الذي يتيح تعددية سياسية وفنية وثقافية في الوسط العربي لا تكون فيه عدد أجزاء القرآن التي يحفظها الفرد، أو عدد سنوات السجن التي قضاها الفرد المنتمي للجماعة هي المعيار الأول في التعيين والتنصيب، وهذا يتطلب إستراتيجية تنظر للمعترك الفني والإعلامي بأهمية تزيد عن النظر لأهمية المعترك السياسي، سيما ونحن بوقت بات فيه الإعلام هو السلطة الأولى في العالم العربي، تطيح بأنظمة وتأتي بآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد